قبيل رمضان اتصل بي صديق صاحب مؤسسة خاصة من أجل الاستشارة، حول موضوع إنتاجية الموظف خلال هذا الشهر، إذ يجد أن كثيرا من الموظفين الذي يعملون لديه لا ينجزون من العمل الكثير كما هو الحال في بقية شهور السنة، فتتراكم الأعمال يومًا بعد يوم، حتى إلى ما بعد رمضان، فيسأل عن الحل؟
أعتقد أن هذا حال معظم المؤسسات سواء كانت الخاصة أو العامة، ولكن السؤال المهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة؟ علمًا بأننا نتحدث عن الموظفين الذين يعملون في المكاتب فقط.
وجد أنه حتى يمكن تجاوز هذا الوضع، فإن الموضوع ينقسم إلى أمرين؛ الأول: يخص الموظف نفسه، والآخر: يخص المؤسسة، فالمؤسسة تحتاج خلال هذا الشهر إلى أن تعيد تنظيم الأولويات وتوزيع المهام وفق منهجية أخرى تختلف نوعًا ما عن بقية أيام السنة. كيف؟ لنحاول أن نوضح بقدر الإمكان.
أولاً: فيما يخص الموظف
1. إعادة التفكير في منهجية شهر رمضان؛ فهذا الشهر لم يشرع من أجل السهر ومشاهدة التلفزيون طوال الليل وحتى الفجر، وثم النوم طوال بقية اليوم، هذا الشهر مثله مثل بقية الأشهر، فيما عدا تغير بعض العادات وقلة الغذاء والماء والشاي أو القهوة، وهذه الأمور يمكن تجاوزها إن تمكنا من تنظيم حياتنا وفقًا لمنهجية رمضان.
2. تناول وجبة إفطار متوازنة؛ إن توازن وجبة الإفطار وتنوعها من الأمر ذات الأهمية بمكان، وخاصة عندما نبدأ بتناول التمر وبعد ذلك المواد الكربوهيدراتية والبروتينات، ومن الضروري ألا ننسى الخضروات وشرب الماء، فإن ذلك يعيد توازن فسيولوجية الجسم.
3. ضرورة تناول وجبة السحور؛ يعد السحور من الوجبات الضرورية في شهر رمضان، لأن المادة الغذائية التي يتم تناولها قبيل الفجر تسهم بصورة كبيرة في تجاوز ساعات الصوم التالية، ولكن من المهم أن نعرف ماذا نتناول.
4. عدد ساعات نوم كافية؛ بسبب السهر سواء خارج المنزل أو حتى في المنزل، فإن الجسم يرهق، وهذا الإرهاق يؤدي إلى عواقب وخيمة، إذ أنه يؤثر في تركيز المخ وبقية أعضاء الجسم، لذلك يشعر الإنسان بالخمول والرغبة في النوم طوال النهار.
هذه بعض الأمور التي تخص الموظف نفسه، إذ إنه باختصار يجب أن نعيد ترتيب وقتنا ونضع خطة زمنية لحياتنا خلال شهر رمضان، حتى لا نتشتت، ولا نرهق أنفسنا، وبعد ذلك نلقي اللوم على الصيام وكأننا نعيش في مجاعة وحياة تعيسة.
ثانيًا: فيما يخص المؤسسة
المؤسسات التي تتمتع بالذكاء الإداري تعيد تنظيم أولوياتها وتقوم بتوزيع المهام والأعمال وفق منحنى ما يعرف بمنحى (الطاقة) اليومية للعاملين، وتقوم بتعزيز المرونة التشغيلية بقدر الإمكان وتسير وفق منظومة العمل التالية:
1. إعادة تنظيم الأولويات قبيل بداية الشهر؛ إذ تقوم الإدارة بمراجعة خطط العمل بدقة، وتحدّد المهمات الجوهرية التي لا تحتمل التأجيل، وفي المقابل تقلص المشاريع الثانوية غير العاجلة. وبذلك يمنع التّشتّت، ويمنح الفريق وضوحًا في الاتجاه، فيترسخ تركيزٌ عملي يسهل الحفاظ على مستوى ثابت من الإنجاز دون إنهاك.
2. توزيع المهمات وفق منحنى الطاقة اليومي؛ على المسؤول الذي يتمتع بالذكاء الإداري أن يراقب فترات الذروة الذهنية لدى أفراد الفريق، وغالبًا ما تكون في الساعات الأولى من الدوام، فيسند إلى الموظف المهمات المعقدة التي تتطلب تركيزً عاليًا، أما حينما تبدأ الطاقة بالانخفاض تدريجيًا، فننتقل إلى الأعمال الروتينيّة أو الإدارية، وبذلك نحافظ على جودة الأداء ويتواصل التركيز بانسيابية.
3. اعتماد المرونة في بيئة العمل؛ إن تطبيق ساعات العمل المرنة أو أنظمة الحضور متفهمة مع طبيعة الموظف كلما أمكن ذلك، يمنح الموظف هامشًا لتنظيم يومه بما يتوافق مع نمط نومه خلال الشّهر. ومن الجدير بالذكر أنه عبر هذه المرونة تعزز الثقة، ويزداد الالتزام، ويخف الإجهاد، فتنعكس النتائج مباشرة على الإنتاجية في رمضان.
4. تقليل الفترة الزمنية للاجتماعات؛ الاجتماعات تصبح مملة وخاصة في شهر رمضان، لذلك من الضروري تقليص الفترة الزمنية لعقد الاجتماعات، وفي الاجتماعات يجب التركيز على النقاط المحددة بجدول الأعمال فقط، لأن كل دقيقة تركيز خلال الصيام ذات قيمة مضاعفة. وإضافة إلى ذلك، تصاغ التعليمات مباشرة ومكتوبة عند الحاجة، فتقل الأخطاء، ويختصر زمن إعادة العمل، وتترسخ الشفافية داخل بيئة العمل في رمضان.
5. تعزيز التحفيز المعنوي؛ المسؤول الإداري الذي يتمتع بالذكاء الإداري يقدم رسائل تقديرية منتظمة، ويشكر الجهد علنًا، لأن قيمة الاعتراف تتضاعف حين تقل الطاقة الجسدية، ومن ثم يربط العمل بمعناه وأثره الإيجابي على المؤسسة والمجتمع، فينشأ دافع داخلي يعزز الالتزام ويقوي روح الفريق.
6. مراقبة مؤشرات الإرهاق مبكرًا؛ يجب ملاحظة إشارات تراجع التركيز أو زيادة الأخطاء أو انخفاض الحماس، فإن ظهرت بوادر ضغط زائد، تعاد جدولة المهمات أو تمنح فترات استراحة مدروسة، وهكذا تقدَّم الوقاية على العلاج، ويحافظ على استقرار الأداء طوال الشهر.
7. على القائد أن يكون قدوة في الانضباط؛ إذ يجب أن يظهر القائد الالتزام الفعلي بالمواعيد، ويحترم وقت الفريق، ويتعامل بهدوء واتزان؛ إذ ينعكس السلوك القيادي مباشرة على ثقافة الفريق. وعندما يشاهد نموذج منظم ومتفهم، يترسخ الانضباط طوعًا، وتدعم الإنتاجية في رمضان بصورة طبيعية.
في رمضان –كما نعتقد– فإنه تقاس الإنتاجيّة بإدارة الطاقة قبل إدارة الوقت؛ فليس المطلوب مجرد ملء الساعات بالمهمات، بل توظيف لحظات النشاط القصوى بأقصى كفاءة ممكنة، لذلك ينبغي على المسؤول الإداري الذي يتمتع بالذكاء الإداري أن يراعي مستوى النشاط الذهني والجسدي لكل موظف خلال ساعات الصيام، وألا يختزل الأداء في عدد المهمات المنجزة فقط.
ومن هذا المنطلق، فإنه توزع الأعمال التحليلية العميقة في فترات الذروة الذهنية، وخاصة في فترات الصباح الأول إذ – من المفروض أن – يكون الذهن أكثر صفاء بعد السحور والنوم، بينما تخصص الأعمال الروتينيّة أو الإدارية للفترات الأقل نشاطًا، وبذلك يحافظ على جودة النتائج دون استنزاف، وكذلك من المهم إلى جانب كل الذي ذكر، تشجيع فترات الاستراحة القصيرة لتجديد التركيز، كما يعتمد العمل المرن عند الإمكان، سواء عبر تعديل ساعات الدوام أو تطبيق نظام الساعات المتداخلة، نعتقد أن هكذا تعزز المرونة داخل بيئة العمل في رمضان، فيرتفع معها الالتزام، وتتحسن نتائج إدارة الفريق في رمضان على المستويين القريب والبعيد.
خطة العمل في رمضان
وما تم ذكره جزء يسير من الموضوع، وحتى نستكمل الموضوع وضعتُ خطة لصاحب المؤسسة حتى يتمكن من إدارة مؤسسته كالتالي وباختصار:
المرحلة الأولى: أسبوع التهيئة والتحضير؛ وهي تمتد إلى أسبوع، والهدف منها تنظيم العمل، وتحديد الاتجاه، وضبط إيقاع رمضان. إذ يمكن أن يقام اجتماع من أجل وضع ميثاق عمل، بحيث لا يستغل أحد من الموظفين الفكرة من أجل التهرب والتسويف، وكذلك تنظيم ساعات العمل الرمضانية مع فريق العمل، وتحديد أولويات العمل خلال هذا الشهر على أن تكتب الأولويات على ورق وتكون واضحة لجميع الأفراد، وعمل لوحة عمل والتي تعرف (لوحة كانبان)، إذ إن هذه اللوحة ذات أهمية لمراقبة إنجازات العمل طوال الشهر. وكذلك توزيع وتحليل عبء العمل وحصر المهام ذات الأولوية، وما إلى ذلك.
وفي نهاية الأسبوع الأول يتم التقييم والمراجعة الأسبوعية؛ فما الذي تحقق؟ وما الذي أبطأ العمل؟ وهل الخطة تحتاج إلى تعديل أم لا.
المرحلة الثانية: أسبوع التركيز والإنتاجية العميقة؛ وهي كذلك تمتد مدة أسبوع، وتهدف إلى رفع جودة الإنجاز وتقليل الهدر. خلال هذا الأسبوع يتم اختيار مجموعة من المهام الرئيسية وذات الأولوية ليتم تنفيذها بصورة متكاملة، ومن المهم أن تسجل كل تلك الأعمال على لوحة كانبان، حتى يعرف الجميع من سيقوم بماذا؟ ومتى يجب أن ينتهي من المهام. مع الملاحظة أنه يجب أن يتم مراجعة الإنجازات بصورة يومية حتى يمكن تحسين العمل وتطويره.
أما بالنسبة إلى الاجتماع الدورية فإنه يجب أن نفكر في تقليل عددها بقدر الإمكان، أو اختصار وقت الاجتماع إلى أقصى حد، وهذا لا يعني أن نلغي الاجتماعات وإنما في بعض الأحيان تأتي بعض الاجتماعات الضرورية التي يجب أن تنجز.
وفي نهاية الأسبوع يمكن أن نعيد قراءة كل ما تم إنجازه وهل كل الأعمال التي أنجزت تم إنجازها بأعلى جودة وإتقان ممكن، أم أنها تحتاج إلى تحسين؟
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التطوير والتحسين؛ والتي تأتي من بعد نصف الشهر، والتي تهدف إلى رفع الكفاءة وإصلاح نقاط التعطل. يتم خلال هذه الفترة مراجعة كل الأعمال التي لم تنجز، وما العراقيل التي بسببها تأخرت الأعمال؟ ربما نحتاج هنا إلى إعادة التفكير في خطوات سير العمل، إذ يمكن إلغاء بعض الخطوات غير المفيدة أثناء إجراء العملية، وبالتالي تحسينها.
وهذا يعني أننا نحتاج في هذه المرحلة إلى إعادة إدارة الوقت بنظام الطاقة، وتنظيم مهارات الأولويات، وتطوير الأعمال الداخلية، ورفع مستوى جودة العملية، كما يجب على المؤسسة ألا تنسى موضوع استراحة (نصف إنتاجية)، وهذا يعني تقليل المهام بنسبة 40% بهدف إعادة شحن الطاقة.
ويمكن خلال هذه المرحلة الالتقاء في أمسية مسائية للاحتفال أو إقامة سهرة رمضانية، وما شابه ذلك.
المرحلة الرابعة: مرحلة الإغلاق والتجهيز لما بعد رمضان؛ وتهدف هذه المرحلة إلى إنهاء الأعمال، وتوثيق الإنجازات، والاستعداد لفترة ما بعد العيد، وعادة ما تبدأ بجلسة خفيفة لتحفيز الهمم والتشجيع وتقديم الشكر لجميع العاملين. ويتم خلالها إنهاء جميع المهام الحرجة قبل العيد، وتوثيق التقدم في ملفات مشتركة، وتجهيز ملفات تسليم جاهزة للعطلة، وأخيرًا تقييم تجربة العمل في شهر رمضان الشامل بنظام الطاقة.
بطريقة أو بأخرى فإنه يتطلب الحفاظ على التوازن بين الأداء العالي والراحة النفسية خلال شهر رمضان نهجًا قياديًا استباقيًا لا رد فعل مؤقتًا، إذ يجب على القائد أن يخطط مسبقًا، وتدار الطاقة بوعي، وتبني بيئة داعمة تعزز الالتزام من دون إفراط أو تفريط.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك