العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

السياحة تحت وقع الصواريخ.. هل يتوقف المسافر عن الحلم؟

بقلم: حمد أمين.

الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬في‭ ‬العادة،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬السياحة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومطار‭ ‬يعمل‭ ‬بثقة‭ ‬حتى‭ ‬تزدهر‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬السماء‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬قلق‭ ‬يغير‭ ‬سلوك‭ ‬المسافر‭ ‬ويعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الحركة‭ ‬السياحية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة‭ ‬اليوم‭ ‬–‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬المملكة‭ ‬وعدداً‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬–‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تطورات‭ ‬أمنية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أحداث‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬نفسياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬السفر‭ ‬والسياحة‭. ‬فقد‭ ‬عكست‭ ‬الأخبار‭ ‬الأخيرة‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬جاهزية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬بحزم‭ ‬وكفاءة‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السفر،‭ ‬الانطباع‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الواقع‭.‬

فالمسافر‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬آسيا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬مجاورة‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬للأحداث‭. ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬رئيسي‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬صواريخ‭ ‬أو‭ ‬توترات‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬وعندها‭ ‬يبدأ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬مستقبل‭ ‬الرحلة‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬وقت‭ ‬مناسب‭ ‬للسفر‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة؟

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المعادلة‭ ‬المعقدة‭ ‬لقطاع‭ ‬السياحة‭.‬

في‭ ‬أوقات‭ ‬الاستقرار،‭ ‬تعتمد‭ ‬السياحة‭ ‬على‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬السفر‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬فهي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الخوف‭.‬

تاريخ‭ ‬صناعة‭ ‬السفر‭ ‬مليء‭ ‬بالأمثلة‭. ‬فالأزمات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الأمنية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬السياحة،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الوجهات‭ ‬السياحية‭ ‬فقدت‭ ‬جاذبيتها،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬المسافر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬ليستعيد‭ ‬ثقته‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭. ‬وفي‭ ‬منطقة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الطيران‭ ‬كوسيلة‭ ‬أساسية‭ ‬للتنقل،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬أو‭ ‬الأخبار‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬السفر‭.‬

لكن‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬ستكون‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجياً‭.‬

فالقطاع‭ ‬السياحي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬عموماً،‭ ‬وفي‭ ‬البحرين‭ ‬خصوصاً،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قطاعاً‭ ‬هشاً‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭ ‬تمتلك‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬المطارات‭ ‬والفنادق‭ ‬والفعاليات‭ ‬والاتصال‭ ‬العالمي‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الأزمات‭ ‬قد‭ ‬تبطئ‭ ‬الحركة،‭ ‬لكنها‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬توقفها‭ ‬بالكامل‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬السياحة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تعود‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يتوقعه‭ ‬كثيرون‭ ‬بعد‭ ‬الأزمات،‭ ‬شرط‭ ‬وجود‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬أساسية‭: ‬الاستقرار‭ ‬الأمني،‭ ‬وضوح‭ ‬الرسائل‭ ‬الحكومية،‭ ‬وثقة‭ ‬السوق‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬وضوح‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي،‭ ‬وتأكيد‭ ‬مستمر‭ ‬لجاهزية‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬لحماية‭ ‬الوطن‭ ‬والمجتمع،‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭.‬

لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة‭.‬

فقطاع‭ ‬السفر‭ ‬والسياحة‭ ‬لا‭ ‬يتعافى‭ ‬تلقائياً‭. ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬السياحية‭ ‬العالمية‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭:‬

أولاً،‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الأسواق‭ ‬السياحية‭ ‬العالمية‭ ‬برسائل‭ ‬واضحة‭ ‬تؤكد‭ ‬استقرار‭ ‬المملكة‭ ‬واستمرار‭ ‬حركة‭ ‬السفر‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭. ‬ثانياً،‭ ‬تقديم‭ ‬سياسات‭ ‬سفر‭ ‬مرنة‭ ‬تسمح‭ ‬للمسافرين‭ ‬بتعديل‭ ‬خططهم‭ ‬بسهولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬معياراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السفر‭ ‬الحديثة‭. ‬ثالثاً،‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والخليجية‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الأسرع‭ ‬تعافياً‭ ‬بعد‭ ‬الأزمات‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأهم‭ ‬التي‭ ‬تعلمنا‭ ‬إياها‭ ‬صناعة‭ ‬السياحة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬قد‭ ‬يؤجل‭ ‬السفر‭ ‬لكنه‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يتخلى‭ ‬عنه‭.‬

فالرغبة‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬واكتشاف‭ ‬العالم‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الخوف،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬سيحدد‭ ‬مستقبل‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬سيسافرون‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬متى‭ ‬سيشعرون‭ ‬بالثقة‭ ‬الكافية‭ ‬ليحجزوا‭ ‬رحلتهم‭ ‬التالية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا