يُنسب إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «ليت بيننا وبين فارس جبلًا من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم»، ولئن قيلت هذه العبارة في سياقٍ تاريخيٍّ محدّد ارتبط بصراع الدولة العربية الإسلامية الناشئة مع الإمبراطورية الساسانية الفارسية، فإنَّ دلالتها الأعمق تتصل بفلسفةٍ سياسية تقوم على درء المخاطر، وتحصين الداخل، وتقديم أمن الأمة واستقرارها على التوسع والصدام الدائم.
التحولات الإقليمية بين الأيديولوجيا ومفهوم الدولة
تُستدعى اليوم دروس التاريخ عند قراءة بعض التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، حيث برزت سياسات إقليمية ذات طابع أيديولوجي ديني تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتسعى إلى مدّ النفوذ عبر أدوات متعددة سياسية وأمنية وإعلامية.
في سياق العلاقات المعاصرة، ارتبط اسم إيران بسياسات إقليمية مثيرة للجدل، خصوصاً في ملفات تتعلق بالتدخل في شؤون بعض الدول العربية، واعتداءات إيرانية غاشمة على مملكة البحرين ودول خليجيّة، وتوظيف البُعد الطائفي في الصراعات السياسية، والنقد هنا موجَّه إلى السياسات الرسمية ذات الطابع الأيديولوجي التوسعي، إنّ توظيف الخطاب الديني في الصراعات السياسية يُنتج حالة استقطاب حاد، ويهدّد السلم الأهلي في المجتمعات المتعددة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى صراع هويّاتي طويل الأمد.
في المقابل، تبنّت مملكة البحرين ودول الخليج العربيّ نهجاً يقوم على الحكمة السياسية والواقعية وتعزيز مفهوم الدولة الوطنيّة، والاستثمار في التنمية والبنية التحتية والتعليم ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي وسياسة التسامح والتعايش والسلم العالمي عبر العمل الجماعي، وقد شكّل تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة محطة استراتيجية لترسيخ التكامل الأمني والاقتصادي، وبناء موقف موحّد يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والسعي إلى السلام، ومدّ جسور التعاون والتواصل الحضاري ، وتغليب لغة الحوار، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالقدرة على حماية السيادة وردع أي تهديد.
الدولة الوطنية في مواجهة سياسات التمدّد والصراع
تُظهر التجارب التاريخيّة أنّ السياسات القائمة على التمدّد الأيديولوجي والتدخل العابر للحدود تُنتج توترات مزمنة، وتستنزف طاقات الشعوب ،أمّا السياسات القائمة على السيادة المتبادلة، وحسن الجوار، والتنمية المشتركة، فهي وحدها الكفيلة بتحقيق الأمن المستدام، وهنا تبرز دلالة المقولة العمرية: فالحكمة السياسية لا تعني الانكفاء، بل خلاصة تجربة سياسية عميقة أدركت أنّ أخطر ما يهدد الدول ليس الحرب العابرة بل الصراع المستمر الذي يستنزف الأمن والاستقرار، فقد عبّرت المقولة عن فلسفة تقوم على حماية الداخل وتجنّب الفوضى وهي فكرة ما زالت حاضرة عند قراءة تاريخ المنطقة حتى يومنا هذا.
القوة الرادعة كضمان للاستقرار والسيادة
وفي هذا السياق، يتجلى التمسّك الراسخ بمبدأ سيادة الدولة باعتباره أساس الاستقرار وحصن الشرعية الوطنية، حيث تمضي القيادة برؤيةٍ واثقة وعزمٍ ثابت نحو ترسيخ الأمن وتعزيز مكانة الوطن، مستندةً إلى قواتٍ دفاعيةٍ يقِظة تؤدي واجبها في حماية الحدود وصون المنجزات الوطنية. ويقف إلى جانب ذلك شعبٌ واعٍ يستشعر مسؤولية الانتماء، ويؤمن بأن الوطن قيمة جامعة تتقدّم على كل اعتبار، وأن أرضه أمانةٌ مصونة لا يُسمح بالمساس بها أو التفريط في حرمتها.
خاتمة:
ختاماً يبقى الخليج العربيّ اليوم نموذجًا لمنطقة اختارت الاستقرار رغم التحديات، والتنمية رغم الاضطرابات المحيطة بها. وبين ذاكرة التاريخ الممتدة ومحاولات التوتر المعاصرة، تتأكد حقيقة ثابتة:
أنّ دول الخليج العربيّ لم تكن يومًا دعاة صراع، بل كانت دائمًا تسعى إلى السلام والاستقرار والعطاء، غير أنّ السلام الحقيقي لا يقوم إلا على احترام السيادة ورفض العدوان. فالأمم التي تبني وتستثمر في الإنسان تصنع المستقبل، أمّا التي تراهن على الفوضى فتبقى أسيرة صراعاتٍ لا تنتهي.
{ أكاديمي وباحث في التاريخ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك