العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مصير حلف «الناتو» في ضوء تطورات الحرب على إيران

بقلم: د. أحمد عبدربه

الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الأربعينيات،‭ ‬كانت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬الأمنية‭ ‬للعالم‭ ‬الغربي‭ ‬هي‭ ‬حلف‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬واجه‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬قبل‭ ‬السياسة‭ ‬والسلاح‭ ‬دول‭ ‬الكتلة‭ ‬الشرقية،‭ ‬ثم‭ ‬واصل‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬مأسسة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬لأوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وصول‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2017‭ ‬أدخل‭ ‬الناتو‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإرباك‭ ‬للقارة‭ ‬العجوز‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬المشكلة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬طالب‭ ‬الأوروبيين‭ ‬بدفع‭ ‬المزيد،‭ ‬فهذا‭ ‬كلام‭ ‬قيل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬أنه‭ ‬طرح‭ ‬المسألة‭ ‬كلها‭ ‬بلغة‭ ‬حادة‭ ‬ومباشرة،‭ ‬كأن‭ ‬التحالف‭ ‬العسكري‭ ‬الأكبر‭ ‬والأقدم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬مجرد‭ ‬حساب‭ ‬بنكي‭ ‬بين‭ ‬طرف‭ ‬يدفع‭ ‬وطرف‭ ‬يستفيد‭! ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأوروبيون‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الناتو‭ ‬باعتباره‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬وسياسات‭ ‬الدفاع‭ ‬والسياسات‭ ‬الخارجية‭ ‬عمومًا،‭ ‬بل‭ ‬صاروا‭ ‬ينظرون‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلبات‭ ‬السياسية‭ ‬والمزاجية‭ ‬للقيادة‭ ‬الأمريكية‭.‬

قبل‭ ‬ترامب،‭ ‬كان‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬تقاسم‭ ‬الأعباء‭ ‬قائمًا،‭ ‬فحدث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬اشتكى‭ ‬دبلوماسيون‭ ‬وساسة‭ ‬أمريكيون‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الإنفاق‭ ‬الأوروبي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬أخذ‭ ‬منعطفًا‭ ‬حادًا،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬المتكررة‭ ‬كانت‭ ‬تعنى‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬الحماية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التزامًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬مستقرًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مشروطة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتغيير‭!‬

الحقيقة‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يريد‭ ‬هدم‭ ‬الناتو‭ ‬حقًا‭ -‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الرجل،‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬لا‭ ‬يفضل‭ ‬التنظيم‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬القاري‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأمن‭- ‬لكنه‭ ‬بالفعل‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الالتزام‭ ‬الأمريكي‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬النفع‭ ‬المتبادل،‭ ‬ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭. ‬هدف‭ ‬نسبة‭ ‬2‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فكرة‭ ‬اخترعها‭ ‬ترامب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تعهد‭ ‬اتفق‭ ‬عليه‭ ‬أعضاء‭ ‬الناتو‭ ‬منذ‭ ‬قمة‭ ‬ويلز‭ ‬عام‭ ‬2014‭. ‬والمقصود‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬إلى‭ ‬إنفاق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬2‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬السنوي‭ ‬على‭ ‬الدفاع،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬الأعضاء‭ ‬لم‭ ‬يصلوا‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ (‬دول‭ ‬بثقل‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وبلجيكا‭). ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬ضغوط‭ ‬ترامب،‭ ‬ثم‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية،‭ ‬لتدفع‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ضرورة‭ ‬عاجلة،‭ ‬لا‭ ‬بندًا‭ ‬مؤجلًا‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬الحلف‭.‬

فلنأخذ‭ ‬ألمانيا‭ ‬كمثال؛‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬ألمانيا‭ ‬سنوات‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفي‭ ‬بالإنفاق‭ ‬المتفق‭ ‬عليه؛‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تنفق‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬19‭% ‬من‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬2014،‭ ‬وبقيت‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬2‭% ‬سنوات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقفز‭ ‬لاحقًا،‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬إلى‭ ‬معدلات‭ ‬إنفاق‭ ‬عالية،‭ ‬بل‭ ‬قامت‭ ‬أيضًا‭ ‬بإنشاء‭ ‬صندوق‭ ‬استثنائي‭ ‬قيمته‭ ‬100‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬لتحديث‭ ‬الجيش‭! ‬وفى‭ ‬المقابل،‭ ‬كانت‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬بولندا‭ ‬ورومانيا‭ ‬تلتزم‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬استجابة‭ ‬لمطالب‭ ‬واشنطن،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬التهديد‭ ‬الروسي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬كان‭ ‬مباشرًا‭ ‬وصريحًا‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022‭ ‬لتعيد‭ ‬تعريف‭ ‬وظيفة‭ ‬الناتو‭ ‬بوضوح‭ ‬لم‭ ‬تعرفه‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ممكنًا‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬العواصم‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬تحديًا‭ ‬يمكن‭ ‬احتواء‭ ‬خطره‭ ‬بالتوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والردع‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭. ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬سقط‭ ‬هذا‭ ‬التصور؛‭ ‬فقد‭ ‬عادت‭ ‬روسيا‭ ‬لتظهر‭ ‬كتهديد‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر،‭ ‬وعاد‭ ‬الناتو‭ ‬إلى‭ ‬لغته‭ ‬الأصلية‭: ‬الردع،‭ ‬والدفاع‭ ‬الجماعي،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لحرب‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إذا‭ ‬فرضت‭ ‬الظروف‭ ‬ذلك‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدًا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الحلف‭ ‬نقاشًا‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬نقاشًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭.‬

كانت‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نتائج‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أيضًا‭ ‬توسع‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬بانضمام‭ ‬فنلندا‭ ‬ثم‭ ‬السويد‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬شكلي‭ ‬أو‭ ‬إضافة‭ ‬عضوين‭ ‬جديدين،‭ ‬بل‭ ‬تحولًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬واستراتيجيًا‭ ‬مهمًا‭. ‬ففنلندا،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬حذرة‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬الجارة‭ ‬الروسية،‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬البقاء‭ ‬خارج‭ ‬الحلف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬الأمان‭ ‬الكافي‭. ‬كذلك‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬السويد‭ ‬إلى‭ ‬القناعة‭ ‬نفسها‭. ‬ومع‭ ‬عضوية‭ ‬البلدين‭ ‬تغيرت‭ ‬أيضًا‭ ‬خريطة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا،‭ ‬وأصبح‭ ‬الحلف‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البلطيق‭ ‬وعلى‭ ‬الحدود‭ ‬الشمالية‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭. ‬وهذا‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لم‭ ‬تدفع‭ ‬الناتو‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬دفعت‭ ‬أيضًا‭ ‬دولًا‭ ‬كانت‭ ‬تفضل‭ ‬البقاء‭ ‬خارجه‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬موقفها‭ ‬والانضمام‭ ‬إليه‭.‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬ظلت‭ ‬المشكلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حاضرة،‭ ‬وربما‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الناتو‭ ‬اليوم‭ ‬أقوى‭ ‬عسكريًا،‭ ‬وأن‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬رفعت‭ ‬إنفاقها‭ ‬الدفاعي‭ ‬وراجعت‭ ‬حساباتها‭ ‬الأمنية‭ ‬بجدية‭ ‬أكبر،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يبدد‭ ‬القلق‭ ‬السياسي‭ ‬داخل‭ ‬الحلف‭. ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬صار‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬والناخبين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مضمونًا‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬فالأثر‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬ترامب‭ ‬داخل‭ ‬الناتو‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬أيضًا‭ ‬زرع‭ ‬شك‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬ثبات‭ ‬الالتزام‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬مجرد‭ ‬شأن‭ ‬داخلي‭ ‬يخص‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مسألة‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الأمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬ومستقبله‭.‬

وفى‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أثر‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬أقل‭ ‬وزنًا‭ ‬داخل‭ ‬الناتو‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭. ‬لكن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تطوراتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كشفته‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬والحلفاء‭ ‬الأوروبيين‭. ‬فعندما‭ ‬أراد‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬اصطفافًا‭ ‬أوضح‭ ‬خلف‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتأمين‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ظهر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬بها‭ ‬الأوروبيون‭ ‬إليه‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬الأوروبية،‭ ‬يظل‭ ‬الناتو‭ ‬تحالفًا‭ ‬دفاعيًا‭ ‬له‭ ‬حدود‭ ‬ووظائف‭ ‬محددة،‭ ‬وليس‭ ‬آلة‭ ‬تتحرك‭ ‬تلقائيًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مواجهة‭ ‬تختارها‭ ‬واشنطن‭.‬

أما‭ ‬ترامب،‭ ‬فكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬يقيس‭ ‬قيمة‭ ‬الحلف‭ ‬بمدى‭ ‬استعداد‭ ‬أعضائه‭ ‬للسير‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬خلفها،‭ ‬عندما‭ ‬تطلب‭ ‬ذلك‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أعادت‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬التوتر‭ ‬داخل‭ ‬الناتو‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بروسيا،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بمعنى‭ ‬التحالف‭ ‬نفسه‭: ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬أولوياته،‭ ‬ومن‭ ‬يقرر‭ ‬متى‭ ‬يتحرك،‭ ‬وهل‭ ‬يبقى‭ ‬القرار‭ ‬جماعيًا‭ ‬فعلًا،‭ ‬أم‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬خاضعًا‭ ‬لإرادة‭ ‬العضو‭ ‬الأكبر‭ ‬فيه؟‭!‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬اليوم‭ ‬أقوى‭ ‬عسكريًا‭ ‬وأكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬أكثر‭ ‬توترًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭. ‬الأوروبيون‭ ‬صاروا‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬بأن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مريحًا‭ ‬ولا‭ ‬مضمونًا‭ ‬كما‭ ‬كان،‭ ‬لكنهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬بديلًا‭ ‬جاهزًا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المظلة‭ ‬الأطلسية‭!‬

هنا‭ ‬تظهر‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية؛‭ ‬فالحلف‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬سيحاول‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬قويًا‭ ‬وموحدًا،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬سهلًا‭. ‬أوروبا‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تتحمل‭ ‬عبئًا‭ ‬دفاعيًا‭ ‬أكبر،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تقدم‭ ‬قدرًا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الطمأنة‭ ‬السياسية،‭ ‬لأن‭ ‬تماسك‭ ‬الحلف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬مضمونة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية

‭ ‬بجامعة‭ ‬دنفر‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا