العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قصة الوجود الإنساني.. نبأ مهم.. ومستعجل!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

نبأ‭ ‬مهم‭ ‬ومستعجل‭ ‬تهيأت‭ ‬له‭ ‬السموات‭ ‬والأرض‭ ‬واجتمعت‭ ‬له‭ ‬الملائكة‭ ‬ليستمعوا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النبأ،‭ ‬وليحيطوا‭ ‬به‭ ‬علمًا‭.. ‬إنها‭ ‬البداية‭ ‬المباركة‭ ‬لتاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬بل‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يعلنه‭ ‬ليختبر‭ ‬به‭ ‬الملائكة،‭ ‬ومدى‭ ‬علمهم‭ ‬وشدة‭ ‬ولائهم‭ ‬له‭ ‬سبحانه،‭ ‬وتساءل‭ ‬الملائكة‭ ‬ولم‭ ‬يحتجوا‭ ‬أو‭ ‬يعترضوا‭ ‬عليه،‭ ‬بل‭ ‬سارعوا‭ ‬إلى‭ ‬استنباء‭ ‬الخبر‭.. ‬إنه‭ ‬بداية‭ ‬الوجود‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬إنه‭ ‬المهرجان‭ ‬الوجودي‭ ‬للمخلوقات‭ ‬جميعا‭.. ‬استفسر‭ ‬الملائكة‭ ‬ولم‭ ‬يعترضوا‭ ‬عليه‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يعترضوا،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬ربك‭ ‬للملائكة‭ ‬إني‭ ‬جاعل‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬خليفة‭ ‬قالوا‭ ‬أتجعل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يفسد‭ ‬فيها‭ ‬ويسفك‭ ‬الدماء‭ ‬ونحن‭ ‬نسبح‭ ‬بحمدك‭ ‬ونقدس‭ ‬لك‭ ‬قال‭ ‬إني‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‭ (‬30‭) ‬وعلم‭ ‬آدم‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬ثم‭ ‬عرضهم‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬فقال‭ ‬أنبئوني‭ ‬بأسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‭) (‬31‭) ‬سورة‭ ‬البقرة‭. ‬

لقد‭ ‬أقروا‭ ‬بجهلهم،‭ ‬وأرجعوا‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬الأمر‭ ‬والخلق‭ ‬سبحانه،‭ ‬فهو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يعلم‭ ‬خائنة‭ ‬الأعين‭ ‬وما‭ ‬تخفي‭ ‬الصدور،‭ ‬وحين‭ ‬نتلقى‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬الأمر‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نسلم‭ ‬طائعين‭ ‬مختارين،‭ ‬ومن‭ ‬عدله‭ ‬سبحانه،‭ ‬وعظيم‭ ‬مَنِّه‭ ‬أنه‭ ‬جعلنا‭ ‬مختارين،‭ ‬ولم‭ ‬يجبرنا‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الفعل،‭ ‬وأيضًا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكلفنا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نستطيع،‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬نطيق‭ ‬وحين‭ ‬يشق‭ ‬علينا‭ ‬فيما‭ ‬يكلفنا‭ ‬به‭ ‬يجعل‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الرخص‭ ‬والتخفيف‭ ‬ما‭ ‬يهون‭ ‬علينا‭ ‬مشقة‭ ‬الفعل‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬والنهي،‭ ‬ويثيبنا‭ ‬في‭ ‬الأحوال‭ ‬كلها‭ ‬لأنه‭ ‬سبحانه‭ ‬الرؤوف‭ ‬الرحيم،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬لا‭ ‬يكلف‭ ‬الله‭ ‬نفسًا‭ ‬إلا‭ ‬وسعها‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬كسبت‭ ‬وعليها‭ ‬ما‭ ‬اكتسبت‭ ‬‭) ‬البقرة‭ / ‬286‭. ‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬أوجده‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬من‭ ‬عَدَمْ‭ ‬وأمده‭ ‬من‭ ‬عُدم،‭ ‬يقول‭ ‬جل‭ ‬جلاله،‭ ‬وتقدست‭ ‬أسماؤه‭ ‬وصفاته‭: (‬هل‭ ‬أتى‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شيئًا‭ ‬مذكورا‭) (‬الإنسان‭ / ‬1‭).‬

وتحدثت‭ ‬سورة‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬بعد‭ ‬العدم‭ ‬للإنسان،‭ ‬وما‭ ‬أمده‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬من‭ ‬نعم‭ ‬جليلة،‭ ‬ومنحه‭ ‬الإرادة‭ ‬الحرة‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬سيد‭ ‬هذه‭ ‬المخلوقات،‭ ‬ومعلوم‭ ‬بل‭ ‬مؤكدٌ‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إذا‭ ‬أعطى‭ ‬حاسب،‭ ‬وإذا‭ ‬سلب‭ ‬ما‭ ‬وهب‭ ‬أسقط‭ ‬ما‭ ‬وجب،‭ ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ ‬التي‭ ‬افتتحنا‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬وهي‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬لا‭ ‬يكلف‭ ‬الله‭ ‬نفسًا‭ ‬إلا‭ ‬وسعها‭ ‬‭) ‬البقرة‭ / ‬286‭. ‬

الله‭ ‬تعالى‭ ‬يؤكد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬العظيمة‭ ‬أن‭ ‬التكاليف‭ ‬سواء‭ ‬بالأمر‭ ‬أو‭ ‬النهي‭ ‬دائمًا‭ ‬وأبدًا‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬طاقة‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإذا‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬طارئ‭ ‬أعان‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عباده‭ ‬باللطف‭ ‬في‭ ‬قضائه،‭ ‬ولهذا‭ ‬قد‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الدعاء‭: ‬‮«‬اللهم‭ ‬إنا‭ ‬لا‭ ‬نسألك‭ ‬رد‭ ‬القضاء،‭ ‬ولكن‭ ‬نسألك‭ ‬اللطف‭ ‬فيه‮»‬،‭ ‬ولهذا،‭ ‬فنحن‭ ‬ندرك‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬عطاء‭ ‬البلاء‭ ‬اللطف‭ ‬في‭ ‬القضاء‭.‬

ويستدل‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الفعل‭ ‬أو‭ ‬الترك‭ ‬على‭ ‬الأمر‭ ‬بهما،‭ ‬وعلى‭ ‬المسلم‭ ‬ألا‭ ‬يشغل‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬قد‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬وعيه‭ ‬وصحت‭ ‬عزيمته‭ ‬على‭ ‬الفعل،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬عدمه،‭ ‬وعليه‭ ‬أن‭ ‬يصرف‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬جهده‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬عمله‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬يحب‭ ‬إذا‭ ‬عمل‭ ‬المسلم‭ ‬عملًا‭ ‬أن‭ ‬يتقنه،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: (‬وترى‭ ‬الجبال‭ ‬تحسبها‭ ‬جامدة‭ ‬وهي‭ ‬تمر‭ ‬مر‭ ‬السحاب‭ ‬صنع‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬أتقن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إنه‭ ‬خبير‭ ‬بما‭ ‬تفعلون‭) ‬النمل‭ / ‬88‭.‬

فإتقان‭ ‬العمل‭ ‬أمر‭ ‬زائد‭ ‬عن‭ ‬أدائه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتقرب‭ ‬به‭ ‬العبد‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه،‭ ‬وعلى‭ ‬العبد‭ ‬ألا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالأداء‭ ‬فذلك‭ ‬تقصير‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬لأنه‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التقصير‭ ‬الذي‭ ‬يلام‭ ‬عليه‭ ‬المسلم،‭ ‬ويحاسب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التقصير،‭ ‬والإحسان‭ ‬كما‭ ‬حدثنا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭(‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬هو‭ ‬أعلى‭ ‬مراتب‭ ‬الإسلام،‭ ‬وحري‭ ‬بالمؤمن‭ ‬الذي‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬له‭ ‬الإسلام‭ ‬دينًا،‭ ‬وأتم‭ ‬عليه‭ ‬النعمة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة،‭ ‬وأن‭ ‬يسجل‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬الشرف،‭ ‬وألا‭ ‬يقبل‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أكمل‭ ‬له‭ ‬الدين،‭ ‬وأتم‭ ‬له‭ ‬النعمة،‭ ‬فوجب‭ ‬عليه‭ ‬ألا‭ ‬يصدر‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬كامل،‭ ‬أو‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬الكمال‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬الكمال‭ ‬إلا‭ ‬كل‭ ‬كامل،‭ ‬ولا‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬النعمة‭ ‬التامة‭ ‬إلا‭ ‬التمام‭ ‬ذاته‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬كما‭ ‬بينه‭ ‬القرآن‭.. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬كما‭ ‬بينته‭ ‬السنة‭ ‬وفصلته،‭ ‬واصطلح‭ ‬عليه‭ ‬علماء‭ ‬الأمة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا