في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً من يوم الثامن والعشرين من فبراير، انقطع إيقاع اليوم العادي في البحرين بصوت غير مألوف. صفارات إنذار ولهب ارتفع في الأفق، ومقذوفات سقطت قرب مناطق سكنية مأهولة. ساد الصمت لثوانٍ، وتوقفت الأحاديث، واتجهت الأنظار نحو الأخبار العاجلة التي بدأت تتوالى على الشاشات. شظايا واعتراض ومسيّرات وصواريخ. كلمات لم تكن جزءاً من حديث الناس اليومي، أصبحت فجأة مفردات تتردد في كل بيت، تختبر أعصاب مجتمع اعتاد الطمأنينة والأمن.
في تلك اللحظة أدرك الجميع قيمة الأمن الذي يحيط بحياتهم في منطقة تموج بالتوترات. دقيقة واحدة كانت كافية لتذكير الناس بأن الهدوء الذي نعيشه قاعدة أساسية تقوم عليها حياتنا اليومية.
دولة مثل إيران تحب أن تقدم نفسها حارساً أميناً للسيادة، عبارة تتردد كثيراً في خطاباتها. غير أن المقذوفات التي اقتربت من مساكن المدنيين قدمت تعريفاً مختلفاً لهذا الحارس. فالحارس الذي يتحدث عن احترام الحدود انتهى به الأمر يختبر حدود الآخرين بالصواريخ، ويرفع شعار القانون الدولي فيما يسمع المدنيون دوي الانفجارات قرب بيوتهم. ما حدث لم يكن حادثاً عابراً في نزاع إقليمي؛ كان تجاوزاً واضحاً لقواعد الحرب وأعرافها التي تفرض حماية المدنيين واحترام سيادة الدول.
حسن الجوار لا يثبت بالشعارات، وإنما يظهر في السلوك حين تشتد الأزمات. وعندما تتحول الصواريخ إلى وسيلة ضغط ويقترب خطرها من البيوت الآمنة، تتكشف الفجوة بين الخطاب والفعل. هذا السلوك يكشف ارتباكاً سياسياً وضيقاً في الخيارات. فالتاريخ يعلمنا أن الهيبة لا تُصنع بترويع المدنيين، وأن الدول التي تخلط بين استعراض القوة واحترام القانون الدولي تضع نفسها في مواجهة مع مبادئ النظام الذي تدّعي الدفاع عنه.
وسط ذلك القلق ظهر مشهد مختلف. حضور سمو ولي العهد في الميدان ومتابعته المباشرة لتفاصيل الحدث، في جولات اعتدناها في الأيام الهادئة. ظهوره في ظرف غير معتاد حمل رسالة واضحة تعيد الطمأنينة وتؤكد أن البحرين بخير بقيادتها ومواطنيها.
وخلال تلك الجولة قال سيدي ولي العهد جملة بسيطة اختصرت الكثير:
«البحرين بخير… ما دام أنتو أهلها».
كلمات قصيرة حملت معنى عميقاً. البحرين بخير بأهلها، عبارة تبدو كأنها وصف لحقيقة يعرفها هذا الوطن منذ زمن طويل.
في الدول التي تُدار بعقل الدولة تظهر القيادة حين يشعر الناس بالقلق. من القائد الوالد جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة الذي رسّخ نهج الدولة القريبة من شعبها، إلى سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الذي يواصل هذا النهج بحضور مباشر ومتابعة دائمة، يشعر المجتمع أن قوة الوطن تقوم على علاقة واضحة بين القيادة والشعب.
وفي مثل هذه الظروف يظهر أيضاً وجه المجتمع الحقيقي. فالتلاحم المجتمعي الذي أبداه البحرينيون، ورسائل الطمأنينة المتبادلة بينهم، عكست شعوراً راسخاً بأن أمن البحرين مسؤولية مشتركة. التزم الناس بالتوجيهات الصادرة من مصادرها الرسمية، وتعاملوا مع الحدث بوعي ومسؤولية، وكأن المجتمع كله يدرك أن مثل هذه اللحظات تحتاج إلى انضباط بقدر ما تحتاج إلى شجاعة.
الأزمات لا تختبر الدول وحدها، وإنما تختبر الناس أيضاً. وفي هذه الأزمة اتضحت ثلاث فئات من وجهة نظري: الواضحون، والرماديون، والمتواطئون الخائنون.
الواضحون هم الذين يقفون مع وطنهم منذ اللحظة الأولى من دون تردد. انتماؤهم ليس ردّة فعل عاطفية، وإنما قناعة راسخة بأن البحرين بيتهم الذي يجب أن يُحمى. يدركون معنى الدولة التي يعيشون في ظلها، ويعرفون أن أمنها ليس موضوعاً للمساومة. هؤلاء يقفون بثبات لأنهم يؤمنون بأن البحرين أولاً فوق كل اعتبار. وفي مثل هذه الظروف يتحول موقفهم إلى إجماع وطني واعٍ يضع أمن البحرين وحمايتها في مقدمة الأولويات.
أما الرماديون فيفضلون الوقوف في المسافة بين المواقف. يراقبون المشهد من بعيد ويتحدثون كثيراً عن التوازن والحياد، ويؤجلون قرارهم حتى تتضح النتائج. الرمادي في زمن الأوطان لا يكون محايداً؛ هو ينتظر فقط إعلان الفائز. ينتظر أن تميل الكفة ليحدد موقعه ويختار الصمت حتى يعرف إلى أين تتجه الموازين. هذا النوع من الانتظار لا يصنع موقفاً ولا يضيف شيئاً إلى قوة المجتمع. وفي مثل هذه الظروف لا يكون لهذا التردد مكان في صف الوطن.
ثم تأتي الفئة الثالثة، وهي الأخطر: المتواطئون الخائنون. هؤلاء لا يقفون في المنطقة الرمادية، وإنما يتجاوزونها. يعيشون بين الناس ويتمتعون بما يوفره الوطن من أمن وخدمات وفرص تعليم وعلاج وبرامج إسكان، ثم يختارون توجيه ولائهم خارج حدوده، ويضعون معلوماتهم أو مواقفهم في خدمة جهة تستهدف أمنه. هنا لا يعود الأمر اختلافاً في الرأي، بل سلوكاً يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع أمن البلاد ومصلحة مجتمعها.
عندما تُختبر الأوطان تختفي الكلمات الجميلة وتبقى المواقف. يظهر الفرق بين من يرى الوطن بيتاً يجب أن يُحمى، ومن يتعامل معه كمكان مؤقت ينتظر فيه اتجاه الرياح.
البحرين عرفت دائماً كيف تتجاوز الأزمات بثقة. قيادة حاضرة في الميدان وشعب وفيّ يعرف قيمة ما يعيشه.
نحن هنا وسنبقى هنا، ثابتون على العهد مع القيادة والوطن، وأمن البحرين فوق كل اعتبار. البحرين بخير… ما دام أنتو قادتها.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك