لا أحد بإمكانه التنبؤ بمآل نظام الملالي في إيران، لكن من المرجح أن بقاءه بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية لن يطول كثيرا. ليس فقط لأن قدراته العسكرية في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي تظل محدودة ولكن وهو الأهم لأن غالبية الشعب الإيراني تتمنى رحيله إلى غير رجعة.
فعندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 ضد حكومة الشاه برز فيها الإسلام الشعبي كقوة سياسية بإمكانها التعجيل بإسقاط نظام استبدادي خاضع للولايات المتحدة وإنهاء عصر ساد فيه القمع والتعذيب على يد نظام الشاه.
كانت غالبية الشعب الإيراني تتصور أن قيام جمهورية إسلامية يمكن أن يكون السبيل الأصوب إلى الحرية والعدالة. والواقع أن هذه التنبؤات الوردية في مخيلة الشعب الإيراني لم تقتصر عليه وإنما شاطره فيها عدد من المفكرين العرب من أنصار اليسار الإسلامي. بيد أن جمهورية الملالي عندما وقفت على قدميها بدأ الإيرانيون يشعرون تدريجيا في ظلها بأنهم قد استعاضوا عن الرمضاء بالنار.
إذ تكشفت لهم مثالب النظام الثيوقراطي وأهواله. ولئن كان عدد المؤيدين لحكومة الملالي إبان الثورة الإيرانية يفوق بكثير عدد معارضيها فقد تغيرت الأحوال إلى نقيضها الآن. إذ انكمش عدد المؤيدين إلى حوالي عشرين بالمائة وبلغ عدد الساخطين المتمردين عليها حوالي ثمانين بالمائة. ولما شنت الطائرات الأمريكية الإسرائيلية ضرباتها على القيادات العسكرية وقتلت المرشد الروحي علي خامنئي خرجت أعداد كبيرة من الإيرانيين في شوارع العواصم الغربية لتعبر عن فرحتها الغامرة بهذه الضربات التي تحصد رؤوس النظام الإيراني وحراسه. وفي الداخل الإيراني نستمع تعليقات صادرة من أسر إيرانية تعبر عن فرحتها المكتومة.
لقد أسهم في انقلاب الرأي العام الإيراني التدريجي على حكومته الإسلامية عوامل كثيرة أهمها بلا شك معاناة الإيرانيين الطويلة من قمع وفساد حكامهم والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي حلت ببلادهم فضلا عن انتشار التعليم في القرى والمدن الإيرانية ودور وسائل الاتصال الاجتماعي في الانفتاح على ثقافة الغير.
بيد أن التحول الجذري العنيف في الرأي العام ضد قياداته يعود في الواقع إلى المجازر البشعة التي ارتكبها النظام ضد شعبه في يناير 2026 إذ تمثل بحق نقطة فاصلة أو كما يرى المحللون انها كانت بمثابة «الضربة القاضية» للجمهورية الإسلامية وطغاتها. فهذه الجمهورية تعيش أزمة وجودية تكشف عجزها عن الحكم. ولا عجب أن وصل الأمر بها إلى حد الانتحار الأيديولوجي بعدما وجدت نفسها مضطرة إلى التفاوض مباشرةً لعقد اتفاق مع «الشيطان الأكبر»: الولايات المتحدة.
إن إيران الحالية لم تعد إيران عام 1979 حين أسهمت أقلية مستنيرة حضرية ومتعلمة ومنفتحة على قيم العالم المعاصر في إسقاط الشاه قبل أن تهمشها أغلبية من السكان كانت مهووسة بالنهج المذهبي المتشدد وكانت تتوهم أنه سيلبي كل تطلعاتها، وبعد مضي أربعة عقود تحولت الأقلية المستنيرة إلى أغلبية كاسحة لأن نسب التحضر ومعدلات محو الأمية تجاوزت بصورة فائقة ما كانت عليه عام 1979، بل واصلت ارتفاعها علاوة على أن الانفتاح على العالم المعاصر لم يعد حكرًا على نخبة، بل أصبح سمةً لغالبية السكان الذين لم يعودوا خاضعين لهيمنة المؤسسة الدينية.
بيد أن السؤال الشاغل الآن يدور حول مآل الأوضاع الحالية في إيران بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية المتواصلة ومقتل المرشد الإيراني ورموز نظامه وقياداته الرفيعة؟
سيأتي مرشد آخر وقيادات أخرى، فمنطق النظام لن يتأثر بغياب رموزه الحاكمة. أما بقاؤه فهذا أمر آخر. وثمة فروض عديدة محتملة.. فهناك احتمال عودة الولايات المتحدة إلى إيران بكل ما تحمله من تداعيات داخلية وإقليمية قد تتم بواسطة السلاح مع اتساع العمليات العسكرية بهدف إسقاط النظام أو عبر النفوذ المالي والاستثمارات.
ومع ذلك، فثمة عقبات كثيرة في مقدمتها النزعة القومية الشديدة لدى الإيرانيين الذين لن يقبلوا بعودة النفوذ الأمريكي إلى بلادهم. يضاف إلى ذلك عداء الفصائل الإسلامية المتشددة التي لن تتوقف عن معارضة اي مسار نحو التطبيع مع الغرب وأمريكا خاصة.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب – جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك