منذ عدة سنوات وتحديدا منذ ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى يتصاعد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ويتمثل هذا الصراع الممتد عدة سنوات حول محاولة احتواء نفوذ طهران الإقليمي واحتواء برنامجها النووي عبر سياسة الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية مقابل ما بات يسمى خلال الفترة القليلة الماضية الردع الهجومي الإيراني الذي شهدنا جوانب منه خلال حرب 12 يوما في الصيف الماضي. ويمكننا في هذا السياق سرد أبعاد هذا الصراع المختلفة وفهم أسبابه ونظرة كل طرف من هذه الأطراف إلى سبل حله سواء عبر الحرب المباشرة أو عبر المفاوضات التي تجري منذ فترة طويلة.
الأول: البعد النووي لهذا الصراع الذي يرتكز على منع إيران من تطوير أي نوع من أنواع الأسلحة النووية، وقد بدأ ذلك من خلال الاتفاق النووي السابق الموقع في عام 2015 والذي أعلن الرئيس ترامب في رئاسته الأولى الخروج منه، وكان يشكل قيدا مؤقتا على المشروع النووي الإيراني الذي سبق ان وقع عليه الرئيس باراك أوباما، والذي سمي آنذاك اتفاقية 5+1، وبعد هذا الخروج دخلت الأطراف المختلفة في جولات من المناورات والتهديدات المضادة حتى وصول الرئيس ترامب مرة ثانية إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وإعادة فتح باب هذا الملف داعيا إيران إلى التوقف عن أي مناورات أو تلاعب في هذا الملف، والتوقف نهائيا عن التخصيب إلا أن القيادة الإيرانية رفضت ذلك رفضا قاطعا استنادا إلى ما تسميه حقها المشروع في التخصيب والتزامها مبدئيا بعدم صنع قنابل نووية، ولكن ذلك لم يرض الإدارة الأمريكية ولا إسرائيل وكان من نتائج ذلك تلك الحرب التي أطلق عليها حرب 12 يوما، التي كانت تستهدف بالدرجة الأولى أهم مكونات ومواقع المشروع النووي الإيراني.
ولكن تلك الجولة من المواجهة لم تنته إلى حل بالرغم من العودة إلى التفاوض لأن إيران عادت إلى إصلاح وترميم مواقعها النووية محتفظة بكميات من اليورانيوم المخصب الذي يفوق 60%.
الثاني: البعد الإقليمي وفق ما يطلق عليه مسمى «الموالون لطهران» الذين صنعتهم ومولتهم ورعتهم إيران في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن، وهي مليشيات مسلحة تعمل خارج الدولة ولا تمثل إلا المصلحة الإيرانية فقط، فهي عبارة عن مرتزقة مدفوعة الأجر والسلاح، وهذا أمر في منتهى الخطورة ويهدد أمن دول المنطقة ويعلنون استعدادهم للإضرار بالمصالح الأمريكية، فهذا البعد الإقليمي الذي تديره إيران عبر أذرعها أصبح يقابل بجهود أمريكية مضادة.
الثالث: البعد العسكري لهذا الصراع، فقد أدى ما تقدم من ملاحظات إلى صراع عسكري بأتم معنى الكلمة، حيث حشدت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها الضاربة في المنطقة سواء في الحرب التي جرت في الصيف الماضي أو الجارية حاليا، ويلاحظ بوضوح التفوق الأمريكي الإسرائيلي الجوي الذي أدى إلى استباحة الأجواء الإيرانية من دون أي قدرة على الرد عليها أو حتى إسقاط طائرة من هذه الطائرة التي أغارت على مواقع محددة في داخل إيران.
إلا أن إيران استخدمت قوتها الصاروخية للرد على الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي كانت مؤثرة وخطيرة، وحتى دول المنطقة لم تسلم من هذه الضربات في انتهاك صارخ وسافر لسيادة الدول الخليجية وخرق لمبادئ وقيم القانون الدولي رغم ان دول الخليج لم تكن طرفا في هذه الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية ترفض رفضا قاطعا عودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم بأي شكل من الأشكال أو الحفاظ على اليورانيوم المخصب لديها إضافة إلى شروط أخرى عديدة تتعلق بالسلاح الباليستي أو التمدد الإيراني الإقليمي بما يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي إلا أن الطرف الإيراني يصر على رفض كل ذلك لأنه يعني بالضرورة هزيمة إيران أو استسلامها، ويرى النظام الإيراني انه لو قبل بذلك فإنه يحكم على نفسه بالسقوط وهو يدرك ذلك إدراكا كاملا، ولهذا يقاوم بكل ما أوتي من قوة ويخشى أنه في هذه المواجهة الحالية يطبق منطق شمشوم «عليّ وعلى أعدائي»، وخاصة إذا ما شعر بأنه مهدد وجوديا مما سيدفعه إلى استخدام كل ما بحوزته من أسلحة معروفة أو غير معروفة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك