في صندوق جدي وجدت هذه القصاصة، تقول الحكاية:
إن إبليس عليه لعنة الله وعشيرته وأولاده كانوا يسكنون في أطراف قرية، وعندما ضرب الجفاف تلك المنطقة، قرر إبليس المغادرة إلى منطقة أكثر ثراءً واخضرارًا، فحمل أدواته وعفش منزله، وبدأت عملية النزوح.
وفي طريقهم للرحيل شاهد من بعيد خيمة بسيطة، ووجد امرأة تجلس خارج الخيمة وفي حضنها طفل رضيع، وبالقرب من الخيمة والمرأة وجد بقرة مربوطة بوتد، وعندما اقترب من الخيمة وجد أن المرأة قد وضعت الرضيع على جانب الخيمة وكانت تقوم بحلب تلك البقرة وتطبخ الطعام.
ففكر إبليس وقال في نفسه: «كيف يمكنني أن أشعل فتنة في هذه الأرض الهادئة المسالمة قبل مغادرتنا؟». فكر لحظات ثم قال لأبنائه: «انتظروني هنا قليلاً، وسأعود إليكم».
ذهب من خلف المرأة واقترب من البقرة، فحرك الوتد ووكز البقرة فخافت وهاجت، فانسكب الحليب على الأرض ودهست الرضيع عدة مرات فقتلته دهسًا، فغضبت المرأة فدفعت البقرة وضربتها بعصا غليظة بشدة وبحرقتها على وليدها ثم قامت بطعن البقرة بالسكين عدة طعنات فسقطت البقرة ميتة، ثم أخذت المرأة الرضيع وجلست تبكي عليه.
وبعدها بلحظات جاء الرجل، فرأى طفله ميتًا والبقرة مقتولة، والسكينة الملطخة بالدم في يد زوجته، فتملكه الغضب الشديد، فقام بضرب زوجته ضربًا مبرحًا حتى ماتت، وأثناء ذلك كان شقيق المرأة المقتولة يجري جريًا ويحاول أن يصل إلى أخته حتى يوقف الرجل ولا يستمر في ضرب شقيقته، إلا أن الموت كان أسبق، فعاد الشقيق إلى أهل قبيلته ويطالبهم بأخذ الثأر للمرأة المقتولة.
فاجتمع أهل القبيلة، وأخذوا أسلحتهم وهم يتنادون للقتال، وفي الوقت ذاته، تسامع أهل الرجل أن قبيلة المرأة ذهبت لتقتل الرجل، فتصايحوا للقتال، فخرجوا بهدف حماية الرجل، وعندما تقابلوا وجهًا لوجه، بدأ القتال من غير مقدمات، ومن غير كلام.
مات في ذلك اليوم الكثير من الناس من الطرفين، بعضهم أبرياء ليس لهم علاقة بالموضوع، وإنما أخذتهم الحمية، وبعضهم لا يدري ما الموضوع، كل الذي يعرفه أن قبيلته عزمت على القتال.
تعجب أبناء إبليس وعشيرته من هذا المنظر، فسألوه: ما الذي فعلت؟
قال: لا شيء، فقط حركت الوتد.
يقول جدي معلقًا على الحكاية «الوتد يمكن أن يكون أي شيء، لذلك راقب كلماتك أو تصرفاتك قبل أن تتكلم أو أن تفعل أي شيء، واحذر من تحريك الوتد».
وفي زاوية من زوايا القصاصة كتب جدي «كما يحدث الآن في هذه الحرب».
وتنتهي قصاصة جدي عند هذا الحد، ولكن لم أعرف أي حرب يقصد، لكن بحساب بسيط لعمري أنا وعمر جدي أعتقد أنه يقصد الحرب العالمية الأولى.
ترى ماذا حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية، فهل هناك من حرك الوتد، وجعل العالم يدمر بعضه بعضًا؟ وماذا يحدث اليوم من صراع في منطقتنا دول الخليج العربي؟
الحرب العالمية الأولى
لا نريد التحدث كثيرًا عن تفاصيل هذه الحرب ولا الثانية، ولا الأسباب الظاهرة ولا الباطنة، ولكن ببساطة فإن الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى كانت -كما تشير التقارير- هو اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، وزوجته صوفي في 28 يونيو 1914. وقع الاغتيال في سراييفو، عاصمة البوسنة، على يد طالب صربي قومي يدعى جافريلو برينسيب، عضو في منظمة سرية تسمى (اليد السوداء).
بعد اغتيال الأرشيدوق، وجهت الإمبراطورية النمساوية المجرية إنذارًا شديد اللهجة إلى صربيا، محملة إياها مسؤولية الاغتيال. وعلى الرغم من قبول صربيا لمعظم شروط الإنذار، إلا أن النمسا – المجر، بدعم قوي من ألمانيا التي قدمت ما يُعرف بشيك على بياض، مؤكدة دعمها الكامل للنمسا، أعلنت الحرب على صربيا في 28 يوليو 1914.
ونعتقد أن الطالب الصربي لم يقم بهذا الفعل من تلقاء نفسه، وإنما كان من وراء الأكمة يد تحرك هذا الشاب من أجل أهداف معينة يريد أن يجنيها من وراء كل ما حدث، هذه اليد هي التي حركت الوتد، فهل قطفت ما كانت تريد؟ أعتقد الإجابة تكون (نعم) فقد صدرت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وكذلك وعد بلفور عام 1917 الذي قدمته بريطانيا للحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، على الرغم من أن الدول العربية لم تكن منخرطة بصورة مباشرة في الحرب.
الحرب العالمية الثانية
تجدر الإشارة أن الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الثانية في أوروبا كانت بسبب غزو ألمانيا النازية لبولندا في 1 سبتمبر 1939، فقد ادعى هتلر أن الغزو كان ردًا على هجوم بولندي مزعوم على محطة إذاعية ألمانية، وهو ما كان في الواقع عملية زائفة دبرتها ألمانيا. وبعد يومين من الغزو، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا في 3 سبتمبر 1939، مما يمثل البداية الرسمية للحرب العالمية الثانية.
ويرى بعض المؤرخين أن الحرب بدأت في آسيا قبل ذلك، مع الغزو الياباني الشامل للصين عام 1937، والذي كان صراعًا كبيرًا في حد ذاته. أما بالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي، فقد شارك في غزو بولندا من الشرق بعد أسبوعين من الهجوم الألماني، وذلك بموجب اتفاقية (مولوتوف – ريبنتروب) السرية التي قسمت بولندا بين القوتين.
ومن الخسائر التاريخية للعرب بعد الحرب العالمية الثانية هو اغتصاب فلسطين وقيام دولة الاحتلال على أرضها سنة 1948، وهو حدث شكّل نقطة تحوّل فارقة في المصير العربي وأحد أعظم الخسائر الاستراتيجية والبشرية والسياسية، والتي ما زال العالم العربي يعاني منها.
بالإضافة إلى أن الواقع الجديد بعد الحرب العالمية الثانية شكّل حاجزًا كبيرًا أمام قيام مشروع عربي موحّد يعتمد على التنمية والاستقلال السياسي والاقتصادي؛ إذ تحولت المنطقة إلى فسيفساء دولية متنازعة الولاءات بين الشرق والغرب.
ومرة أخرى من حرك الوتد؟ في الحقيقة لا أعرف.
الصراع الحالي
يخطئ من يعتقد أن هذا الصراع الدائر اليوم في منطقة الخليج العربي صراع عبثي، لم يتم تخطيطه بحرفية بين الأطراف المتنازعة، فكل طرف لديه أجندته واهتماماته، وفي النهاية هذه المنطقة بالنسبة للأطراف المتنازعة وجبة يمكن تقسيمها بين الجهات المتنازعة، كل جهة تأخذ قطعة، لذلك فإن كل الدراسات الجيو سياسية تؤكد أننا أمام سايكس بيكو جديد (ولقد تحدثنا عن هذا الموضوع في مقال سابق). وعندما بحثنا عن الأجندات غير المعلنة وجدنا أنها تؤكد ما نذهب إليه، وإليكم بعض من هذه الأهداف:
أولاً: تشير تقارير استخباراتية وتحليلات جيوسياسية إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة للحملة العسكرية الحالية هو تحفيز النزعات الانفصالية داخل الوطن العربي وخاصة في دول الخليج العربي، من خلال استهداف مراكز القيادة والسيطرة وإضعاف قبضة الدولة المركزية، إذ تسعى دوائر في واشنطن وتل أبيب وطهران إلى تشجيع حركات الاستقلال لدى الأقليات العرقية، مثل الأكراد والبلوش والآذريين وما إلى ذلك.
وهذا يعني تقسيم دول الخليج العربي إلى دويلات صغيرة متناحرة لا حول لها ولا قوة، مما ينهي للأبد دورها كقوة إقليمية تفكر في الاتحاد والتحكم في النفط والثروات، مما يسهم بصورة كبيرة في التطبيع مع دولة الاحتلال.
ثانيًا: لا يمكن إغفال البعد الشخصي والسياسي للقادة المنخرطين في الصراع، إذ يُنظر إلى التصعيد العسكري كأداة فعالة للهروب من الأزمات الداخلية؛ مثلاً:
{ بنيامين نتنياهو؛ يسعى إلى استخدام حالة الحرب لتعطيل الملاحقات القضائية ضده وتوحيد المجتمع الإسرائيلي المنقسم خلف قيادته في مواجهة ما يسمى الخطر الوجودي، بالإضافة إلى أنه لا يريد الآن من الدول تطبيع العلاقات مع إسرائيل وإنما يريد أن يحكم الشرق الأوسط.
{ دونالد ترامب؛ يستخدم القوة العسكرية لإثبات (عظمة أمريكا) وصرف الأنظار عن التحديات السياسية الداخلية، معتمدًا على سياسة (السلام من خلال القوة) لتعزيز قاعدته الانتخابية، وكذلك فإنه يلهث خلف النفط وثروات الشرق الأوسط وبالتالي فهو يسعى أن يكون الحاكم الأوحد للشرق الأوسط.
{ قادة إيران؛ يسعون إلى التهرب من الفشل السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الشعب الإيراني من جراء حكم الملالي وإشغاله ببعض القضايا من هنا وهناك، ومن جانب آخر فإنهم من خلال مبدأ تصدير الثروة يسعون إلى التحكم في الشرق الأوسط.
هدف واحد يجمع الفرق المتنازعة، كما حدث في سايكس بيكو، فهل نشهد اتفاقية مشابهة تعيد تقسيم الوطن العربي الإسلامي إلى دويلات وشعوب على أسس عرقية أثنية أو طائفية من جديد؟
وربما هنا يمكننا أن نعود إلى حكاية جدي، فمن الذي حرك الوتد هذه المرة، هل هي دولة الاحتلال أو أمريكا أو إيران أم هناك أطراف لا يمكننا مشاهدتها إذ ربما تلعب خلف كواليس المسرح العالمي؟
لا نعرف، ولكن حتمًا التاريخ سيكشف لنا عن اليد التي حركت الوتد، ومع ذلك فإن هذا الأمر ليس مهمًا، وإنما الأهم هل العرب سيكون واقفين على المسرح آنذاك أم سيكونون نسيًا منسيا؟
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك