نبأ مهم ومستعجل تهيأت له السموات والأرض واجتمعت له الملائكة ليستمعوا إلى هذا النبأ، وليحيطوا به علمًا.. إنها البداية المباركة لتاريخ البشرية، بل للوجود الإنساني الذي أراد الله تعالى أن يعلنه ليختبر به الملائكة، ومدى علمهم وشدة ولائهم له سبحانه، وتساءل الملائكة ولم يحتجوا أو يعترضوا عليه، بل سارعوا إلى استنباء الخبر.. إنه بداية الوجود على هذه الأرض، إنه المهرجان الوجودي للمخلوقات جميعا.. استفسر الملائكة ولم يعترضوا عليه لأنه ليس لهم أن يعترضوا، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) (31) سورة البقرة.
لقد أقروا بجهلهم، وأرجعوا الأمر إلى صاحب الأمر والخلق سبحانه، فهو وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وحين نتلقى الأمر من صاحب الأمر فعلينا أن نسلم طائعين مختارين، ومن عدله سبحانه، وعظيم مَنِّه أنه جعلنا مختارين، ولم يجبرنا على الفعل أو عدم الفعل، وأيضًا أنه لم يكلفنا ما لا نستطيع، وما لا نطيق وحين يشق علينا فيما يكلفنا به يجعل لنا من الرخص والتخفيف ما يهون علينا مشقة الفعل في الأمر والنهي، ويثيبنا في الأحوال كلها لأنه سبحانه الرؤوف الرحيم، قال تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت …) البقرة / 286.
هذه هي حقيقة الإنسان الذي أوجده الله تعالى من عَدَمْ وأمده من عُدم، يقول جل جلاله، وتقدست أسماؤه وصفاته: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا) (الإنسان / 1).
وتحدثت سورة الإنسان عن الوجود بعد العدم للإنسان، وما أمده الله تعالى من نعم جليلة، ومنحه الإرادة الحرة التي تجعله سيد هذه المخلوقات، ومعلوم بل مؤكدٌ أن الله تعالى إذا أعطى حاسب، وإذا سلب ما وهب أسقط ما وجب، والدليل على ذلك الآية الجليلة التي افتتحنا بها هذه المقالة وهي قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها …) البقرة / 286.
الله تعالى يؤكد في هذه الآية العظيمة أن التكاليف سواء بالأمر أو النهي دائمًا وأبدًا تكون في طاقة الإنسان، فإذا طرأ على هذه القدرات طارئ أعان الله تعالى عباده باللطف في قضائه، ولهذا قد ورد في الدعاء: «اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه»، ولهذا، فنحن ندرك أنه من عطاء البلاء اللطف في القضاء.
ويستدل العلماء على إمكانية الفعل أو الترك على الأمر بهما، وعلى المسلم ألا يشغل نفسه في البحث في هذه الأمور ما دام قد استقر في وعيه وصحت عزيمته على الفعل، أو على عدمه، وعليه أن يصرف ما زاد من جهده في تحسين عمله لأن الله تعالى يحب إذا عمل المسلم عملًا أن يتقنه، يقول تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) النمل / 88.
فإتقان العمل أمر زائد عن أدائه، وهو أمر يتقرب به العبد إلى جانب ربه سبحانه، وعلى العبد ألا يكتفي بالأداء فذلك تقصير يجب ألا يقع فيه لأنه شكل من أشكال التقصير الذي يلام عليه المسلم، ويحاسب على هذا التقصير، والإحسان كما حدثنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هو أعلى مراتب الإسلام، وحري بالمؤمن الذي رضي الله تعالى له الإسلام دينًا، وأتم عليه النعمة أن يكون علامة على ضمان الجودة، وأن يسجل اسمه في لوحة الشرف، وألا يقبل بأقل من هذا لأن الله تعالى أكمل له الدين، وأتم له النعمة، فوجب عليه ألا يصدر عنه إلا كل عمل كامل، أو قريبًا من الكمال لأنه لا يصدر عن الكمال إلا كل كامل، ولا يصدر عن النعمة التامة إلا التمام ذاته.
هذا هو الإسلام كما بينه القرآن.. وهذا هو الإسلام كما بينته السنة وفصلته، واصطلح عليه علماء الأمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك