العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حبُّ الوطن والمواطنة في التراث العربي الإسلامي

بقلم: د. خالد الحمداني

السبت ١٤ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يُعدُّ‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬رقعة‭ ‬جغرافية‭ ‬أو‭ ‬حدود‭ ‬سياسية؛‭ ‬فهو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬تنشأ‭ ‬فيه‭ ‬الهوية،‭ ‬وتتكوّن‭ ‬فيه‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وتترسّخ‭ ‬فيه‭ ‬قيم‭ ‬الانتماء‭ ‬والولاء‭. ‬والوطن‭ ‬هو‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬الإنسان‭ ‬تاريخاً‭ ‬وثقافةً‭ ‬ولغةً،‭ ‬ويشعر‭ ‬فيها‭ ‬بالأمن‭ ‬والانتماء‭ ‬والكرامة‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأت‭ ‬فكرة‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬العلاقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬ووطنه؛‭ ‬إذ‭ ‬يلتزم‭ ‬المواطن‭ ‬بواجبات‭ ‬تجاه‭ ‬وطنه،‭ ‬ويتمتع‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬بحقوق‭ ‬تكفلها‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

أما‭ ‬الوطنية‭ ‬فهي‭ ‬شعور‭ ‬صادق‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن،‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬حبّه‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقدّمه‭ ‬وازدهاره‭. ‬وليست‭ ‬الوطنية‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات‭ ‬تُرفع‭ ‬أو‭ ‬كلمات‭ ‬تُقال،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬سلوك‭ ‬عملي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقوانين،‭ ‬والإخلاص‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مقدّرات‭ ‬الوطن،‭ ‬والوقوف‭ ‬صفاً‭ ‬واحداً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأخطار‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭.‬

وقد‭ ‬أكّد‭ ‬البعد‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭ ‬والانتماء‭ ‬إليه،‭ ‬إذ‭ ‬فُطر‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬التعلّق‭ ‬بأرضه‭ ‬ودياره‭. ‬وقد‭ ‬عبّر‭ ‬النبي‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬حين‭ ‬غادر‭ ‬مكة‭ ‬مهاجراً‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬والله‭ ‬إنك‭ ‬لأحبُّ‭ ‬أرض‭ ‬الله‭ ‬إليَّ،‭ ‬ولولا‭ ‬أنّ‭ ‬أهلك‭ ‬أخرجوني‭ ‬منك‭ ‬ما‭ ‬خرجت‮»‬‭. ‬ويشير‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬العلاقة‭ ‬العاطفية‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬ووطنه،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬اضطرته‭ ‬الظروف‭ ‬إلى‭ ‬مغادرته‭.‬

كما‭ ‬أنّ‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حفظ‭ ‬الضرورات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بصيانتها،‭ ‬مثل‭ ‬حفظ‭ ‬النفس‭ ‬والدين‭ ‬والمجتمع‭. ‬فحماية‭ ‬البلاد‭ ‬وصيانة‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬واجب‭ ‬جماعي،‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الجنود‭ ‬المرابطون‭ ‬والمدافعون‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬كما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬ومسؤوليته‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

وفي‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬نجد‭ ‬حضوراً‭ ‬واضحاً‭ ‬لقيمة‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭. ‬فقد‭ ‬عبّر‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬عن‭ ‬شوقهم‭ ‬إلى‭ ‬أوطانهم‭ ‬واعتزازهم‭ ‬بها،‭ ‬حتى‭ ‬قيل‭: ‬‮«‬حبّ‭ ‬الأوطان‭ ‬من‭ ‬شيم‭ ‬الكرام‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬العربي‭ ‬قديماً‭ ‬يرتبط‭ ‬بدياره‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً،‭ ‬فيحنّ‭ ‬إلى‭ ‬أرضه‭ ‬ويذكرها‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬ووجدانه‭. ‬وقد‭ ‬شكّل‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬عنصراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬والحضارية‭ ‬للأمة‭.‬

إنّ‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الانتماء‭ ‬للأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أو‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬يعزّزه؛‭ ‬فالوطن‭ ‬هو‭ ‬الدائرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يمارس‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬مسؤوليته‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استقرار‭ ‬الأوطان‭ ‬وأمنها‭ ‬تتحقق‭ ‬التنمية‭ ‬والبناء،‭ ‬وتُصان‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬فإنّ‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭ ‬قيمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬ودينية‭ ‬وحضارية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬والعمل‭ ‬الصادق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفعة‭ ‬الوطن‭. ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالكلمات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬بسواعد‭ ‬أبنائها‭ ‬وإخلاصهم،‭ ‬وبوحدتهم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أرضهم‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬ليبقى‭ ‬الوطن‭ ‬بيتاً‭ ‬آمناً‭ ‬لأبنائه‭ ‬وحصناً‭ ‬يحفظ‭ ‬كرامتهم‭ ‬ومستقبلهم‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬وأكاديمي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا