اعتادت الدراما الرمضانية أن تشهد نقاشًا حول بعض أعمالها قبل اكتمال عرضها. هذا أمر مألوف. فما رافق مسلسل حمدية العراقي خرج عن هذا الإطار. الأسئلة التي أُثيرت تجاوزت الأداء والحبكة، واتجهت إلى صورة المرأة، وحدود ما يُعرض، وما الذي ننتظره من الدراما أصلًا.
في مثل هذه اللحظات، يلفت الانتباه حجم الانقسام الذي تثيره حكاية واحدة.
حمدية، من بطولة أميمة جواد الشكرجي، وبمشاركة جواد الشكرجي، رويدة شاهين، ومهند ستار. ومع قرار هيئة الإعلام والاتصالات العراقية بإيقاف بث المسلسل على شاشة MBC العراق داخل العراق، مستندةً إلى مخالفته معايير البث وهو ما رفضه صنّاع العمل، فتحوّل المسلسل من دراما تُتابَع على الشاشة إلى موضوع نقاش عام تجاوز حدود العرض نفسه.
الاعتراضات تنوّعت بين من رأى في بعض المشاهد تجاوزاً لحدود ما يُعرض في الدراما العائلية، ومن وجد في طريقة تصوير علاقات المرأة وخياراتها إساءةً للصورة الاجتماعية. في المقابل، رأى المدافعون عن العمل أن هذه بالضبط هي الحكايات التي تحتاج إلى من يرويها.
في مثل هذه الحالات، لا يكفي الاكتفاء بما يُقال. الجدل حين يحتدم يحتاج فهما أقل استعجالًا، وقراءة تعود إلى النص، لا إلى ردود الأفعال. ماذا يقدّم العمل فعليًّا؟ وأين يقف؟
قصة حمدية تُروى بخط مستقيم يمكن تتبّعه بسهولة. طفولة تنكسر مبكرًا مع فقدان الأم، ثم حياة أسرية قاسية تترك أثرها في كل ما يليها. الفقر جزء من المشهد اليومي، والعمل ضرورة، والخيارات المتاحة قليلة. حين تدخل حمدية تجربة حب، لا تأتي بوصفها نقطة تحوّل سحرية، إنما كحلقة إضافية في مسار مليء بالتعقيد والارتباك.
اعتماد المسلسل على رواية أدبية للروائي قدوري الدوري يفسّر الانشغال الواضح بالداخل الإنساني للشخصية. السرد يتحرّك على مهل، أحيانًا أبطأ مما يتوقع بعض المشاهدين، ويعتمد على تراكم التفاصيل والأحداث بدلا من القفز نحو لحظات صادمة.
شخصية حمدية تُقدَّم خارج القوالب المألوفة. تتردد، تخطئ، تبحث عن الأمان، وتتحمّل نتائج اختياراتها. هذا التعقيد يفسّر جانبًا من الاعتراض، لأن الشخصيات الرمادية تفتح أسئلة أكثر مما تقدّم أحكامًا جاهزة.
جزء كبير من النقاش انطلق من صورة المرأة. هناك من رأى أن العمل يقدّم صورة قاسية وغير منصفة، وهناك من رأى أنه يفتح نافذة على واقع موجود حتى وإن كان مؤلمًا. الإشكال يبدأ حين نحمّل القصة أكثر مما تحتمل، أو نطلب منها تمثيل الجميع. الدراما تحكي حكاية واحدة، من زاوية واحدة.
ضمن هذا الجدل، ظهرت قراءات حمَّلت العمل أبعاداً طائفية لم يقصدها النص - من بينها ربط بعض الشخصيات أو مواقفها بهويات مجتمعية بعينها، وهو إسقاط يكشف إشكالية أعمق: حين يحمل المشاهد ذاكرة جمعية ثقيلة، يقرأ ما بين السطور أكثر مما هو مكتوب. والعمل الدرامي لا يتحمل وحده مسؤولية كل ما يُسقَط عليه، فليس كل ما يراه المشاهد في النص موجوداً فيه.
من الزاوية الاجتماعية، يصعب تجاهل ما يطرحه العمل عن الطفولة حين تغيب شبكة الأمان. فقد الأم، صمت الأب، القسوة داخل البيت. هذه عناصر تتشكل تدريجيًا وتترك أثرها على القرارات اللاحقة. في مثل هذه القصص، نميل إلى محاسبة النتيجة وننسى الطريق الذي قاد إليها.
اللافت أن الجدل نفسه أدّى دورًا إضافيًا. كثافة الاعتراض جعلتني أبحث عن العمل وأتابعه، في محاولة لفهم مصدر هذا الانقسام. ماذا في هذه الحكاية؟ ولماذا أثارت كل هذا التوتر؟
مع تقدّم المشاهدة، يتبيّن أن أغنية المقدمة جزء أصيل من التجربة. التتر، المأخوذ من قصيدة للشاعر العراقي المعروف مظفر النواب، يحمل سردًا مكثفًا يوازي المسلسل في روحه. دقائق قليلة تكفي لرسم مناخ الحكاية ووضع المشاهد أمام عالم مثقل بالذاكرة والتجربة الإنسانية.
في النهاية، قد لا يتفق الجميع على مسلسل حمدية. وهذا متوقع. الأعمال التي تطرح أسئلة لا تحظى عادة بإجماع. السؤال الأهم لا يتعلق بالمنع أو السماح، ولا بصورة المرأة وحدها، وإنما بعلاقتنا بالدراما نفسها. هل نريدها مطمئنة دائمًا؟ أم نسمح لها أحيانًا بأن تفتح زاوية لا نحب النظر إليها طويلًا؟
الدراما التي تزعجنا ليست بالضرورة الأسوأ - ربما هي الأكثر صدقاً مع الواقع الذي نعيشه ونتجنب النظر إليه. هذا السؤال وحده كافٍ ليجعل التوقف عند حمدية مستحقًا.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك