في اللحظات التي يكون فيها خطاب صنّاع القرار في دولة ما مفارقاً لوعي المرحلة التاريخية وماهيتها، تكون النتيجة دائماً نكسة عسكرية تستحيل بالضرورة إلى نكسة استراتيجية تمثل فارقاً تاريخياً بين مرحلتين.
هذه المرّة في الحالة الإيرانية، حيث يبدو أن صنّاع القرار في طهران لم يدركوا أن اللحظة التاريخية الفارقة اليوم تقوم على رؤية إسرائيلية - أمريكية مفادها بأن الوضع الإقليمي يشهد متغيّرات كبيرة لمصلحة إسرائيل، وأن هذه المتغيرات لن تكتمل، أو بالأحرى لن تتحوّل إلى مكاسب كبرى على المدى الطويل، من دون تحييد إيران نهائياً من موازين الصراع. ولعل الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران في يونيو الماضي، ودام 12 يوماً، ليس سوى «بروفة» تكتيكية هدفها اكتشاف المقدرات العسكرية الإيرانية، تمهيداً للحظة القاصمة.
أظهر الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي الأول الذي استهدف مراكز القيادة والسيطرة السياسية والأمنية في طهران بين الساعة التاسعة والتاسعة والنصف صباح 28 فبراير الشهر الماضي، وراح ضحيته قادة إيرانيون، في مقدّمهم المرشد علي خامنئي، أن القيادة الإيرانية لم تكن تتوقع شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً في ظل مفاوضات غير مباشرة تجري في مسقط وجنيف بين الجانبين قيل إنها نشطة.
كان اغتيال خامنئي بالنسبة إلى أصحاب السلطة في طهران أن الحرب هذه المرّة ليست امتداداً للسياسة، بل هي حرب وجودية هدفها القضاء على النظام الإيراني نفسه، وهنا يكمن وعي طبيعة الحرب الأمريكية – الإسرائيلية. وما يؤكد ربما مفاجأة العدوان العسكري طهران، ضربها في اليوم الأول من الهجوم دولاً خليجية، بما فيها عُمان وقطر اللتان لهما علاقات جيدة معها، وعملتا في الأشهر الماضية على الوساطة بينها وبين واشنطن. وهذا ربما فسّر طبيعة رد الفعل الإيراني مقارنة بالحرب السابقة، إذ كانت الهجمات الإيرانية هذه المرة أقل تركيزاً وأكثر عشوائية، عبر استهداف مراكز سكانية بغرض إلحاق أكبر عدد ممكن من الخسائر، ليس في إسرائيل فقط، بل أيضاً في بلدان خليجية، ولا سيما الإمارات والبحرين والكويت.
وإذا كانت إيران قد خسرت بذلك محيطها العربي الذي كان، حتى الأمس القريب، رافضاً أي هجوم أمريكي – إسرائيلي عليها، فإن هذه الهجمات على بلدان عربية تكشف في المقابل عدم قدرة إيران على توجيه ضربات عسكرية دقيقة ومؤثّرة ضد إسرائيل في المقام الأول، ثم الولايات المتحدة في المقام الثاني. ولهذا السبب تحديداً، تحاول إيران الاستفادة من مساحتها الجغرافية الكبيرة، وموقعها الاستراتيجي، وتوزّع مراكزها العسكرية في مساحات واسعة، لإطالة أمد الحرب، بما يجعل الكلفة الاقتصادية والعسكرية والبشرية والسياسية كبيرة للطرف الآخر، ويدفع دول المنطقة والمجتمع الدولي إلى الضغط على الولايات المتحدة من أجل إيقاف الحرب. ولذلك، تختلف المقاربة الإيرانية جذرياً عن المقاربة الأمريكية – الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ الحرب السريعة والمثمرة عسكرياً.
وبغض النظر عن نتائج الحرب، إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام، أو الاكتفاء بتوجيه ضربة عسكرية قاسية تردّه إلى حجرته المحلية بعيداً عن شؤون المنطقة، اقترف الإيرانيون أخطاءً استراتيجية كبرى خلال السنوات السابقة: أول هذه الأخطاء تريث وعدم استعجال السلطة الإيرانية في امتلاك القنبلة النووية، ولو أنها امتلكتها فعلاً لما وقعت هذه الحرب إطلاقاً، الأمر الذي يذكّرنا بما حصل مع عراق صدّام حسين الذي سلم كل مخزونه من أسلحة الدمار الشامل، ما جعل الفرصة متاحة لشن حرب مدمرة على النظام العراقي عام 2003.
الخطأ الاستراتيجي الثاني، أن إيران، طوال العقدين الأخيرين، تعاملت مع دول المنطقة العربية على أنها أهداف عدوانية مسبقة، ويجب اختراقها وإضعافها، وإن أمكن تدميرها حتى تكون أداة طيّعة بيدها، الأمر الذي أدّى إلى نشوء كتلة عربية وازنة على المستويين، الرسمي والشعبي، مناهضة لإيران.
الخطأ الاستراتيجي الثالث، عدم فهم إيران المتغيرات التي نشأت بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وطبيعة الرد الإسرائيلي، وبسبب عدم الفهم هذا تعاملت إيران مع إسرائيل بآليات الحروب السابقة نفسها، فلم تضع كامل قوتها في الجنوب اللبناني وسورية للدخول بقوة في الحرب ضد إسرائيل، خصوصاً خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت «طوفان الأقصى».
الخطأ الرابع، ضم إيران دول الخليج العربي ضمن قائمة أهدافها العسكرية، وهذا ستكون له تبعات استراتيجية كبرى عليها، ليس الآن في مرحلة الحرب، بل في مرحلة ما بعد الحرب، حيث أصبح الخليج العربي، بوزنه السياسي والاقتصادي، جبهة معادية لإيران.
لقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية السابقة في الصيف الماضي، ثم الحرب الحالية، زيف الأسطرة السياسية والعسكرية التي تضفيها إيران وحلفاؤها على أنفسهم: دُمرت القوة العسكرية لحزب الله، وسقط النظام السوري خلال أيام، ونشأت قوى مناهضة لإيران في العراق، وظهر استياء شعبي إيران بعد انكشاف هذه الأسطرة الزائفة.
ما يؤسَف له في هذا كله أن ما يجري ليس في مصلحة العرب والقضية الفلسطينية، بل في مصلحة إسرائيل في المقام الأول التي ستصبح القوة المهيمنة على المنطقة، وتبدأ برفع مستوى سطوتها على الفلسطينيين والعرب ضمن تحول تاريخي كبير قد يُضفى عليه طابع ديني مقدّس على غرار ما حدث عام 1967، حين اعتبر التيار الديني الإسرائيلي وجزء من التيار الصهيوني القومي ما جرى تدخلاً مباشراً من الله، وبالتالي يجب الاستمرار في السياسة الصهيونية حتى نهايتها.
{ كاتب وإعلامي سوري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك