العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
حين يصبح الإحساس فكرة.. تأملات في ماهية الفن

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

الفن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تعبيرٍ‭ ‬جمالي‭ ‬عابر،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬ترفٌ‭ ‬ذوقي‭ ‬يُمارَس‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬الإحساس‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬فكرة،‭ ‬وتغدو‭ ‬العاطفة‭ ‬شكلاً،‭ ‬ويتجسد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬في‭ ‬صورةٍ‭ ‬تُرى‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬يولد‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬حين‭ ‬يعبر‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الشعور‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬بالشعور،‭ ‬ومن‭ ‬الانفعال‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭.‬

إن‭ ‬الإحساس‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬حالة‭ ‬داخلية‭ ‬صامتة،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬ولا‭ ‬تُحدّ،‭ ‬بينما‭ ‬الفكرة‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬العقل‭ ‬لاحتواء‭ ‬هذا‭ ‬الاتساع،‭ ‬وصياغته‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬قابلة‭ ‬للفهم‭ ‬والمشاركة‭. ‬وهنا‭ ‬يتدخل‭ ‬الفن‭ ‬بوصفه‭ ‬الوسيط‭ ‬الأعمق‭ ‬بين‭ ‬الاثنين؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بنقل‭ ‬الإحساس،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيله،‭ ‬ويمنحه‭ ‬لغة‭ ‬جديدة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬لونًا،‭ ‬أو‭ ‬نغمة،‭ ‬أو‭ ‬كلمة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تحمل‭ ‬بصمة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬لفهم‭ ‬ذاته‭ ‬والعالم‭ ‬من‭ ‬حوله‭.‬

وحين‭ ‬يصبح‭ ‬الإحساس‭ ‬فكرة،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الفن‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬للواقع،‭ ‬بل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬خلق‭ ‬له‭. ‬فالفنان‭ ‬لا‭ ‬ينقل‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬يرى،‭ ‬وما‭ ‬يفكر‭ ‬فيه‭ ‬حيال‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تتعدد‭ ‬وجوه‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬الواحد،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬بعينٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يُفهم‭ ‬بعقلٍ‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬متلقٍ،‭ ‬وكأن‭ ‬الفن‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الآخر‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الفن‭ ‬هو‭ ‬أرقى‭ ‬أشكال‭ ‬المعرفة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬حقائق‭ ‬جاهزة،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬أبواب‭ ‬التساؤل،‭ ‬ويوقظ‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬حسّ‭ ‬الدهشة‭. ‬إن‭ ‬لوحة‭ ‬فنية‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬عنه‭ ‬الفلسفة،‭ ‬وقصيدة‭ ‬قد‭ ‬تختصر‭ ‬تجربة‭ ‬وجودية‭ ‬كاملة،‭ ‬لأن‭ ‬الفن‭ ‬يخاطب‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬المنطق‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭ ‬إلى‭ ‬الفكرة‭ ‬ليس‭ ‬عملية‭ ‬سهلة‭ ‬أو‭ ‬تلقائية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬معقّد‭ ‬يتطلب‭ ‬وعيًا‭ ‬داخليًا‭ ‬عميقًا‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬إحساس‭ ‬قابلًا‭ ‬لأن‭ ‬يصبح‭ ‬فنًا،‭ ‬بل‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يُصقل‭ ‬بالتأمل،‭ ‬ويُهذّب‭ ‬بالتجربة،‭ ‬ويُعاد‭ ‬تشكيله‭ ‬عبر‭ ‬حسّ‭ ‬إبداعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬المباشر‭ ‬والمألوف‭. ‬وهنا‭ ‬يتمايز‭ ‬الفنان‭ ‬عن‭ ‬غيره؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يُفكّر‭ ‬في‭ ‬شعوره‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬وتُستهلك‭ ‬فيه‭ ‬المشاعر‭ ‬بسرعة،‭ ‬تتعاظم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬فنٍ‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بإثارة‭ ‬الإحساس،‭ ‬بل‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬فيه‭. ‬فالفارق‭ ‬بين‭ ‬عملٍ‭ ‬جميل‭ ‬وآخر‭ ‬عظيم،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يمرّ،‭ ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيبقى؛‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يلامس‭ ‬الحواس‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬بها‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬الإحساس‭ ‬فكرة،‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬مكتملة؛‭ ‬تجربة‭ ‬تعيد‭ ‬تعريفنا‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬وتمنحنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬العالم‭ ‬بعمقٍ‭ ‬أكبر‭. ‬وهنا،‭ ‬يكمن‭ ‬سر‭ ‬الفن،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يُرى،‭ ‬بل‭ ‬يُفهم،‭ ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يُحسّ،‭ ‬بل‭ ‬يُفكَّر‭ ‬فيه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا