بظل التساؤل قائما عن مدى قوة العلاقة بين الدولة العميقة في الولايات المتحدة وإدارة ترامب، والتقاطعات بين الطرفين، وما بدا واضحا أن ترامب وسَّع هامش صلاحياته بما يتجاوز الدولة العميقة وأحياناً يتعارض معها، وضد مصالح أمريكا العليا.. ويمكن إضافة تساؤل ذي صلة بالموضوع، عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومَن يقود مَن؟ ومَن يصنع القرار، أو يؤثر فيه؟
وإذا وضعنا هذا السؤال في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سنعود إلى تصريح نتنياهو الأخير، وهو تصريح استفزازي وغريب، فيه قدر كبير من الغطرسة، حيث قال: «منذ أربعين سنة وأنا أفكر وأحلم بإسقاط النظام الإيراني».. قبل أربعين سنة لم يكن لإيران أذرع في المنطقة، ولم يكن لديها مشروع نووي، ولا صواريخ باليستية.. كانت منشغلة في حربها على العراق.. وبالتالي لم تكن تشكل أي تهديد أمني أو إستراتيجي على إسرائيل.. فلماذا يحلم نتنياهو بإسقاط النظام؟
وأيضا، ومنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وحتى أمد قريب لم تكن إيران تشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة، بل كان بينهما نوع من تقاسم الأدوار، أو التخادُم، ضمن صراع بين مشاريع هيمنة، كانت إيران تسعى لأخذ الصدارة بين القوى الإقليمية المهمة في الإقليم (تركيا، إسرائيل، الدول العربية وفي مقدمتها السعودية)، وصمتت أمريكا على التمدد الإيراني، إلى أن بدأ التحول العميق في الإستراتيجية الأمريكية مع تصاعد صراع الأقطاب الدولية الكبرى (أمريكا، الصين، روسيا..)، ضمن سياق خلق نظام دولي جديد، يقتضي إزاحة وتحييد الدول والمليشيات التي تقف حجر عثرة أمامه، أو تشكل تهديداً أمنياً ولو ضئيلاً، أو غير منسجم ومتكيف معه. وفي مقدمتها إيران، ومعها أذرعها المليشياوية.
إذاً، أمريكا تريد تكييف النظام الإيراني من خلال إضعافه وإخضاعه والتفاهم معه، لكن القيادة الإيرانية طلبت شروطاً واستحقاقات أكثر مما تريد أمريكا منحها.. هذا لا يتطلب بالضرورة شن حرب، كان يمكن لأمريكا تصعيد العقوبات، وتشديد الحصار، والتركيز على الدبلوماسية والتفاوض.. ولما اقترب المسار التفاوضي من إيجاد صيغة حل (كما أعلن الوسيط العماني قبل يوم من الحرب) بادرت إسرائيل بشن الحرب، لقطع المسار التفاوضي، وتوريط أمريكا في الحرب.
طبعاً، لا يمكن لإسرائيل إجبار أمريكا على خوض حرب بهذه السهولة.. لذا خلال الأربعين سنة الماضية لم يجد نتنياهو رئيساً أمريكياً يوافق على شن الحرب، بل إن أوباما توصل إلى اتفاقية مكتوبة مع إيران بشراكة أوروبية.. إلى أن جاء ترامب فكان من أولى قراراته في ولايته الأولى إلغاؤها.. وفي ولايته الثانية شن الحرب فعلياً، مع أنه لا مصلحة أمريكية (حقيقية) من وراء الحرب، ويجب الانتباه هنا أن أمريكا خاضت الحرب دون قرار من مجلس الأمن، وحتى دون مشاورة الكونجرس، وهناك أطراف عديدة من داخل أمريكا غير مقتنعة بجدوى الحرب وضرورتها، بل وتعارضها.
إسرائيل هي التي مهدت الطريق لترامب لشن الحرب، وورطته بها.. بدأت بخطوات متدرجة ومدروسة منذ عام 2011، كانت البداية بطرح قضية إيران والتهويل من خطرها عبر حملة إعلامية منظمة. ترافقت معها عمليات استخباراتية بهدف جمع المعلومات، واختراق إيران من الداخل وزرع جواسيس، واختراق كل أذرعها المسلحة (حزب الله، الحوثيين، حزب الله العراقي..)، ولا حاجة للقول إنها حققت اختراقات رهيبة في هذا المجال.
أما الخطوات العسكرية والسياسية فقد كانت النقلة الافتتاحية تحييد وتدمير قطاع غزة، حيث جاءت عملية طوفان الأقصى، فوجدت إسرائيل فرصة لخلق المبرر الأقوى لتدمير غزة، من خلال اختراع خطر وجودي يعطي لإسرائيل سبب تعبئة داخلية وخارجية وحملة إعلامية قوية، ومبرراً لشن حرب طويلة لم يكن ممكناً تسويقها قبل ذلك. في النتيجة تدمرت غزة وتم تفكيك بنية حماس الأمنية والعسكرية.
الخطوة الثانية، تحييد «حزب الله»، بحجة مشاركته في الحرب ودعمه لحماس، خطط الموساد لهذه الخطوة قبل الحرب بسنوات، حين زرع متفجرات في أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر وقياديو «حزب الله» وانتظر اللحظة المناسبة لتفجيرها، تبعتها عمليات اغتيال لقادة الصف الأول والثاني للحزب، وفي النتيجة تم إضعاف وتحييد الذراع الإيراني في لبنان.
وعلى الفور، انتقلت إلى الخطوة التالية؛ قطع التواصل البري بين إيران ولبنان من خلال المساهمة في إسقاط نظام الأسد، واستغلال الفرصة لاحتلال مساحات واسعة ومهمة من الأراضي السورية، ما يعني قطع المد اللوجيستي لمحور المقاومة، بل والقضاء عليه، ليغدو النظام الإيراني معزولاً ومكشوفاً ويمكن مهاجمته في حرب طويلة، وكان من الضروري اختبار قدرات إيران الحقيقية، باستدراجها لحرب محدودة؛ فتم استهداف السفارة الإيرانية في دمشق، واغتيال إسماعيل هنية وسط طهران، ثم مهاجمة المنشآت النووية في يونيو 2025، في حرب قصيرة شاركت فيها أمريكا.
لكن قبل شن العدوان الكبير كان لازماً حل مشكلة ارتفاع أسعار النفط، أو انقطاع إمداداته فيما لو أغلقت إيران مضيق هرمز، حتى لا تنشأ أزمات اقتصادية، وقد تمثل الحل باعتقال رئيس فنزويلا مادورو، وتوقيع اتفاقية مع النظام الجديد، لضمان تعويض أي نقص من خلال النفط الفنزويلي، وتوفير أمان نفطي يلبي حاجات أمريكا. صحيح أن هذه الخطوة قامت بها أمريكا، ولكن التحريض الإسرائيلي لم يقصّر.
بعد قطع الأذرُع صار ممكناً ضرب الرأس، حيث شنت إسرائيل وأمريكا هجمات منسقة على إيران بدأتها بضربة قُتل فيها أغلب الصف القيادي بمن فيهم المرشد علي خامنئي وكبار مساعديه.
ولكن، حتى في هذه الحرب تبدو أهداف أمريكا غير أهداف إسرائيل، فأمريكا تبحث عن صيغة تفاهم مع أي قيادة إيرانية قابلة بشروطها، بينما تريد إسرائيل تدمير المقدرات الإيرانية: المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والقدرات العسكرية، والعلمية، وكل ما تعتقد أنه يشكل تهديداً إستراتيجياً، ولو بعد سنين طويلة. تماماً كما فعلت في سورية.
النقلة الأخيرة بعد الحرب، وربما أثناءها، هي توفير كل الشروط وتذليل العقبات وتهيئة الظروف أمام الشعب الإيراني، ليقوم بنفسه بإزاحة النظام.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك