قد يفلّ حديد الصواريخ جبهةً، وقد يضم أراضي جديدة، أو يُضاعف النفوذ، لكنه في الوقت ذاته قد يخدش صورة، ويُلطخ سمعة، ويوقظ في الوجدان العالمي أسئلة لا تجد إجابات مواتية. فالحرب لا تُقاس بنتائج الميدان وحدها، بل بما تتركه في مرايا الشعوب من انطباعٍ دائم، وبما تزرعه في الوعي الجمعي من سردياتٍ لا تُمحى بسهولة.
ومنذ أكتوبر 2023، بدا أن إسرائيل، وهي تمضي في حربها على غزة، تخوض معركةً أخرى لا تقل ضراوة عن الأولى.. معركة الصورة في الرأي العام العالمي.
تكشف المؤشرات الكمية، حين تُقرأ في سياقها الزمنى والسياسي، عن تحوّلٍ نوعي لا يمكن الاستخفاف به. ففي أحدث نتائج «مؤشر العلامات التجارية الوطنية» (NBI)، تراجعت صورة إسرائيل إلى أدنى مرتبة بين خمسين دولة شملها القياس، مُسجلة أكبر انخفاض سنوي في تاريخ مشاركتها في المؤشر. ولم يكن التراجع محصورًا في تقييم الأداء الحكومي أو السياسة الخارجية، بل امتد إلى إدراك المجتمع ذاته، وإلى جاذبية الدولة ككيان ثقافي واقتصادي وسياحي. لقد تضررت العلامة الوطنية الإسرائيلية في أبعاد الثقة والاستثمار والسمعة العامة، وهي أبعاد تتجاوز السياسة الآنية إلى ما هو أبعد أثرًا وأطول مدى.
هذا التآكل في الصورة لم يقتصر على الدوائر الأوروبية أو البيئات النقدية التقليدية، بل انسحب إلى الساحة الأمريكية، التي لطالما شكلت ركيزةً صلبة في بنية الدعم لإسرائيل. فقد أظهرت استطلاعات معهد «جالوب» الأخيرة أن الفارق التاريخي في التعاطف الأمريكي، الذي كان يميل بوضوح إلى إسرائيل، قد تقلص إلى حد التلاشي، بل انقلب في بعض القياسات لصالح الفلسطينيين. ارتفعت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين إلى مستوى غير مسبوق، فيما تراجعت النظرة الإيجابية إلى إسرائيل إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات. كما بيّنت استطلاعات أخرى أن غالبية مُعتبرة من الأمريكيين ترى أن الرد العسكري في غزة كان مُفرطًا، وأن تأييد الاعتراف بالدولة الفلسطينية يتنامى في أوساط الرأي العام، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي الذي يشهد تحولات عميقة في مقاربته للصراع.
وإذا انتقلنا إلى أوروبا الغربية، وجدنا أن منحنى السلبية أشد انحدارًا؛ إذ أظهرت قياسات «يوجوف» YouGov، في ألمانيا وفرنسا والدنمارك وإيطاليا وإسبانيا، أن صافي التأييد لإسرائيل بلغ مستويات سلبية قياسية، حيث فاقت نسب النظرة السلبية بكثير نسب النظرة الإيجابية؛ فلم يعد الأمر مجرد انتقاد لسياسة حكومة بعينها، بل تحوّل إلى إعادة تقييم أوسع للصورة الذهنية لإسرائيل كدولة. وفى موازاة ذلك، ارتفع التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في معظم هذه البلدان إلى مستويات تفوق بكثير التعاطف مع الإسرائيليين، في مشهد يعكس تحوّلًا في ميزان العاطفة العامة وفى السردية الأخلاقية السائدة.
أما على الصعيد العالمي الأوسع، فقد أظهرت دراسة مركز «بيو» لعام 2025، عبر أربعٍ وعشرين دولة، أن نصف السكان أو أكثر في غالبية هذه الدول يحملون آراءً سلبية تجاه إسرائيل، مع ارتفاع ملحوظ في نسب السلبية مقارنةً بما قبل الحرب. في بعض الدول الأوروبية والآسيوية الكبرى، بلغت النظرة السلبية ثلاثة أرباع المستطلعين. كما كشفت الدراسة عن مستويات متدنية جدًا من الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إدارة الشؤون الدولية، بما يعزز الانطباع بأن أزمة الصورة لا تقتصر على ظرف عابر، بل ترتبط بتمثيل القيادة وسلوكها في زمن الحرب.
اللافت أن هذا الإدراك لم يغب حتى عن الداخل الإسرائيلي، إذ أظهرت استطلاعات أن أغلبية الإسرائيليين يرون أن بلدهم لم يعد يحظى بالاحترام الدولي كما في السابق. وهنا تتقاطع الصورة الخارجية مع الشعور الداخلي، ليغدو التراجع في السمعة مسألةً ذات أثر نفسي وسياسي مزدوج، يؤثر في موقع الدولة ضمن النظام الدولي، وفى ثقة مواطنيها بذاتهم ومكانتهم.
هذه المعطيات، حين تُجمع خيوطها، تشير إلى أن حرب غزة لم تُحدث فقط دمارًا ماديًا هائلًا، بل أحدثت كذلك شرخًا معنويًا في صورة إسرائيل العالمية. لقد حققت إسرائيل في الميدان بعض الأهداف العسكرية، وأثبتت قدرتها على توجيه ضربات قاسية، لكنها في المقابل خسرت مساحةً واسعة من التعاطف الدولي، وتآكلت شرعيتها الأخلاقية في أعين قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي، ولاسيما بين الأجيال الشابة التي تصوغ سرديات المستقبل.
الحرب، إذن، ليست ساحةً واحدة. فقد تُكسبك جبهةً وتُخسرك أخرى. وقد تُثبّت حضورك الأمني وتُضعف رصيدك الرمزي والمعنوي. وإذا كانت إسرائيل قد أحرزت تقدمًا في معادلات الردع والرسائل العسكرية، فإنها دفعت ثمنًا باهظًا في ميزان الصورة والسمعة، وهو ميزان لا يقل وزنًا في عالمٍ تحكمه الشبكات الإعلامية والذاكرة الرقمية وحساسيات الرأي العام العابر للحدود.
البناء على هذا التغير النوعي يقتضي قراءة استراتيجية لا انفعالية. فبالنسبة إلى الفلسطينيين وحلفائهم، يفتح التحول في المزاج العالمي نافذة لتعزيز الدبلوماسية العامة، وتكثيف العمل القانوني والحقوقي، وتوسيع شبكات التأثير في الجامعات والنقابات والبرلمانات، بما يُحوّل التعاطف الأخلاقي إلى سياسات ملموسة. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن الرسالة التي وصلتها واضحة؛ ومفادها أنها خسرت حرب الصورة بامتياز، وهو أمر ستعاني منه لسنوات طويلة مقبلة.
ففي زمن تتشابك فيه القوة الصلبة بالقوة الناعمة، قد تحسم المدافع معركةً ميدانية، لكن الذي يحسم صورة الدولة في الوجدان العالمي أمور تتجاوز مدى هذه المدافع وحمولاتها النارية.
{ كاتب وباحث إعلامي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك