العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا لا تتجه بوصلة جائزة «نوبل للآداب» نحو العرب؟

بقلم: سعدية مفرح

الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كلما‭ ‬اقترب‭ ‬موعد‭ ‬إعلان‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب،‭ ‬استعاد‭ ‬العرب‭ ‬سؤالهم‭ ‬القديم‭: ‬متى‭ ‬يأتي‭ ‬دورنا؟‭ ‬تتجدّد‭ ‬التكهنات،‭ ‬وتتصدر‭ ‬أسماء‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬قوائم‭ ‬التوقعات،‭ ‬وتُستعاد‭ ‬حكاية‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬لحظة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭. ‬ثم‭ ‬يُعلن‭ ‬الاسم‭ ‬الفائز،‭ ‬وينتهي‭ ‬الموسم،‭ ‬ليعود‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬الخريف‭ ‬المقبل،‭ ‬محمّلا‭ ‬بالأسئلة‭ ‬نفسها‭.‬

من‭ ‬حقّنا‭ ‬أن‭ ‬نتطلع‭ ‬إلى‭ ‬فوز‭ ‬كاتب‭ ‬عربي‭ ‬بالجائزة،‭ ‬ومن‭ ‬حقنا‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬أدبنا‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي،‭ ‬وعن‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬قيمة‭ ‬الكتابة‭ ‬وفرص‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الكبرى،‭ ‬فحكاية‭ ‬‮«‬نوبل‮»‬‭ ‬العربية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬جائزة‭ ‬تتأخر،‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬اسم‭ ‬نترقب‭ ‬سماعه‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

حين‭ ‬فاز‭ ‬بالجائزة‭ ‬عام‭ ‬1988،‭ ‬فتح‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬باباً‭ ‬واسعاً‭ ‬أمام‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬وبدأ‭ ‬قرّاء‭ ‬جدد‭ ‬يتعرّفون‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬القاهرة‭ ‬وشخصياتها‭ ‬وتحولاتها،‭ ‬وإلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬رواياته‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬انتصارا‭ ‬لكاتب‭ ‬كبير،‭ ‬وفرصة‭ ‬للأدب‭ ‬العربي‭ ‬كي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬قراء‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬لغته‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظلت‭ ‬المفارقة‭ ‬قائمة‭: ‬احتاج‭ ‬أدبنا‭ ‬إلى‭ ‬اعتراف‭ ‬عالمي‭ ‬كي‭ ‬يلتفت‭ ‬قطاع‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬والناشرين‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬روائييه،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬تجربته‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أثبتت‭ ‬مكانتها‭ ‬قبل‭ ‬الجائزة‭ ‬بسنوات‭ ‬طويلة‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬نوبل‮»‬‭ ‬امتحاناً‭ ‬سنوياً‭ ‬لمكانة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين،‭ ‬وصار‭ ‬غياب‭ ‬الاسم‭ ‬العربي‭ ‬مناسبة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬التهميش‭ ‬والانحيازات‭ ‬الثقافية‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أثر‭ ‬القوة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬الترجمة‭ ‬والنشر‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الشهرة‭ ‬الأدبية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تفسير‭ ‬كل‭ ‬غياب‭ ‬مؤامرةً‭ ‬يحرمنا‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬تغييره‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬الثقافي‭. ‬فالكاتب‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬يقضي‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬أدبي‭ ‬مهم،‭ ‬ثم‭ ‬تظل‭ ‬أعماله‭ ‬حبيسة‭ ‬لغته،‭ ‬أو‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ ‬عبر‭ ‬ترجمات‭ ‬محدودة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬ناشراً‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توزيعها‭ ‬والتعريف‭ ‬بها‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تحظى‭ ‬أعمال‭ ‬كتّاب‭ ‬آخرين‭ ‬بفرص‭ ‬أوسع‭ ‬للانتشار،‭ ‬فتصل‭ ‬إلى‭ ‬النقاد‭ ‬والجامعات‭ ‬والمهرجانات،‭ ‬وتصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬الأدبي‭ ‬العالمي‭.‬

‭ ‬هنا‭ ‬تتضح‭ ‬أهمية‭ ‬الترجمة‭ ‬بوصفها‭ ‬جسرا‭ ‬ضروريا،‭ ‬وأهمية‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأدب‭ ‬باعتباره‭ ‬مشروعا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاستمرار‭.‬

كم‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬عربي‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬قارئ‭ ‬الفرنسية‭ ‬أو‭ ‬الإسبانية؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬روائي‭ ‬يمتلك‭ ‬تجربة‭ ‬ثرية‭ ‬لم‭ ‬تتح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬أوسع؟‭ ‬إن‭ ‬مسؤولية‭ ‬التعريف‭ ‬بأدبنا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬الثقافية،‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬المترجمين‭ ‬المحترفين،‭ ‬وبناء‭ ‬علاقات‭ ‬مستمرة‭ ‬مع‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬العالمية،‭ ‬واختيار‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭. ‬وتبقى‭ ‬هناك‭ ‬مسألة‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحا‭ ‬تتعلق‭ ‬بعلاقتنا‭ ‬بكتّابنا‭. ‬لماذا‭ ‬ينتظر‭ ‬بعضنا‭ ‬اعتراف‭ ‬الخارج‭ ‬كي‭ ‬يكتشف‭ ‬قيمة‭ ‬كاتب‭ ‬عربي؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تتكاثر‭ ‬المقالات‭ ‬والاحتفاءات‭ ‬بعد‭ ‬فوز‭ ‬عالمي،‭ ‬بينما‭ ‬تمر‭ ‬تجارب‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬جادة؟‭ ‬يحتاج‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬يؤمن‭ ‬بعمله،‭ ‬وناقد‭ ‬يناقشه‭ ‬بإنصاف،‭ ‬وناشر‭ ‬يمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭.‬

جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬مهمة،‭ ‬وقد‭ ‬تغيّر‭ ‬مسار‭ ‬كاتب‭ ‬وتفتح‭ ‬أمامه‭ ‬أبوابا‭ ‬جديدة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تختصر‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬ولا‭ ‬تمنح‭ ‬الكتّاب‭ ‬قيمتهم‭ ‬النهائية‭. ‬فالأدب‭ ‬العربي‭ ‬يمتلك‭ ‬تاريخا‭ ‬غنيا‭ ‬وتجارب‭ ‬تستحق‭ ‬القراءة،‭ ‬وقيمته‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬مؤسّسة‭ ‬واحدة‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬خريف،‭ ‬سنظل‭ ‬نترقب‭ ‬اسم‭ ‬الفائز،‭ ‬ونفرح‭ ‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬لغتنا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يرافق‭ ‬انتظارنا‭: ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬كي‭ ‬تصل‭ ‬كتبنا‭ ‬إلى‭ ‬العالم؟‭ ‬فالجائزة‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬كاتب،‭ ‬أما‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬إليه‭ ‬فيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬ثقافي‭ ‬متواصل،‭ ‬وإلى‭ ‬ثقة‭ ‬بما‭ ‬نكتب،‭ ‬وإلى‭ ‬إرادة‭ ‬تجعل‭ ‬حضور‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬مستمرّاً‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬موسم‭ ‬الجوائز‭.‬

 

{‭ ‬كاتبة‭ ‬وشاعرة‭ ‬كويتية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا