يأتي العيد بعد شهر من الصيام والعبادة، حاملاً معه أجواء الفرح واللقاءات العائلية وتنوع الأطعمة والحلويات. ومع هذا الانتقال السريع من نمط غذائي منظم خلال رمضان انطلاقا إلى وفرة الخيارات في العيد، قد يقع البعض في فخ الاندفاع والإفراط في تناول الطعام وتبرز هنا أهمية الوعي بما يُعرف بمفهوم الوفرة (Availability)، فإن تعدد الخيارات الغذائية قد تدفع الإنسان إلى تناول كميات أكبر مما يحتاجه فعليًا، فيتحول تناول الطعام من استجابة لحاجة الجسم إلى سلوك اندفاعي تحكمه وفرة.
تشير الأبحاث العلمية إلى وجود ارتباط وثيق بين الإفراط في تناول الطعام وزيادة خطر السمنة. ومن أبرز هذه الدراسات دراسة نُشرت في مجلة The American Journal of Clinical Nutrition، والتي أوضحت أن أنماط الأكل غير الواعية والإفراط في السعرات الحرارية، خاصة خلال المناسبات الاجتماعية، تسهم بشكل مباشر في زيادة الوزن وتراكم الدهون مع مرور الوقت، حتى دون شعور الشخص بذلك.
الاعتدال في الأكل ليس مفهوماً حديثاً فحسب، بل هو مبدأ راسخ في تعاليم ديننا الإسلامي فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». وهو توجيه نبوي يجمع بين الحكمة الصحية والتوازن الفسيولوجي، ويؤكد أهمية احترام احتياجات الجسم وعدم تحميله فوق طاقته.
يمكن الاستمتاع بأطعمة العيد دون ضرر من خلال اختيار كميات معتدلة، وتناول الطعام ببطء، والانتباه إلى إشارات الجوع والشبع. ولتحقيق التوازن، يُنصح باتباع مبدأ الطبق الصحي المتوازن:
• نصف الطبق خضار مطبوخة أو سلطات طازجة.
• ربع الطبق من البروتينات مثل اللحم أو الدجاج المشوي.
• الربع الأخير من كربوهيدرات مثل الأرز.
كما يُعد الحفاظ على الترطيب أمرًا أساسيًا بعد شهر رمضان، حيث يُنصح بشرب كميات كافية من الماء ما لا يقل عن لترين يوميا، وتوزيعها على مدار اليوم لتعويض ما قد يكون الجسم قد فقده من سوائل خلال فترات الصيام.
مرورا مع فقرة الحلويات التي تعتبر جزءا أصيلا من تقاليد العيد فيمكن لشخص الاستمتاع باختيار قطعتين صغيرتين ويفضل دمجهما مع مصدر دهون صحية مثلا قبضة يد من المكسرات أو مع مصدر غني بالألياف مثل الفواكه قليلة السكر كالفراولة لتقليل الارتفاع السريع في مستويات السكر، ولا يكتمل التوازن الصحي إلا مع إدخال نشاط بدني بسيط مثل المشي مالا يقل عن 30 دقيقة أو دمجه مع جانب ترفيهي مثل السباحة في البحر أو لعب الكرة خلال أيام العيد، قد تكون كفقرة للأطفال والكبار تسام في تحفيز الحرق ودعم الهضم وتنظيم الشهية.
العيد فرصة للاحتفال والتواصل، وليس للإفراط. فالتوازن بين المتعة والاعتدال هو الطريق للحفاظ على الصحة والاستمتاع الحقيقي بأيام العيد.
فالعيد فرح… لا اندفاع.
{ أخصائية التغذية العلاجية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك