من أسهل المصطلحات استخداماً هو التنمية المستدامة، فستجدُه واقعاً في الصدارة في برامج الحكومات وتقاريرها، وتجده بوضوح في افتتاحية كلمات المسؤولين، ومقالات الكتاب، فقد أصبح المصطلح لقمة سهلة وبسيطة على ألسن الجميع، ويُستخدم في محله وغير محله، وفي مواقع لا تتناسب مع مفهومه وتعريفه، وفي الكثير من الأوقات يحشر حشراً فقط لإعطاء قيمة وحداثة للكلمة، أو الخطاب، أو المقال.
ولكن في الوقت نفسه يُعتبر هذا المصطلح من أصعب المصطلحات تنفيذاً على أرض الواقع، ومن أعقدها تطبيقاً في المجال العملي اليومي. فتطبيقه يحتاج إلى علمٍ عميق، وتوازن دقيق، وخبرة طويلة، وتضحيات من الجميع. فلا بد من نجاح تنفيذ التنمية المستدامة أن ننجح في تطبيق التنمية البيئية المستدامة، جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يطغى أي جانب على الجانب الآخر، ولا يتوغل أي بعد على الأبعاد الأخرى، ولا نُفضل طرفاً على الطرف الثاني عند التخطيط والتنفيذ.
وسأُقدم لكم مثالاً وَقَعَ في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أيام لأبين لكم صعوبة تنفيذ التنمية المستدامة ميدانياً وفي الحياة العملية، وفشل الكثير من الدول في تطبيقها بأسلوب سليم وصحيح ومستدام.
فقد أصدر ترامب أمراً تنفيذياً في 18 فبراير 2026 تحت عنوان: «تعزيز الدفاع الوطني من خلال ضمان الإمدادات الكافية لعنصر الفوسفور والمبيدات القائمة على جلاي فوسات». وفي هذا الأمر التنفيذي يُعطي ترامب الحصانة والحماية الإنتاجية الكاملة لمادتين كيميائيتين، الأولى هي عنصر الفوسفور والعمل على استخراجه من المناجم، والذي يدخل في الصناعة العسكرية والزراعية، والثانية هي مركب عضوي فوسفوري يصنَّف بأنه مسرطن، وهو «جلاي فوسات (Glyphosate)، ويُنتج من عنصر الفوسفور، ويدخل في محتوى بعض المبيدات التي تستخدم في الزراعة. وقد جاء في الأمر التنفيذي: «يُعد التعدين المحلي لعنصر الفوسفور والإنتاج في الولايات المتحدة للمبيدات القائمة على جلاي فوسات أمراً مركزياً للاقتصاد الأمريكي والأمن القومي».
وفي الوقت نفسه نشر البيت الأبيض بياناً تفسيرياً يوضح هذا الأمر التنفيذي الذي ربط إنتاج مبيدات جلاي فوسات بنمو وتعزيز الاقتصاد الوطني والأمن القومي، حيث جاء فيه أن هذا الأمر التنفيذي ينطلق من قانون «الإنتاج الدفاعي» لعام 1950، فعدم الاستمرار في إنتاج هذا المبيد يعد تهديداً لأمريكا، ويُعرض الأمن القومي والدفاعي الأمريكي للخطر، كما يشتمل التهديد على الأمن الغذائي وتوفير الغذاء للشعب، حيث إن هذا المبيد يعتبر الحجر الأساس للإنتاج الزراعي الواسع والاقتصاد الريفي.
ولكن من الواضح أن الأمر التنفيذي ركز كلياً على جانبٍ واحدٍ فقط وهو تحقيق الأمن القومي والأمن الغذائي، أي تناول بعداً واحداً من أبعاد تحقيق التنمية المستدامة، في حين أن هذا الأمر الرئاسي والبيان التفسيري من البيت الأبيض لم يتطرق كلياً، بل تجاهل الجوانب الأخرى المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة والمتمثلة في المخاطر الصحية والبيئية الواقعية والميدانية التي عانى منها المجتمع الأمريكي نتيجة لتعرضهم لهذه المبيدات التي يدخل في تركيبها جلاي فوسات. حيث نُشرت الكثير من الدراسات، إضافة إلى تقارير خبراء منظمة الصحة العالمية التي أشارت إلى وجود علاقة بين السرطان وأمراض صحية أخرى وهذا النوع من المبيدات، حيث تأكد أنه يسبب نوعاً محدداً من السرطان يُطلق عليه (non-Hodgkin’s lymphoma). وهناك اليوم عشرات الآلاف من القضايا المتراكمة منذ عقود في المحاكم الأمريكية ضد شركة «مونسانتو» منذ عام 2018، وشركة «باير» (Bayer) التي تنتج حالياً هذه المبيدات تحت مسميات تجارية كثيرة من أشهرها «راوند أب» (Roundup) وهو المبيد المستعمل في القضاء على الأعشاب، علماً بأن المادة النشطة والفاعلة في المبيد هي «جلاي فوسات».
وعلاوة على عدم تحقيق هذا الأمر التنفيذي للتنمية المستدامة، فإنه يتناقض ويتعارض مع سياسة ترامب نفسه التي رفعها أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، إضافة إلى مبادئ وزارة الصحة، والإتلاف القومي الذي يرفع شعار: «لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى» (Make America Healthy Again (MAHA)). وهذا الأمر التنفيذي أثار غضب شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي التي صوتت لترامب على أساس تنفيذ هذا الشعار الصحي في الواقع العملي، فهو يفضل الاعتبارات السياسية الأمنية ودعم مصلحة وازدهار الشركات الصناعية المنتجة لهذه المبيدات على واحد من أهم جوانب تحقيق التنمية المستدامة وهو تعزيز وتحسين الصحة العامة والمهنية لملايين المواطنين الذين يتعرضون لهذه المادة المسرطنة بشكلٍ يومي من خلال السلسلة الغذائية، إضافة إلى صحة البيئة وعناصرها من تربة، وماء، وهواء، وحياة فطرية التي تتسمم نتيجة لرش هذه المبيدات المحتوية على مركب «جلاي فوسات» المسبب للسرطان على الأراضي الزراعية. أي وباختصار لا تحقيق للتنمية المستدامة الشاملة، فهذا الأمر التنفيذي قد يحقق الأمن القومي والأمن الغذائي ولكن في الوقت نفسه يدمر الأمن الصحي للشعب، ويدمر الأمن البيئي لأمريكا.
فتاريخ معاناة الشعب الأمريكي مع هذا المبيد طويل جداً، ومستمر منذ عقود، والكثير من الشعب الأمريكي تعرض لأمراض مستعصية مهددة لحياتهم، وعلى رأسها السرطان، ما أضطر «الوكالة الدولية لأبحاث السرطان» إلى إصدار تقرير خاص بهذا المبيد ومادة جلاي فوسات التي تحتويها، حيث صنَّفت فيه «جلاي فوسات» كمادة مسرطنة محتملة للإنسان ضمن المجموعة 2 أ(Group 2 A).
ونظراً إلى كثرة الشكاوى المرفوعة ضد شركات إنتاج هذا المبيد، والتي بلغت على مستوى الويات المتحدة نحو 100 ألف قضية مرفوعة في المحاكم، فقد دفعت في السنوات الماضية الملايين من الدولارات لتعويض الأضرار التي لحقت بالناس، كما أن شركة «باير» في 17 فبراير 2026 وافقت على تسوية بمبلغ 7.25 بلايين دولار لجميع القضايا التي رفعت ضدها في السنوات الماضية، إضافة إلى القضايا التي سترفع مستقبلاً لدفع التعويض المالي لكل من عانى ووقع في شباك المرض، أو سقط ضحية في مصيبة الموت.
فهذه الحالة المعقدة والمتشابكة وقعتْ في أكثر دول العالم تطوراً وتقدماً وعلماً بأسس وجوانب التنمية المستدامة، لكنها على الرغم من علمها وخبراتها المتراكمة فإنها فشلت في هذه الحالة في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة، بيئيًّا وصحيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا.
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك