في أعقاب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق، اتخذت فيها طهران قرارًا استراتيجيًا بتوسيع نطاق المواجهة ليشمل استهداف دول الخليج بشكل مباشر. هذا التحول لا يمثل مجرد تصعيد عسكري عابر، بل يعكس تغيرًا بنيويًا عميقًا في طبيعة التفاعلات الإقليمية، ويؤسس لمرحلة أكثر اضطرابًا وعرضة للصراعات، ويعيد المنطقة إلى أنماط قديمة من انعدام الاستقرار.
على مدار سنوات، اعتمدت إيران على استراتيجية «العمل غير المباشر»، من خلال وكلاء إقليميين، وهجمات محدودة ومدروسة، وعمليات تهدف إلى تثبيت الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذه القواعد تغيرت مع اندلاع الحرب الحالية، حيث انتقلت طهران إلى استهداف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، بما في ذلك منشآت الطاقة والموانئ والمراكز الاقتصادية. هذا التحول يعكس استعدادًا إيرانيًا لتحمّل مخاطر أكبر، ويؤشر إلى أن منطق ضبط التصعيد لم يعد حاكمًا للسلوك الإقليمي لطهران.
وقد أدى هذا التغير إلى تقويض المسار الذي سلكته دول الخليج خلال السنوات الماضية، الذي قام على إدارة التوتر مع إيران عبر الحوار والانخراط الدبلوماسي. فقبل الحرب، شهدت العلاقات الخليجية الإيرانية تحسنًا نسبيًا، مدفوعًا باعتبارات براجماتية تتعلق بالاستقرار الإقليمي وحماية تدفقات الطاقة ودعم خطط التنمية الاقتصادية. غير أن الهجمات الإيرانية المباشرة على أراضي دول الخليج أنهت فعليًا هذا المسار، وأعادت عن حق وبمشروعية كاملة تعريف إيران كتهديد مباشر للأمن القومي، وليس مجرد خصم يمكن احتواؤه.
في هذا السياق، تبدو العودة إلى سياسات الردع والاحتواء أمرًا شبه حتمي. فالحكومات الخليجية التي كانت تراهن على التهدئة ستجد نفسها مضطرة إلى اعتماد مقاربات أمنية أكثر صرامة، تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية، وتكثيف التعاون العسكري، والحد من المخاطر المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. كما أن الرهان على بناء نظام إقليمي قائم على الأمن الجماعي والحوار متعدد الأطراف سيتراجع بشكل كبير، لصالح ترتيبات ثنائية أو تحالفات تقليدية.
لقد ثبت ان الاعتماد المتزايد على التحالف مع قوى خارجية يأتي بكلفة مرتفعة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا اقتصاديًا. فاستهداف إيران للبنية التحتية في الخليج يضرب قلب الاقتصاد العالمي، نظرًا إلى الدور المحوري الذي تلعبه المنطقة في إنتاج وتصدير النفط والغاز. ويُعد مضيق هرمز مثالًا صارخًا على هشاشة هذا النظام الإقليمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، ترتفع أسعار النفط، وتتزايد الضغوط التضخمية عالميًا، ما يعكس الترابط العميق بين استقرار الخليج واستقرار الاقتصاد الدولي.
وعلى المستوى الداخلي، تواجه دول الخليج ازمة غير مسبوقة. فبينما قد تستفيد مؤقتًا من ارتفاع أسعار الطاقة، فإن استمرار التوترات الأمنية يهدد خططها طويلة الأجل لتنويع الاقتصاد. هذه الخطط، التي تشمل تطوير قطاعات السياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، تعتمد بشكل أساسي على بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار. ومع تزايد المخاطر، قد يتردد المستثمرون، وتتراجع وتيرة المشاريع، ما يقوض التحولات الاقتصادية التي سعت إليها هذه الدول خلال العقد الماضي.
إلى جانب ذلك، من المرجح أن يؤدى التصعيد إلى زيادة الإنفاق العسكري، على حساب جهود التنمية وتطوير البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. ومع مرور الوقت، قد يعيد هذا التوجه تشكيل أولويات السياسات العامة، ويضع ضغوطًا إضافية على المجتمعات، وخاصة إذا طال أمد الصراع.
ومن بين أبرز الخسائر الاستراتيجية في هذا السياق، تراجع فرص بناء نظام إقليمي قائم على الأمن الجماعي. فقد كانت هناك محاولات، وإن كانت محدودة، لتعزيز التعاون الإقليمي وإدارة النزاعات عبر قنوات دبلوماسية. غير أن الهجمات الإيرانية تقوض الثقة، وهي الركيزة الأساسية لأي تعاون متعدد الأطراف، وتدفع الدول نحو التركيز على أمنها الوطني بشكل منفرد. وفى ظل غياب آليات فعالة للحوار وإدارة الأزمات، تزداد احتمالات سوء الفهم والتصعيد غير المقصود.
في المقابل، يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى تعميم كلفة الحرب، من خلال استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية في الخليج، بما يخلق ضغوطًا للمطالبة بإنهاء الصراع. غير أن هذه المقاربة قد تأتى بنتائج عكسية، فتسرّع من عزل إيران إقليميًا.
في المحصلة، تشير التطورات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة أكثر صدامية، تتراجع فيها فرص التهدئة والتعاون، ويعلو فيها منطق القوة والردع. فبدلًا من البناء على مسارات خفض التصعيد التي بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، تعود المنطقة إلى أنماط مألوفة من التنافس الحاد، والتحالفات المتصلبة، وانعدام الثقة.
وما لم يحدث اختراق دبلوماسي كبير يوقف هذا المسار، فإن الخليج والشرق الأوسط عمومًا قد يدخلان في مرحلة تتسم بتكرار الأزمات، وتصاعد المواجهات، وتراجع فرص التنمية. وفى هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد حدث عابر، بل نقطة تحول تعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي، وتدفعه خطوات إلى الوراء، نحو حقبة أكثر انعزالًا وهشاشة.
{ مدير برنامج الشرق الأوسط
في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك