العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بين منطق الهدم والعدوان ومنطق الدولة والحضارة

بقلم: د. خالد الحمداني

الأربعاء ٠٤ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشد‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬ليت‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬فارس‭ ‬جبلًا‭ ‬من‭ ‬نار،‭ ‬لا‭ ‬يصلون‭ ‬إلينا‭ ‬ولا‭ ‬نصل‭ ‬إليهم‮»‬،‭ ‬ولئن‭ ‬قيلت‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬في‭ ‬سياقٍ‭ ‬تاريخيٍّ‭ ‬محدّد‭ ‬ارتبط‭ ‬بصراع‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الناشئة‭ ‬مع‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الساسانية‭ ‬الفارسية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬دلالتها‭ ‬الأعمق‭ ‬تتصل‭ ‬بفلسفةٍ‭ ‬سياسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬درء‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتحصين‭ ‬الداخل،‭ ‬وتقديم‭ ‬أمن‭ ‬الأمة‭ ‬واستقرارها‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬والصدام‭ ‬الدائم‭. ‬

التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬بين‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬ومفهوم‭ ‬الدولة

تُستدعى‭ ‬اليوم‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ‭ ‬عند‭ ‬قراءة‭ ‬بعض‭ ‬التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬سياسات‭ ‬إقليمية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬أيديولوجي‭ ‬ديني‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬مدّ‭ ‬النفوذ‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬متعددة‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬وإعلامية‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬العلاقات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬ارتبط‭ ‬اسم‭ ‬إيران‭ ‬بسياسات‭ ‬إقليمية‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬واعتداءات‭ ‬إيرانية‭ ‬غاشمة‭ ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬خليجيّة،‭ ‬وتوظيف‭ ‬البُعد‭ ‬الطائفي‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية،‭ ‬والنقد‭ ‬هنا‭ ‬موجَّه‭ ‬إلى‭ ‬السياسات‭ ‬الرسمية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬التوسعي،‭ ‬إنّ‭ ‬توظيف‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬يُنتج‭ ‬حالة‭ ‬استقطاب‭ ‬حاد،‭ ‬ويهدّد‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتعددة،‭ ‬ويحوّل‭ ‬الخلاف‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬هويّاتي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبنّت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربيّ‭ ‬نهجاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮ ‬الحكمة‭ ‬السياسية‭ ‬والواقعية‭ ‬وتعزيز‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنيّة،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتعليم‭ ‬ودعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬وسياسة‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬والسلم‭ ‬العالمي‭ ‬عبر‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي،‭ ‬وقد‭ ‬شكّل‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربيّة‭ ‬محطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لترسيخ‭ ‬التكامل‭ ‬الأمني‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وبناء‭ ‬موقف‭ ‬موحّد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬ومدّ‭ ‬جسور‭ ‬التعاون‭ ‬والتواصل‭ ‬الحضاري‭ ‬،‭ ‬وتغليب‭ ‬لغة‭ ‬الحوار،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬السيادة‭ ‬وردع‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭.‬

الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سياسات‭ ‬التمدّد‭ ‬والصراع

تُظهر‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخيّة‭ ‬أنّ‭ ‬السياسات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التمدّد‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والتدخل‭ ‬العابر‭ ‬للحدود‭ ‬تُنتج‭ ‬توترات‭ ‬مزمنة،‭ ‬وتستنزف‭ ‬طاقات‭ ‬الشعوب‭ ‬،أمّا‭ ‬السياسات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وحسن‭ ‬الجوار،‭ ‬والتنمية‭ ‬المشتركة،‭ ‬فهي‭ ‬وحدها‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬المستدام،‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬دلالة‭ ‬المقولة‭ ‬العمرية‭: ‬فالحكمة‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الانكفاء،‭ ‬بل‭ ‬خلاصة‭ ‬تجربة‭ ‬سياسية‭ ‬عميقة‭ ‬أدركت‭ ‬أنّ‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬الدول‭ ‬ليس‭ ‬الحرب‭ ‬العابرة‭ ‬بل‭ ‬الصراع‭ ‬المستمر‭ ‬الذي‭ ‬يستنزف‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬فقد‭ ‬عبّرت‭ ‬المقولة‭ ‬عن‭ ‬فلسفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الداخل‭ ‬وتجنّب‭ ‬الفوضى‭ ‬وهي‭ ‬فكرة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حاضرة‭ ‬عند‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

القوة‭ ‬الرادعة‭ ‬كضمان‭ ‬للاستقرار‭ ‬والسيادة‭ ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتجلى‭ ‬التمسّك‭ ‬الراسخ‭ ‬بمبدأ‭ ‬سيادة‭ ‬الدولة‭ ‬باعتباره‭ ‬أساس‭ ‬الاستقرار‭ ‬وحصن‭ ‬الشرعية‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬تمضي‭ ‬القيادة‭ ‬برؤيةٍ‭ ‬واثقة‭ ‬وعزمٍ‭ ‬ثابت‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬الوطن،‭ ‬مستندةً‭ ‬إلى‭ ‬قواتٍ‭ ‬دفاعيةٍ‭ ‬يقِظة‭ ‬تؤدي‭ ‬واجبها‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الحدود‭ ‬وصون‭ ‬المنجزات‭ ‬الوطنية‭. ‬ويقف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬شعبٌ‭ ‬واعٍ‭ ‬يستشعر‭ ‬مسؤولية‭ ‬الانتماء،‭ ‬ويؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الوطن‭ ‬قيمة‭ ‬جامعة‭ ‬تتقدّم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬اعتبار،‭ ‬وأن‭ ‬أرضه‭ ‬أمانةٌ‭ ‬مصونة‭ ‬لا‭ ‬يُسمح‭ ‬بالمساس‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬حرمتها‭.‬

خاتمة‭: ‬

ختاماً‭ ‬يبقى‭ ‬الخليج‭ ‬العربيّ‭ ‬اليوم‭ ‬نموذجًا‭ ‬لمنطقة‭ ‬اختارت‭ ‬الاستقرار‭ ‬رغم‭ ‬التحديات،‭ ‬والتنمية‭ ‬رغم‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬وبين‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬الممتدة‭ ‬ومحاولات‭ ‬التوتر‭ ‬المعاصرة،‭ ‬تتأكد‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭:‬

أنّ‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربيّ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬دعاة‭ ‬صراع،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬والعطاء،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬ورفض‭ ‬العدوان‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬تصنع‭ ‬المستقبل،‭ ‬أمّا‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬الفوضى‭ ‬فتبقى‭ ‬أسيرة‭ ‬صراعاتٍ‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا