إن قصف النظام الإيراني لمنشآت مدنية كالمطارات والموانئ في الدول العربية الخليجية، هدفه دفع قادة دول الخليج نحو مربع رد الفعل العسكري، لتحقيق هدف خطير للغاية، إقناع الشعب الإيراني أن دولا عربية تشارك إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب الإقليمية الدولية، وبالتوازي مع ذلك محاولة إشعال الفتنة المذهبية على أوسع نطاق ليس في هذه البلاد العربية وحسب، بل في دول مجاورة لإيران، وستعمل على تعميم مقولة شيطانية مضمونها: «إن نظام الملالي في إيران يواجه حربا عالمية».
رغم قناعتهم في داخل نظام الملالي في طهران من كبيرهم حتى صغيرهم أن الأمور ليست كذلك ولن تكون، وأن عليهم أن يدركوا أن تماديهم وإصرارهم على ردود فعل حربية من دول الخليج، سيمنح رئيس حكومة منظومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفرصة لتأكيد جوهر سياسته القاضية بإزاحة القضية الفلسطينية عن مركزيتها بالنسبة إلى الشعوب العربية ودولها، وإحلال إيران بمثابة العدو الأول للدول العربية، مرتكزا بذلك على سياسة ملالي إيران في تعميق العدائية على أساس مذهبي مع دول عربية قد تتوفر فيها شروط إذكاء الفتنة، واستخدام أدوات (تنظيمات مسلحة ومليشيات تابعة للنظام الإيراني)، لتمرير مشاريع تمددها، ولبلوغ مناطق نفوذ وتمركز في سياق صراع المصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تسمح لإيران بأن تكون القوة المنافسة، أو التي تستحوذ على نقاط قوة تفرض من خلالها شروطا تتعارض مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
كما لا يمكن أن تسمح الولايات المتحدة بتشكل ضلع استناد ثالث اقتصادي أو عسكري للصين وروسيا، في منطقة الشرق الأوسط الزاخرة بمصادر الطاقة، وحيث الممرات الاستراتيجية كمضيق هرمز على الخليج العربي، وباب المندب نقطة الوصل بين بحر العرب والمحيط الهندي، والبحر الأحمر، الذي يؤدي إلى قناة السويس التي تصله مع البحر الأبيض المتوسط.
أما وجه الشرق الأوسط الجديد الذي يحاولون فرضه علينا، فهو ذلك الذي كان نتنياهو قد نظم الخطة لتجسيد خريطته عمليا، رغم ما فيها من خطر على الأمن والسلم واستقلال وسيادة الدول المستهدفة – وسعى إلى منحها شرعية خاصة مشتقة من تعاليم الصهيونية الدينية التلمودية الناظمة لسياسة وأفعال وجرائم منظومته الاستعمارية، المعادية لمبادئ وقوانين ومواثيق الشرعية الدولية.
إننا نشهد في هذه الأيام المرحلة الأخيرة من عملية نحت الوجه الجديد للشرق الأوسط على الأرض، حتى لا تبقى مجرد خريطة ملونة على الورق كما عرضها نتنياهو بصيغة مخالفة لمقاصدها الحقيقية (ومحرفة) على منبر الأمم المتحدة.
ونعتقد أن حلقات جديدة ستضاف إلى أطول سلسلة حرب في الشرق الأوسط، ذلك أن القوى التي صممتها، لن تتراجع ولن تكف عن ضرب مقومات الدولة الوطنية في المنطقة العربية، لمنع الشعوب من تلمس دروب مستقبلها ونجاحها وتقدمها وتطورها، واستقلالية قرارها، وتجسيد سيادتها وفقا لمعنى وفقه السيادة وفقا لمعايير القانون الدولي.
لذلك نعتقد بوجوب الحذر من خطر ألغام إشعال فتن في داخل المجتمعات العربية، فالمستهدف أولا وأخيرا من كل هذه الحروب هو تهديد وجودنا على أرضنا العربية، فهذا الوجود سيبقى العائق الأعظم أمام تجسيد خريطتهم الاستعمارية التوسعية الجديدة، لكنه سيبقى الحقيقة السرمدية الدامغة على وجود أمتنا العربية وهويتها الإنسانية.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك