في إحدى جلسات الاستشارة، جلست أمامي أم تشكو لي تمرد ابنها المراهق، وغياب الأب بسبب ساعات العمل الطويلة. واشتكت «صمتًا» غريباً. قالت: نحن في البيت خمسة أفراد. كل واحد منا جالس في غرفته، وعندما يحين وقت الافطار نجتمع بدعوة أرسلها لهم عبر «الواتساب».
وليس مستغربًا أن يتكرر هذا المشهد؛ ففي أحد المجالس تحدثت أم بإعجاب عن وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنها أسهمت في تقوية علاقتها بأبنائها وأتاحت لها تواصلاً سهلاً ومريحًا معهم.
غير أن هذه الصورة، على إيجابيتها، لا تمثل استثناءً بقدر ما تعكس تحولًا يوميًا يعيد تشكيل مفهوم «القيم الأسرية» من الداخل. فمع تسارع التحول الرقمي، نواجه مفارقة لافتة: تواصل افتراضي متصل على مدار الساعة، يقابله أحيانًا تراجع في عمق التواصل الإنساني المباشر. وبين سرعة التفاعل وغياب التواصل المباشر، تتسع فجوة الحوار الوجداني، ويضعف من القرب الذي لا توفره الشاشات.
ونحن هنا نطرح أسئلة ملحة، هل أثّر التحول الرقمي ووسائل التواصل على القيم الأسرية في بيئتنا العربية، وهل نحن أمام تآكل تدريجي لمنظومة القيم، أم هي عملية إعادة تشكيلها من جديد؟
ما نشهده في واقعنا اليومي تؤكده كذلك نتائج الدراسات العلمية التي أُجريت في منطقة الخليج، فمن جهة، كشفت دراسة العامري (2022) على 222 أسرة سعودية عن تغيرات ملموسة في منظومة القيم الأسرية، وتراجع جودة الحوار العائلي والأنشطة المشتركة. ومن جهة مقابلة، أظهرت دراسة فرحاني وآخرون (2025) على شباب إماراتي، إمكانات إيجابية لهذه الوسائل، حيث إن توظيفها في مجموعات العائلة والمكالمات المرئية أسهم في سد الفجوات بين الأجيال، والحفاظ على الممارسات الثقافية، وتعزيز الأمن العاطفي، خاصة في سياقات الاغتراب. وتقدم هاتان الدراستان صورة متكاملة للتحدي والفرصة معاً.
القيم التي نكتسبها عبر عملية التنشئة الاجتماعية، التي تضبط سلوكنا وتوجّه أنماط تفاعلنا داخل الأسرة وفي المجتمع. ومن أبرزها: الترابط والتماسك الأسري، والحوار والتواصل، واحترام الخصوصية الأسرية، تتجلى بوضوح في المواقف والممارسات اليومية، وتظهر بصورة أكثر عمقًا خلال المناسبات الاجتماعية والدينية، كما في شهر رمضان، حيث تتكثف معاني الترابط، وصلة الرحم، وروح المشاركة، بما يعكس حضور القيم في السلوك والتفاعل الأسري.
إلا أننا نرصد وبشكل لافت من خلال الاستشارات، مفارقة لافتة لدى الأسر فكما هناك ارتباط وجداني قوي بهذه المناسبة، نلاحظ تراجعا ملحوظا في القيم والممارسات الفعلية لها، فبينما تقلصت ساعات الحوار المباشر لصالح التواصل عبر الشاشات حتى بين أفراد البيت الواحد، برز صراع جديد وصفه باحثون بـ«صراع التنشئة» بين دور الأسرة ونفوذ خوارزميات المنصات.
ففي الوقت الذي اعتادت فيه الأسر على استثمار الشهر في تعزيز الوقت العائلي المشترك، تتصاعد قيم الفردانية لدى جيل الشباب على حساب الالتزام الجمعي التي ميزت التنشئة التقليدية. وأصبحت قيم الحوار التي كانت تنتقل طبيعياً من الوالدين إلى الأبناء أكثر تهديدا من أي وقت مضى. والأكثر تأثيراً، إعادة تعريف مصادر القدوة، حيث باتت شخصيات رقمية ومؤثرون افتراضيون يشاركون الوالدين والمعلمين في تشكيل معايير النجاح والجمال لدى الأبناء، حاملين معهم ضغوطاً وتوقعات غير واقعية تنعكس على الحياة الزوجية والأسرية برمتها.
إلى ذلك نستطيع القول، اننا لا نعيش تآكلًا لمنظومة القيم بقدر ما نعيش حالة مزدوجة؛ فبعض القيم التقليدية كالتواصل والقيادة التربوية للأبوين تتعرض للضغط تحت تأثير المنصات الرقمية، في حين يُعاد تشكيل قيم أخرى، مثل الحفاظ على صلة الرحم والدعم الأسري عبر المجموعات العائلية والاتصال المرئي. وبعبارة أخرى، نحن أمام مشهد تتجاور فيه مظاهر تراجع بعض القيم مع محاولات لإعادة تعريفها وتكييفها مع البيئة الرقمية، بحيث تتحول التقنية من عامل تهديد إلى أداة يمكن توظيفها لخدمة الهوية والقيم إذا امتلكت الأسرة وعيًا تربويًا ورقميًا كافيًا.
يظل شهر رمضان محطة سنوية ثمينة لمراجعة علاقتنا بالشاشات. ولعل أولى الخطوات العملية، إعادة الاعتبار للطقوس الأسرية الثابتة، عبر تحديد أوقات «خالية من الأجهزة» حول الإفطار والسحور، تتحول فيها التجمعات إلى فضاء للحكايات والأسئلة المفتوحة عن مشاعر الأبناء وتجاربهم الرقمية.
فالتحول الرقمي ليس مصيراً أسود ولا نعمة مطلقة، بل سياقا جديدا يختبر قدرتنا على ممارسة قيمنا في الحياة اليومية، خصوصاً في مواسم نيرة كرمضان. أخيراً لا بد أن نتذكر أن اللجوء المبكر لاستشارة أسرية متخصصة عند ظهور بوادر الإدمان الرقمي أو الاختلالات الأسرية جزءا من الوقاية القيمية، لا علامة نقص.
{ مركز عائشة يتيم للإرشاد الأسري
- جمعية نهضة فتاة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك