العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قراءة في الآثار الوخيمة للعدوان الإيراني على دول الخليج

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أعقاب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬دخل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬غير‭ ‬المسبوق،‭ ‬اتخذت‭ ‬فيها‭ ‬طهران‭ ‬قرارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬بتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬المواجهة‭ ‬ليشمل‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تغيرًا‭ ‬بنيويًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ويؤسس‭ ‬لمرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬اضطرابًا‭ ‬وعرضة‭ ‬للصراعات،‭ ‬ويعيد‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬قديمة‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الاستقرار‭.‬

على‭ ‬مدار‭ ‬سنوات،‭ ‬اعتمدت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المباشر‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وكلاء‭ ‬إقليميين،‭ ‬وهجمات‭ ‬محدودة‭ ‬ومدروسة،‭ ‬وعمليات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬الردع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬تغيرت‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬منشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬والموانئ‭ ‬والمراكز‭ ‬الاقتصادية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬استعدادًا‭ ‬إيرانيًا‭ ‬لتحمّل‭ ‬مخاطر‭ ‬أكبر،‭ ‬ويؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬ضبط‭ ‬التصعيد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حاكمًا‭ ‬للسلوك‭ ‬الإقليمي‭ ‬لطهران‭.‬

وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬سلكته‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التوتر‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬الحوار‭ ‬والانخراط‭ ‬الدبلوماسي‭. ‬فقبل‭ ‬الحرب،‭ ‬شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تحسنًا‭ ‬نسبيًا،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬باعتبارات‭ ‬براجماتية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬وحماية‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬ودعم‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أنهت‭ ‬فعليًا‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬وأعادت‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬وبمشروعية‭ ‬كاملة‭ ‬تعريف‭ ‬إيران‭ ‬كتهديد‭ ‬مباشر‭ ‬للأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬خصم‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤه‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬الردع‭ ‬والاحتواء‭ ‬أمرًا‭ ‬شبه‭ ‬حتمي‭. ‬فالحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬التهدئة‭ ‬ستجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربات‭ ‬أمنية‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتكثيف‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الإيرانية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬والحوار‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬سيتراجع‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬لصالح‭ ‬ترتيبات‭ ‬ثنائية‭ ‬أو‭ ‬تحالفات‭ ‬تقليدية‭.‬

لقد‭ ‬ثبت‭ ‬ان‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬خارجية‭ ‬يأتي‭ ‬بكلفة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬اقتصاديًا‭. ‬فاستهداف‭ ‬إيران‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يضرب‭ ‬قلب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬وتصدير‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭. ‬ويُعد‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مثالًا‭ ‬صارخًا‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬إذ‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية،‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وتتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬عالميًا،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الترابط‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬استقرار‭ ‬الخليج‭ ‬واستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ازمة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬فبينما‭ ‬قد‭ ‬تستفيد‭ ‬مؤقتًا‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬التوترات‭ ‬الأمنية‭ ‬يهدد‭ ‬خططها‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬لتنويع‭ ‬الاقتصاد‭. ‬هذه‭ ‬الخطط،‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬تطوير‭ ‬قطاعات‭ ‬السياحة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬وجاذبة‭ ‬للاستثمار‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬المخاطر،‭ ‬قد‭ ‬يتردد‭ ‬المستثمرون،‭ ‬وتتراجع‭ ‬وتيرة‭ ‬المشاريع،‭ ‬ما‭ ‬يقوض‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬إليها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يؤدى‭ ‬التصعيد‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬جهود‭ ‬التنمية‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬تشكيل‭ ‬أولويات‭ ‬السياسات‭ ‬العامة،‭ ‬ويضع‭ ‬ضغوطًا‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وخاصة‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الصراع‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬الخسائر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تراجع‭ ‬فرص‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬محاولات،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬محدودة،‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬وإدارة‭ ‬النزاعات‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬دبلوماسية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬تقوض‭ ‬الثقة،‭ ‬وهي‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لأي‭ ‬تعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وتدفع‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬بشكل‭ ‬منفرد‭. ‬وفى‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬آليات‭ ‬فعالة‭ ‬للحوار‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬تزداد‭ ‬احتمالات‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬والتصعيد‭ ‬غير‭ ‬المقصود‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعميم‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬ضغوطًا‭ ‬للمطالبة‭ ‬بإنهاء‭ ‬الصراع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬قد‭ ‬تأتى‭ ‬بنتائج‭ ‬عكسية،‭ ‬فتسرّع‭ ‬من‭ ‬عزل‭ ‬إيران‭ ‬إقليميًا‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تشير‭ ‬التطورات‭ ‬الراهنة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬صدامية،‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬فرص‭ ‬التهدئة‭ ‬والتعاون،‭ ‬ويعلو‭ ‬فيها‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬والردع‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬خفض‭ ‬التصعيد‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تعود‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬مألوفة‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬الحاد،‭ ‬والتحالفات‭ ‬المتصلبة،‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقة‭.‬

وما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬اختراق‭ ‬دبلوماسي‭ ‬كبير‭ ‬يوقف‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬فإن‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عمومًا‭ ‬قد‭ ‬يدخلان‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تتسم‭ ‬بتكرار‭ ‬الأزمات،‭ ‬وتصاعد‭ ‬المواجهات،‭ ‬وتراجع‭ ‬فرص‭ ‬التنمية‭. ‬وفى‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الحرب‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وتدفعه‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬نحو‭ ‬حقبة‭ ‬أكثر‭ ‬انعزالًا‭ ‬وهشاشة‭.‬

{‭ ‬مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬

في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا