العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

وعــــــي يحمي القيم .. أسرة آمنة رقميا في شهر رمضان

بقلم: جليلة إسماعيل الخباز {

الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬إحدى‭ ‬جلسات‭ ‬الاستشارة،‭ ‬جلست‭ ‬أمامي‭ ‬أم‭ ‬تشكو‭ ‬لي‭ ‬تمرد‭ ‬ابنها‭ ‬المراهق،‭ ‬وغياب‭ ‬الأب‭ ‬بسبب‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬الطويلة‭.  ‬واشتكت‭ ‬‮«‬صمتًا‮»‬‭ ‬غريباً‭. ‬قالت‭: ‬نحن‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬خمسة‭ ‬أفراد‭. ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬جالس‭ ‬في‭ ‬غرفته،‭ ‬وعندما‭ ‬يحين‭ ‬وقت‭ ‬الافطار‭ ‬نجتمع‭ ‬بدعوة‭ ‬أرسلها‭ ‬لهم‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الواتساب‮»‬‭.‬

وليس‭ ‬مستغربًا‭ ‬أن‭ ‬يتكرر‭ ‬هذا‭ ‬المشهد؛‭ ‬ففي‭ ‬أحد‭ ‬المجالس‭ ‬تحدثت‭ ‬أم‭ ‬بإعجاب‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تقوية‭ ‬علاقتها‭ ‬بأبنائها‭ ‬وأتاحت‭ ‬لها‭ ‬تواصلاً‭ ‬سهلاً‭ ‬ومريحًا‭ ‬معهم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة،‭ ‬على‭ ‬إيجابيتها،‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬استثناءً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬يوميًا‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القيم‭ ‬الأسرية‮»‬‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬فمع‭ ‬تسارع‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬نواجه‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭: ‬تواصل‭ ‬افتراضي‭ ‬متصل‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬يقابله‭ ‬أحيانًا‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬المباشر‭. ‬وبين‭ ‬سرعة‭ ‬التفاعل‭ ‬وغياب‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر،‭ ‬تتسع‭ ‬فجوة‭ ‬الحوار‭ ‬الوجداني،‭ ‬ويضعف‭ ‬من‭ ‬القرب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬توفره‭ ‬الشاشات‭.‬

ونحن‭ ‬هنا‭ ‬نطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬ملحة،‭ ‬هل‭ ‬أثّر‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬الأسرية‭ ‬في‭ ‬بيئتنا‭ ‬العربية،‭ ‬وهل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬تآكل‭ ‬تدريجي‭ ‬لمنظومة‭ ‬القيم،‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيلها‭ ‬من‭ ‬جديد؟

ما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬اليومي‭ ‬تؤكده‭ ‬كذلك‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬أُجريت‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬كشفت‭ ‬دراسة‭ ‬العامري‭ (‬2022‭) ‬على‭ ‬222‭ ‬أسرة‭ ‬سعودية‭ ‬عن‭ ‬تغيرات‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬الأسرية،‭ ‬وتراجع‭ ‬جودة‭ ‬الحوار‭ ‬العائلي‭ ‬والأنشطة‭ ‬المشتركة‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬مقابلة،‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬فرحاني‭ ‬وآخرون‭ (‬2025‭) ‬على‭ ‬شباب‭ ‬إماراتي،‭ ‬إمكانات‭ ‬إيجابية‭ ‬لهذه‭ ‬الوسائل،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬العائلة‭ ‬والمكالمات‭ ‬المرئية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬الفجوات‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الممارسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬العاطفي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬الاغتراب‭. ‬وتقدم‭ ‬هاتان‭ ‬الدراستان‭ ‬صورة‭ ‬متكاملة‭ ‬للتحدي‭ ‬والفرصة‭ ‬معاً‭.‬

القيم‭ ‬التي‭ ‬نكتسبها‭ ‬عبر‭ ‬عملية‭ ‬التنشئة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬التي‭ ‬تضبط‭ ‬سلوكنا‭ ‬وتوجّه‭ ‬أنماط‭ ‬تفاعلنا‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬وفي‭ ‬المجتمع‭. ‬ومن‭ ‬أبرزها‭: ‬الترابط‭ ‬والتماسك‭ ‬الأسري،‭ ‬والحوار‭ ‬والتواصل،‭ ‬واحترام‭ ‬الخصوصية‭ ‬الأسرية،‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬والممارسات‭ ‬اليومية،‭ ‬وتظهر‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والدينية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬حيث‭ ‬تتكثف‭ ‬معاني‭ ‬الترابط،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم،‭ ‬وروح‭ ‬المشاركة،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬حضور‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬والتفاعل‭ ‬الأسري‭.‬

إلا‭ ‬أننا‭ ‬نرصد‭ ‬وبشكل‭ ‬لافت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستشارات،‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭ ‬فكما‭ ‬هناك‭ ‬ارتباط‭ ‬وجداني‭ ‬قوي‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬نلاحظ‭ ‬تراجعا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬والممارسات‭ ‬الفعلية‭ ‬لها،‭ ‬فبينما‭ ‬تقلصت‭ ‬ساعات‭ ‬الحوار‭ ‬المباشر‭ ‬لصالح‭ ‬التواصل‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬البيت‭ ‬الواحد،‭ ‬برز‭ ‬صراع‭ ‬جديد‭ ‬وصفه‭ ‬باحثون‭ ‬بـ«صراع‭ ‬التنشئة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬ونفوذ‭ ‬خوارزميات‭ ‬المنصات‭.‬

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اعتادت‭ ‬فيه‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الشهر‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الوقت‭ ‬العائلي‭ ‬المشترك،‭ ‬تتصاعد‭ ‬قيم‭ ‬الفردانية‭ ‬لدى‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الالتزام‭ ‬الجمعي‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬التنشئة‭ ‬التقليدية‭. ‬وأصبحت‭ ‬قيم‭ ‬الحوار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنتقل‭ ‬طبيعياً‭ ‬من‭ ‬الوالدين‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬أكثر‭ ‬تهديدا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬والأكثر‭ ‬تأثيراً،‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مصادر‭ ‬القدوة،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬شخصيات‭ ‬رقمية‭ ‬ومؤثرون‭ ‬افتراضيون‭ ‬يشاركون‭ ‬الوالدين‭ ‬والمعلمين‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬معايير‭ ‬النجاح‭ ‬والجمال‭ ‬لدى‭ ‬الأبناء،‭ ‬حاملين‭ ‬معهم‭ ‬ضغوطاً‭ ‬وتوقعات‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬والأسرية‭ ‬برمتها‭.‬

إلى‭ ‬ذلك‭ ‬نستطيع‭ ‬القول،‭ ‬اننا‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬تآكلًا‭ ‬لمنظومة‭ ‬القيم‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نعيش‭ ‬حالة‭ ‬مزدوجة؛‭ ‬فبعض‭ ‬القيم‭ ‬التقليدية‭ ‬كالتواصل‭ ‬والقيادة‭ ‬التربوية‭ ‬للأبوين‭ ‬تتعرض‭ ‬للضغط‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬قيم‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭ ‬والدعم‭ ‬الأسري‭ ‬عبر‭ ‬المجموعات‭ ‬العائلية‭ ‬والاتصال‭ ‬المرئي‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬تتجاور‭ ‬فيه‭ ‬مظاهر‭ ‬تراجع‭ ‬بعض‭ ‬القيم‭ ‬مع‭ ‬محاولات‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريفها‭ ‬وتكييفها‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬الرقمية،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬التقنية‭ ‬من‭ ‬عامل‭ ‬تهديد‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬لخدمة‭ ‬الهوية‭ ‬والقيم‭ ‬إذا‭ ‬امتلكت‭ ‬الأسرة‭ ‬وعيًا‭ ‬تربويًا‭ ‬ورقميًا‭ ‬كافيًا‭.‬

يظل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬محطة‭ ‬سنوية‭ ‬ثمينة‭ ‬لمراجعة‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالشاشات‭. ‬ولعل‭ ‬أولى‭ ‬الخطوات‭ ‬العملية،‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للطقوس‭ ‬الأسرية‭ ‬الثابتة،‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬أوقات‭ ‬‮«‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‮»‬‭ ‬حول‭ ‬الإفطار‭ ‬والسحور،‭ ‬تتحول‭ ‬فيها‭ ‬التجمعات‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للحكايات‭ ‬والأسئلة‭ ‬المفتوحة‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬الأبناء‭ ‬وتجاربهم‭ ‬الرقمية‭.‬

فالتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬ليس‭ ‬مصيراً‭ ‬أسود‭ ‬ولا‭ ‬نعمة‭ ‬مطلقة،‭ ‬بل‭ ‬سياقا‭ ‬جديدا‭ ‬يختبر‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬قيمنا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬نيرة‭ ‬كرمضان‭. ‬أخيراً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬اللجوء‭ ‬المبكر‭ ‬لاستشارة‭ ‬أسرية‭ ‬متخصصة‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬بوادر‭ ‬الإدمان‭ ‬الرقمي‭ ‬أو‭ ‬الاختلالات‭ ‬الأسرية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الوقاية‭ ‬القيمية،‭ ‬لا‭ ‬علامة‭ ‬نقص‭.‬

 

{ مركز‭ ‬عائشة‭ ‬يتيم‭ ‬للإرشاد‭ ‬الأسري

‭- ‬جمعية‭ ‬نهضة‭ ‬فتاة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا