منذ نهاية الأربعينيات، كانت واحدة من الحقائق الأمنية للعالم الغربي هي حلف «الناتو»، الذي واجه بالجغرافيا قبل السياسة والسلاح دول الكتلة الشرقية، ثم واصل دوره في مأسسة الأمن الإقليمي لأوروبا وأمريكا الشمالية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. غير أن وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2017 أدخل الناتو مرحلة جديدة تسببت في الكثير من الإرباك للقارة العجوز.
لم تكن المشكلة فقط في أن ترامب طالب الأوروبيين بدفع المزيد، فهذا كلام قيل من قبل بطرق مختلفة، لكن الجديد أنه طرح المسألة كلها بلغة حادة ومباشرة، كأن التحالف العسكري الأكبر والأقدم في العالم مجرد حساب بنكي بين طرف يدفع وطرف يستفيد! منذ تلك اللحظة، لم يعد الأوروبيون يتعاملون مع الناتو باعتباره حقيقة ثابتة في الأمن وسياسات الدفاع والسياسات الخارجية عمومًا، بل صاروا ينظرون إليه باعتباره عرضة للتقلبات السياسية والمزاجية للقيادة الأمريكية.
قبل ترامب، كان الجدل حول تقاسم الأعباء قائمًا، فحدث أكثر من مرة أن اشتكى دبلوماسيون وساسة أمريكيون من ضعف الإنفاق الأوروبي، إلا أن الأمر أخذ منعطفًا حادًا، حيث إن تصريحات ترامب المتكررة كانت تعنى ببساطة أن الحماية الأمريكية لم تعد التزامًا استراتيجيًا مستقرًا، بل أصبحت مشروطة وقابلة للتغيير!
الحقيقة أنني لا أعتقد أن ترامب يريد هدم الناتو حقًا -حتى إن كان الرجل، بشكل عام، لا يفضل التنظيم الدولي أو حتى القاري كوسيلة لتحقيق الأمن- لكنه بالفعل يعتبر أن الالتزام الأمريكي فيه لا بد أن يحقق النفع المتبادل، ولذلك فقد أراد أن تصل الرسالة إلى أوروبا بهذه القوة. هدف نسبة 2% من الناتج المحلى الإجمالي لم يكن فكرة اخترعها ترامب، بل هو تعهد اتفق عليه أعضاء الناتو منذ قمة ويلز عام 2014. والمقصود هنا أن تسعى كل دولة عضو إلى إنفاق ما لا يقل عن 2% من إجمالي الناتج المحلى السنوي على الدفاع، لكن بعض الأعضاء لم يصلوا بالضرورة إلى تحقيق هذا الرقم (دول بثقل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا). ثم جاءت ضغوط ترامب، ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، لتدفع عددًا كبيرًا من الدول الأوروبية إلى التعامل مع هذه النسبة باعتبارها ضرورة عاجلة، لا بندًا مؤجلًا في وثائق الحلف.
فلنأخذ ألمانيا كمثال؛ فقد ظلت ألمانيا سنوات واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي لا تفي بالإنفاق المتفق عليه؛ إذ كانت تنفق نحو 1.19% من ناتجها المحلى الإجمالي على الدفاع في 2014، وبقيت تحت سقف 2% سنوات، قبل أن تقفز لاحقًا، تحت ضغط الحرب في أوكرانيا، إلى معدلات إنفاق عالية، بل قامت أيضًا بإنشاء صندوق استثنائي قيمته 100 مليار يورو لتحديث الجيش! وفى المقابل، كانت دول مثل بولندا ورومانيا تلتزم بشكل أكثر صرامة، ليس فقط استجابة لمطالب واشنطن، بل لأن التهديد الروسي بالنسبة إليها كان مباشرًا وصريحًا.
ثم جاءت حرب أوكرانيا في فبراير 2022 لتعيد تعريف وظيفة الناتو بوضوح لم تعرفه أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. قبل الغزو الروسي، كان لا يزال ممكنًا داخل بعض العواصم الأوروبية أن يُنظر إلى روسيا باعتبارها تحديًا يمكن احتواء خطره بالتوازنات السياسية والردع غير المباشر. بعد الحرب، سقط هذا التصور؛ فقد عادت روسيا لتظهر كتهديد عسكري مباشر، وعاد الناتو إلى لغته الأصلية: الردع، والدفاع الجماعي، والاستعداد لحرب واسعة في أوروبا إذا فرضت الظروف ذلك. وهنا تحديدًا، لم يعد النقاش حول مستقبل الحلف نقاشًا نظريًا، بل صار نقاشًا وجوديًا بالنسبة إلى قطاع واسع من الأوروبيين.
كانت من أبرز نتائج الحرب الأوكرانية أيضًا توسع حلف الناتو بانضمام فنلندا ثم السويد. ولم يكن هذا مجرد إجراء شكلي أو إضافة عضوين جديدين، بل تحولًا سياسيًا واستراتيجيًا مهمًا. ففنلندا، التي ظلت سنوات طويلة حذرة في علاقتها العسكرية مع الجارة الروسية، وصلت إلى قناعة بأن البقاء خارج الحلف لم يعد يوفر لها الأمان الكافي. كذلك فقد وصلت السويد إلى القناعة نفسها. ومع عضوية البلدين تغيرت أيضًا خريطة الأمن في شمال أوروبا، وأصبح الحلف أكثر حضورًا في منطقة البلطيق وعلى الحدود الشمالية مع روسيا. وهذا يوضح أن حرب أوكرانيا لم تدفع الناتو إلى مزيد من النشاط فقط، بل دفعت أيضًا دولًا كانت تفضل البقاء خارجه إلى مراجعة موقفها والانضمام إليه.
لكن رغم كل هذه التحولات، ظلت المشكلة الأمريكية حاضرة، وربما أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. صحيح أن الناتو اليوم أقوى عسكريًا، وأن الدول الأوروبية رفعت إنفاقها الدفاعي وراجعت حساباتها الأمنية بجدية أكبر، لكن هذا لم يبدد القلق السياسي داخل الحلف. على العكس، صار عدد متزايد من الساسة والناخبين الأوروبيين يشعرون بأن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد مضمونًا كما كان في السابق. فالأثر الذي تركه ترامب داخل الناتو لم يقتصر على الضغط من أجل زيادة الإنفاق، بل شمل أيضًا زرع شك أعمق في ثبات الالتزام الأمريكي نفسه. ولهذا لم تعد الانتخابات الأمريكية بالنسبة إلى أوروبا مجرد شأن داخلي يخص الولايات المتحدة، بل أصبحت مسألة قد تؤثر مباشرة في شكل الأمن الأوروبي ومستقبله.
وفى هذا السياق، لا يمكن تجاهل أثر الحرب على إيران، حتى لو ظل هذا الملف أقل وزنًا داخل الناتو من الحرب الأوكرانية. لكن أهمية هذه الحرب لا تعود فقط إلى تطوراتها العسكرية، بل أيضًا إلى ما كشفته عن طبيعة العلاقة بين ترامب والحلفاء الأوروبيين. فعندما أراد من الأوروبيين اصطفافًا أوضح خلف الموقف الأمريكي، وخاصة فيما يتعلق بتأمين مضيق هرمز، ظهر مرة أخرى أن إدارة ترامب لا تنظر إلى حلف الناتو بالطريقة نفسها التي ينظر بها الأوروبيون إليه. فبالنسبة إلى عدد من العواصم الأوروبية، يظل الناتو تحالفًا دفاعيًا له حدود ووظائف محددة، وليس آلة تتحرك تلقائيًا في كل مواجهة تختارها واشنطن.
أما ترامب، فكثيرًا ما بدا وكأنه يقيس قيمة الحلف بمدى استعداد أعضائه للسير مع الولايات المتحدة، أو حتى خلفها، عندما تطلب ذلك. ومن هنا، أعادت الحرب مع إيران التذكير بأن التوتر داخل الناتو لا يتعلق فقط بروسيا، بل أيضًا بمعنى التحالف نفسه: من يحدد أولوياته، ومن يقرر متى يتحرك، وهل يبقى القرار جماعيًا فعلًا، أم يظل في النهاية خاضعًا لإرادة العضو الأكبر فيه؟!
الحقيقة أن حلف الناتو اليوم أقوى عسكريًا وأكثر استعدادًا من ذي قبل، لكنه أيضًا أكثر توترًا من الناحية السياسية. الأوروبيون صاروا أكثر وعيًا بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد مريحًا ولا مضمونًا كما كان، لكنهم في الوقت نفسه لا يملكون بديلًا جاهزًا عن هذه المظلة الأطلسية!
هنا تظهر المشكلة الأساسية؛ فالحلف في السنوات المقبلة سيحاول أن يبقى قويًا وموحدًا، ولن يكون ذلك سهلًا. أوروبا مطالبة بأن تتحمل عبئًا دفاعيًا أكبر، والولايات المتحدة مطالبة بأن تقدم قدرًا أكبر من الطمأنة السياسية، لأن تماسك الحلف لم يعد مسألة مضمونة كما كان الأمر في السابق.
{ أستاذ مشارك في العلاقات الدولية
بجامعة دنفر الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك