العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

صفحات من أوراق جدي القديمة.. من الذي حرك الوتد؟

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬صندوق‭ ‬جدي‭ ‬وجدت‭ ‬هذه‭ ‬القصاصة،‭ ‬تقول‭ ‬الحكاية‭:‬

إن‭ ‬إبليس‭ ‬عليه‭ ‬لعنة‭ ‬الله‭ ‬وعشيرته‭ ‬وأولاده‭ ‬كانوا‭ ‬يسكنون‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬قرية،‭ ‬وعندما‭ ‬ضرب‭ ‬الجفاف‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬قرر‭ ‬إبليس‭ ‬المغادرة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬أكثر‭ ‬ثراءً‭ ‬واخضرارًا،‭ ‬فحمل‭ ‬أدواته‭ ‬وعفش‭ ‬منزله،‭ ‬وبدأت‭ ‬عملية‭ ‬النزوح‭.‬

وفي‭ ‬طريقهم‭ ‬للرحيل‭ ‬شاهد‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬خيمة‭ ‬بسيطة،‭ ‬ووجد‭ ‬امرأة‭ ‬تجلس‭ ‬خارج‭ ‬الخيمة‭ ‬وفي‭ ‬حضنها‭ ‬طفل‭ ‬رضيع،‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬الخيمة‭ ‬والمرأة‭ ‬وجد‭ ‬بقرة‭ ‬مربوطة‭ ‬بوتد،‭ ‬وعندما‭ ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬الخيمة‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬قد‭ ‬وضعت‭ ‬الرضيع‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الخيمة‭ ‬وكانت‭ ‬تقوم‭ ‬بحلب‭ ‬تلك‭ ‬البقرة‭ ‬وتطبخ‭ ‬الطعام‭.‬

ففكر‭ ‬إبليس‭ ‬وقال‭ ‬في‭ ‬نفسه‭: ‬‮«‬كيف‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أشعل‭ ‬فتنة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الهادئة‭ ‬المسالمة‭ ‬قبل‭ ‬مغادرتنا؟‮»‬‭. ‬فكر‭ ‬لحظات‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬لأبنائه‭: ‬‮«‬انتظروني‭ ‬هنا‭ ‬قليلاً،‭ ‬وسأعود‭ ‬إليكم‮»‬‭.‬

ذهب‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬المرأة‭ ‬واقترب‭ ‬من‭ ‬البقرة،‭ ‬فحرك‭ ‬الوتد‭ ‬ووكز‭ ‬البقرة‭ ‬فخافت‭ ‬وهاجت،‭ ‬فانسكب‭ ‬الحليب‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ودهست‭ ‬الرضيع‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬فقتلته‭ ‬دهسًا،‭ ‬فغضبت‭ ‬المرأة‭ ‬فدفعت‭ ‬البقرة‭ ‬وضربتها‭ ‬بعصا‭ ‬غليظة‭ ‬بشدة‭ ‬وبحرقتها‭ ‬على‭ ‬وليدها‭ ‬ثم‭ ‬قامت‭ ‬بطعن‭ ‬البقرة‭ ‬بالسكين‭ ‬عدة‭ ‬طعنات‭ ‬فسقطت‭ ‬البقرة‭ ‬ميتة،‭ ‬ثم‭ ‬أخذت‭ ‬المرأة‭ ‬الرضيع‭ ‬وجلست‭ ‬تبكي‭ ‬عليه‭.‬

وبعدها‭ ‬بلحظات‭ ‬جاء‭ ‬الرجل،‭ ‬فرأى‭ ‬طفله‭ ‬ميتًا‭ ‬والبقرة‭ ‬مقتولة،‭ ‬والسكينة‭ ‬الملطخة‭ ‬بالدم‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬زوجته،‭ ‬فتملكه‭ ‬الغضب‭ ‬الشديد،‭ ‬فقام‭ ‬بضرب‭ ‬زوجته‭ ‬ضربًا‭ ‬مبرحًا‭ ‬حتى‭ ‬ماتت،‭ ‬وأثناء‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬شقيق‭ ‬المرأة‭ ‬المقتولة‭ ‬يجري‭ ‬جريًا‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أخته‭ ‬حتى‭ ‬يوقف‭ ‬الرجل‭ ‬ولا‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬شقيقته،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬كان‭ ‬أسبق،‭ ‬فعاد‭ ‬الشقيق‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬قبيلته‭ ‬ويطالبهم‭ ‬بأخذ‭ ‬الثأر‭ ‬للمرأة‭ ‬المقتولة‭.‬

فاجتمع‭ ‬أهل‭ ‬القبيلة،‭ ‬وأخذوا‭ ‬أسلحتهم‭ ‬وهم‭ ‬يتنادون‭ ‬للقتال،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تسامع‭ ‬أهل‭ ‬الرجل‭ ‬أن‭ ‬قبيلة‭ ‬المرأة‭ ‬ذهبت‭ ‬لتقتل‭ ‬الرجل،‭ ‬فتصايحوا‭ ‬للقتال،‭ ‬فخرجوا‭ ‬بهدف‭ ‬حماية‭ ‬الرجل،‭ ‬وعندما‭ ‬تقابلوا‭ ‬وجهًا‭ ‬لوجه،‭ ‬بدأ‭ ‬القتال‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مقدمات،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬كلام‭.‬

مات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الطرفين،‭ ‬بعضهم‭ ‬أبرياء‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬علاقة‭ ‬بالموضوع،‭ ‬وإنما‭ ‬أخذتهم‭ ‬الحمية،‭ ‬وبعضهم‭ ‬لا‭ ‬يدري‭ ‬ما‭ ‬الموضوع،‭ ‬كل‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬أن‭ ‬قبيلته‭ ‬عزمت‭ ‬على‭ ‬القتال‭.‬

تعجب‭ ‬أبناء‭ ‬إبليس‭ ‬وعشيرته‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظر،‭ ‬فسألوه‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬فعلت؟

قال‭: ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬فقط‭ ‬حركت‭ ‬الوتد‭.‬

يقول‭ ‬جدي‭ ‬معلقًا‭ ‬على‭ ‬الحكاية‭ ‬‮«‬الوتد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬لذلك‭ ‬راقب‭ ‬كلماتك‭ ‬أو‭ ‬تصرفاتك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتكلم‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬واحذر‭ ‬من‭ ‬تحريك‭ ‬الوتد‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬زاوية‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬القصاصة‭ ‬كتب‭ ‬جدي‭ ‬‮«‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‮»‬‭.‬

وتنتهي‭ ‬قصاصة‭ ‬جدي‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬يقصد،‭ ‬لكن‭ ‬بحساب‭ ‬بسيط‭ ‬لعمري‭ ‬أنا‭ ‬وعمر‭ ‬جدي‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يقصد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬

ترى‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حرك‭ ‬الوتد،‭ ‬وجعل‭ ‬العالم‭ ‬يدمر‭ ‬بعضه‭ ‬بعضًا؟‭ ‬وماذا‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي؟

 

الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى

لا‭ ‬نريد‭ ‬التحدث‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ولا‭ ‬الثانية،‭ ‬ولا‭ ‬الأسباب‭ ‬الظاهرة‭ ‬ولا‭ ‬الباطنة،‭ ‬ولكن‭ ‬ببساطة‭ ‬فإن‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أشعلت‭ ‬فتيل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ -‬كما‭ ‬تشير‭ ‬التقارير‭- ‬هو‭ ‬اغتيال‭ ‬الأرشيدوق‭ ‬فرانز‭ ‬فرديناند،‭ ‬ولي‭ ‬عهد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬النمساوية‭ ‬المجرية،‭ ‬وزوجته‭ ‬صوفي‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬يونيو‭ ‬1914‭. ‬وقع‭ ‬الاغتيال‭ ‬في‭ ‬سراييفو،‭ ‬عاصمة‭ ‬البوسنة،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬طالب‭ ‬صربي‭ ‬قومي‭ ‬يدعى‭ ‬جافريلو‭ ‬برينسيب،‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬سرية‭ ‬تسمى‭ (‬اليد‭ ‬السوداء‭).‬

بعد‭ ‬اغتيال‭ ‬الأرشيدوق،‭ ‬وجهت‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬النمساوية‭ ‬المجرية‭ ‬إنذارًا‭ ‬شديد‭ ‬اللهجة‭ ‬إلى‭ ‬صربيا،‭ ‬محملة‭ ‬إياها‭ ‬مسؤولية‭ ‬الاغتيال‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬صربيا‭ ‬لمعظم‭ ‬شروط‭ ‬الإنذار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النمسا‭ ‬–‭ ‬المجر،‭ ‬بدعم‭ ‬قوي‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بشيك‭ ‬على‭ ‬بياض،‭ ‬مؤكدة‭ ‬دعمها‭ ‬الكامل‭ ‬للنمسا،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬صربيا‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬يوليو‭ ‬1914‭.‬

ونعتقد‭ ‬أن‭ ‬الطالب‭ ‬الصربي‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بهذا‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الأكمة‭ ‬يد‭ ‬تحرك‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أهداف‭ ‬معينة‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يجنيها‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬هذه‭ ‬اليد‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬حركت‭ ‬الوتد،‭ ‬فهل‭ ‬قطفت‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تريد؟‭ ‬أعتقد‭ ‬الإجابة‭ ‬تكون‭ (‬نعم‭) ‬فقد‭ ‬صدرت‭ ‬اتفاقية سايكس‭ ‬بيكو‭ ‬عام‭ ‬1916‭ ‬وكذلك‭ ‬وعد‭ ‬بلفور‭ ‬عام‭ ‬1917‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬بريطانيا‭ ‬للحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬بإنشاء‭ ‬وطن‭ ‬قومي‭ ‬لليهود‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬منخرطة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭.‬

الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬أن‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أشعلت‭ ‬فتيل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬غزو‭ ‬ألمانيا‭ ‬النازية‭ ‬لبولندا‭ ‬في‭ ‬1‭ ‬سبتمبر‭ ‬1939،‭ ‬فقد‭ ‬ادعى‭ ‬هتلر‭ ‬أن‭ ‬الغزو‭ ‬كان‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬هجوم‭ ‬بولندي‭ ‬مزعوم‭ ‬على‭ ‬محطة‭ ‬إذاعية‭ ‬ألمانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬عملية‭ ‬زائفة‭ ‬دبرتها‭ ‬ألمانيا‭. ‬وبعد‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬الغزو،‭ ‬أعلنت‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬سبتمبر‭ ‬1939،‭ ‬مما‭ ‬يمثل‭ ‬البداية‭ ‬الرسمية‭ ‬للحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

ويرى‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬مع‭ ‬الغزو‭ ‬الياباني‭ ‬الشامل‭ ‬للصين‭ ‬عام‭ ‬1937،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬صراعًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬فقد‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬غزو‭ ‬بولندا‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬بعد‭ ‬أسبوعين‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬الألماني،‭ ‬وذلك‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ (‬مولوتوف‭ ‬–‭ ‬ريبنتروب‭) ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬قسمت‭ ‬بولندا‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭.‬

ومن‭ ‬الخسائر‭ ‬التاريخية‭ ‬للعرب‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬هو‭ ‬اغتصاب‭ ‬فلسطين‭ ‬وقيام‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬سنة‭ ‬1948،‭ ‬وهو‭ ‬حدث‭ ‬شكّل‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬المصير‭ ‬العربي‭ ‬وأحد‭ ‬أعظم‭ ‬الخسائر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والبشرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬شكّل‭ ‬حاجزًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬أمام‭ ‬قيام‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬موحّد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقلال‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬فسيفساء‭ ‬دولية‭ ‬متنازعة‭ ‬الولاءات‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.‬

ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬حرك‭ ‬الوتد؟‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭.‬

 

الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬

يخطئ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬صراع‭ ‬عبثي،‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تخطيطه‭ ‬بحرفية‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة،‭ ‬فكل‭ ‬طرف‭ ‬لديه‭ ‬أجندته‭ ‬واهتماماته،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطراف‭ ‬المتنازعة‭ ‬وجبة‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيمها‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬المتنازعة،‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬تأخذ‭ ‬قطعة،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬الدراسات‭ ‬الجيو‭ ‬سياسية‭ ‬تؤكد‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو‭ ‬جديد‭ (‬ولقد‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭). ‬وعندما‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬الأجندات‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬وجدنا‭ ‬أنها‭ ‬تؤكد‭ ‬ما‭ ‬نذهب‭ ‬إليه،‭ ‬وإليكم‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭:‬

أولاً‭: ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬استخباراتية‭ ‬وتحليلات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأهداف‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬للحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬الحالية‭ ‬هو‭ ‬تحفيز‭ ‬النزعات‭ ‬الانفصالية‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬مراكز‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬وإضعاف‭ ‬قبضة‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬دوائر‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬وطهران‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬حركات‭ ‬الاستقلال‭ ‬لدى‭ ‬الأقليات‭ ‬العرقية،‭ ‬مثل‭ ‬الأكراد‭ ‬والبلوش‭ ‬والآذريين‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬تقسيم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬دويلات‭ ‬صغيرة‭ ‬متناحرة‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬مما‭ ‬ينهي‭ ‬للأبد‭ ‬دورها‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬والثروات،‭ ‬مما‭ ‬يسهم‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭.‬

 

ثانيًا‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬البعد‭ ‬الشخصي‭ ‬والسياسي‭ ‬للقادة‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬الصراع،‭ ‬إذ‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬كأداة‭ ‬فعالة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬الداخلية؛‭ ‬مثلاً‭:‬

{‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو؛‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬لتعطيل‭ ‬الملاحقات‭ ‬القضائية‭ ‬ضده‭ ‬وتوحيد‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المنقسم‭ ‬خلف‭ ‬قيادته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الخطر‭ ‬الوجودي،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإنما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

{‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب؛‭ ‬يستخدم‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لإثبات‭ (‬عظمة‭ ‬أمريكا‭) ‬وصرف‭ ‬الأنظار‭ ‬عن‭ ‬التحديات‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية،‭ ‬معتمدًا‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ (‬السلام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭) ‬لتعزيز‭ ‬قاعدته‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وكذلك‭ ‬فإنه‭ ‬يلهث‭ ‬خلف‭ ‬النفط‭ ‬وثروات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهو‭ ‬يسعى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحاكم‭ ‬الأوحد‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

{‭ ‬قادة‭ ‬إيران؛‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬الفشل‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬حكم‭ ‬الملالي‭ ‬وإشغاله‭ ‬ببعض‭ ‬القضايا‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فإنهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مبدأ‭ ‬تصدير‭ ‬الثروة‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

هدف‭ ‬واحد‭ ‬يجمع‭ ‬الفرق‭ ‬المتنازعة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو،‭ ‬فهل‭ ‬نشهد‭ ‬اتفاقية‭ ‬مشابهة‭ ‬تعيد‭ ‬تقسيم‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬إلى‭ ‬دويلات‭ ‬وشعوب‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬عرقية‭ ‬أثنية‭ ‬أو‭ ‬طائفية‭ ‬من‭ ‬جديد؟

وربما‭ ‬هنا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬حكاية‭ ‬جدي،‭ ‬فمن‭ ‬الذي‭ ‬حرك‭ ‬الوتد‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬أو‭ ‬أمريكا‭ ‬أو‭ ‬إيران‭ ‬أم‭ ‬هناك‭ ‬أطراف‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬مشاهدتها‭ ‬إذ‭ ‬ربما‭ ‬تلعب‭ ‬خلف‭ ‬كواليس‭ ‬المسرح‭ ‬العالمي؟

لا‭ ‬نعرف،‭ ‬ولكن‭ ‬حتمًا‭ ‬التاريخ‭ ‬سيكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬حركت‭ ‬الوتد،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬مهمًا،‭ ‬وإنما‭ ‬الأهم‭ ‬هل‭ ‬العرب‭ ‬سيكون‭ ‬واقفين‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬آنذاك‭ ‬أم‭ ‬سيكونون‭ ‬نسيًا‭ ‬منسيا؟

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا