العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المستنقع الإيراني.. إلى أين؟

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬أحد‭ ‬بإمكانه‭ ‬التنبؤ‭ ‬بمآل‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬بقاءه‭ ‬بعد‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لن‭ ‬يطول‭ ‬كثيرا‭. ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬قدراته‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تظل‭ ‬محدودة‭ ‬ولكن‭ ‬وهو‭ ‬الأهم‭ ‬لأن‭ ‬غالبية‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬تتمنى‭ ‬رحيله‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة‭. ‬

فعندما‭ ‬قامت‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬ضد‭ ‬حكومة‭ ‬الشاه‭ ‬برز‭ ‬فيها‭ ‬الإسلام‭ ‬الشعبي‭ ‬كقوة‭ ‬سياسية‭ ‬بإمكانها‭ ‬التعجيل‭ ‬بإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬استبدادي‭ ‬خاضع‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإنهاء‭ ‬عصر‭ ‬ساد‭ ‬فيه‭ ‬القمع‭ ‬والتعذيب‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬نظام‭ ‬الشاه‭.‬

كانت‭ ‬غالبية‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬تتصور‭ ‬أن‭ ‬قيام‭ ‬جمهورية‭ ‬إسلامية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السبيل‭ ‬الأصوب‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التنبؤات‭ ‬الوردية‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬عليه‭ ‬وإنما‭ ‬شاطره‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬اليسار‭ ‬الإسلامي‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬جمهورية‭ ‬الملالي‭ ‬عندما‭ ‬وقفت‭ ‬على‭ ‬قدميها‭ ‬بدأ‭ ‬الإيرانيون‭ ‬يشعرون‭ ‬تدريجيا‭ ‬في‭ ‬ظلها‭ ‬بأنهم‭ ‬قد‭ ‬استعاضوا‭ ‬عن‭ ‬الرمضاء‭ ‬بالنار‭.‬

إذ‭ ‬تكشفت‭ ‬لهم‭ ‬مثالب‭ ‬النظام‭ ‬الثيوقراطي‭ ‬وأهواله‭. ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬المؤيدين‭ ‬لحكومة‭ ‬الملالي‭ ‬إبان‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬عدد‭ ‬معارضيها‭ ‬فقد‭ ‬تغيرت‭ ‬الأحوال‭ ‬إلى‭ ‬نقيضها‭ ‬الآن‭. ‬إذ‭ ‬انكمش‭ ‬عدد‭ ‬المؤيدين‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬عشرين‭ ‬بالمائة‭ ‬وبلغ‭ ‬عدد‭ ‬الساخطين‭ ‬المتمردين‭ ‬عليها‭ ‬حوالي‭ ‬ثمانين‭ ‬بالمائة‭. ‬ولما‭ ‬شنت‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضرباتها‭ ‬على‭ ‬القيادات‭ ‬العسكرية‭ ‬وقتلت‭ ‬المرشد‭ ‬الروحي‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬خرجت‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الإيرانيين‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬فرحتها‭ ‬الغامرة‭ ‬بهذه‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬تحصد‭ ‬رؤوس‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وحراسه‭. ‬وفي‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬نستمع‭ ‬تعليقات‭ ‬صادرة‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬إيرانية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬فرحتها‭ ‬المكتومة‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الإيراني‭ ‬التدريجي‭ ‬على‭ ‬حكومته‭ ‬الإسلامية‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬أهمها‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬معاناة‭ ‬الإيرانيين‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬قمع‭ ‬وفساد‭ ‬حكامهم‭ ‬والأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطاحنة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬ببلادهم‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬انتشار‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬ودور‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬الغير‭.‬

‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الجذري‭ ‬العنيف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬ضد‭ ‬قياداته‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬المجازر‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬ضد‭ ‬شعبه‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026‭ ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬بحق‭ ‬نقطة‭ ‬فاصلة‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬المحللون‭ ‬انها‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬الضربة‭ ‬القاضية‮»‬‭ ‬للجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وطغاتها‭. ‬فهذه‭ ‬الجمهورية‭ ‬تعيش‭ ‬أزمة‭ ‬وجودية‭ ‬تكشف‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭. ‬ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الانتحار‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬بعدما‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬مباشرةً‭ ‬لعقد‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الشيطان‭ ‬الأكبر‮»‬‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

إن‭ ‬إيران‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬حين‭ ‬أسهمت‭ ‬أقلية‭ ‬مستنيرة‭ ‬حضرية‭ ‬ومتعلمة‭ ‬ومنفتحة‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬الشاه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تهمشها‭ ‬أغلبية‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬كانت‭ ‬مهووسة‭ ‬بالنهج‭ ‬المذهبي‭ ‬المتشدد‭ ‬وكانت‭ ‬تتوهم‭ ‬أنه‭ ‬سيلبي‭ ‬كل‭ ‬تطلعاتها،‭ ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬تحولت‭ ‬الأقلية‭ ‬المستنيرة‭ ‬إلى‭ ‬أغلبية‭ ‬كاسحة‭ ‬لأن‭ ‬نسب‭ ‬التحضر‭ ‬ومعدلات‭ ‬محو‭ ‬الأمية‭ ‬تجاوزت‭ ‬بصورة‭ ‬فائقة‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬بل‭ ‬واصلت‭ ‬ارتفاعها‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬نخبة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬سمةً‭ ‬لغالبية‭ ‬السكان‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬خاضعين‭ ‬لهيمنة‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الشاغل‭ ‬الآن‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬مآل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتواصلة‭ ‬ومقتل‭ ‬المرشد‭ ‬الإيراني‭ ‬ورموز‭ ‬نظامه‭ ‬وقياداته‭ ‬الرفيعة؟

سيأتي‭ ‬مرشد‭ ‬آخر‭ ‬وقيادات‭ ‬أخرى،‭ ‬فمنطق‭ ‬النظام‭ ‬لن‭ ‬يتأثر‭ ‬بغياب‭ ‬رموزه‭ ‬الحاكمة‭. ‬أما‭ ‬بقاؤه‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭. ‬وثمة‭ ‬فروض‭ ‬عديدة‭ ‬محتملة‭.. ‬فهناك‭ ‬احتمال‭ ‬عودة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬داخلية‭ ‬وإقليمية‭ ‬قد‭ ‬تتم‭ ‬بواسطة‭ ‬السلاح‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬بهدف‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬النفوذ‭ ‬المالي‭ ‬والاستثمارات‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فثمة‭ ‬عقبات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬الشديدة‭ ‬لدى‭ ‬الإيرانيين‭ ‬الذين‭ ‬لن‭ ‬يقبلوا‭ ‬بعودة‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عداء‭ ‬الفصائل‭ ‬الإسلامية‭ ‬المتشددة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬معارضة‭ ‬اي‭ ‬مسار‭ ‬نحو‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬وأمريكا‭ ‬خاصة‭.‬

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬

بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬–‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا