تشير أدبيات الاتصال الاستراتيجي إلى أن الإعلام يؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في تزويد الجمهور بالمعلومات الدقيقة من جهة، والتصدي لحملات التضليل التي غالباً ما ترافق النزاعات والتوترات الإقليمية من جهة أخرى. وقد تجلّى هذا الدور بوضوح في الأداء الإعلامي الخليجي خلال الأزمة التي اندلعت في 28 فبراير 2026 عقب الهجوم العسكري الإيراني على عدد من دول المنطقة بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي. فإلى جانب التحديات الأمنية والعسكرية، واجهت هذه الدول تحدياً إعلامياً موازياً تمثل في انتشار واسع للمعلومات المضللة ومحاولات تضخيم حجم الأضرار وإثارة القلق بين السكان. وفي هذا السياق، اضطلع الإعلام الخليجي بدور مهم في نقل المعلومات الرسمية الموثوقة وتعزيز الثقة في قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الأزمة بكفاءة.
وفي خضم هذه التطورات، برزت دعوة وزير الإعلام في المملكة العربية السعودية سلمان بن يوسف الدوسري إلى الإعلاميين بضرورة الالتزام بالمسؤولية المهنية وتعزيز الوعي المجتمعي في نقل المعلومات خلال الأزمات. وتعكس هذه الدعوة إدراكاً متقدماً لطبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام في مثل هذه الظروف، كما عقد وزراء الإعلام في دول مجلس التعاون اجتماعاً استثنائياً في 10 مارس 2026 لمناقشة التطورات الإعلامية المرتبطة بالتصعيد العسكري في المنطقة. وقد شدد الاجتماع على أهمية توحيد الخطاب الإعلامي وتنسيق الجهود لمواجهة حملات التضليل والشائعات.
وعلى مستوى الأداء المهني، أظهرت التغطية الإعلامية الخليجية خلال الأزمة درجة ملحوظة من الالتزام بالمعايير المهنية، حيث اعتمدت وسائل الإعلام على المصادر الرسمية وتحرّت الدقة في نقل المعلومات قبل نشرها. كما استضافت عدداً من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين لتقديم تحليلات متخصصة. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسات الرسمية، وهو عامل حاسم في نجاح إدارة الأزمات وترسيخ الاستقرار المجتمعي.
ومن بين الإجراءات الوقائية التي اتخذتها الحكومات الخليجية خلال الأزمة توجيه المواطنين والمقيمين إلى الامتناع عن تصوير مواقع سقوط الصواريخ أو نشر الإحداثيات المرتبطة بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً لما قد يشكله ذلك من مخاطر أمنية يمكن أن تستفيد منها الجهات المعادية. وقد عكس الالتزام الواسع بهذه التوجيهات مستوى متقدماً من الوعي الإعلامي لدى المجتمع، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق من تعمدوا نشر معلومات قد تضر بالأمن الوطني.
لقد كشفت الأزمة عن تصاعد ما يمكن وصفه بـ«حرب المعلومات»، حيث تم تداول مقاطع فيديو مضللة أو قديمة على أنها مرتبطة بالأحداث الجارية، إلى جانب نشر معلومات غير دقيقة حول استهداف منشآت حيوية أو انقطاع خدمات أساسية. ما دفع القيادة المركزية الامريكية نفسها إلى نشر تصحيحات منتظمة تحت عنوان CHECK FACT.
ولمواجهة هذه الظاهرة، كثفت الحكومات الخليجية إصدار البيانات الرسمية السريعة، وفعّلت حساباتها المؤسسية على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التحذير من إعادة نشر الأخبار غير الموثوقة واتخاذ إجراءات قانونية بحق الحسابات التي تتعمد نشر الشائعات.
وتشير التجارب الدولية إلى أن إدارة الإعلام أثناء الأزمات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني. فقد برزت خلال الأزمة الروسية الأوكرانية عام 2022 أهمية إنشاء وحدات متخصصة للتحقق من المعلومات ومكافحة التضليل الرقمي، وفي آسيا، اعتمدت كوريا الجنوبية نموذجاً متقدماً في الاتصال الحكومي خلال ازماتها مع كوريا الشمالية من خلال مركز وطني لإدارة الأزمات يتولى تنسيق الرسائل الإعلامية بين مختلف المؤسسات، وهو ما يعكس التحول المتزايد نحو اعتبار الإعلام جزءاً من منظومة إدارة المخاطر الوطنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة وعبر التنسيق المستمر بين مراكز الاتصال الوطنية الخليجية من بينها مركز الاتصال الوطني بمملكة البحرين الذي نشكر ونثمن دوره في هذه الازمة، إلى تطوير استراتيجية إعلامية خليجية تستهدف تطوير أنظمة متقدمة لرصد الشائعات وحملات التضليل في مراحلها المبكرة، وتعزيز برامج التوعية المجتمعية بشأن مخاطر نشر المعلومات الحساسة. كما تبرز أهمية تدريب الإعلاميين على مهارات الاتصال الاستراتيجي وإدارة الأزمات، إضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال الأمن المعلوماتي، بما يسهم في بناء منظومة إعلامية قادرة على حماية الاستقرار وتعزيز الأمن الوطني في ظل البيئة الإعلامية العالمية المتغيرة.
إن بناء منظومة إعلامية خليجية متكاملة لإدارة الأزمات لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية في ظل بيئة إعلامية عالمية تتسم بالتعقيد وسرعة التغير.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك