العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مسلسل «حمدية» العراقي: حين تزعجنا الدراما!

بقلم: نبيلة رجب

السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

اعتادت‭ ‬الدراما‭ ‬الرمضانية‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬نقاشًا‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬أعمالها‭ ‬قبل‭ ‬اكتمال‭ ‬عرضها‭. ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬مألوف‭. ‬فما‭ ‬رافق‭ ‬مسلسل‭ ‬حمدية‭ ‬العراقي‭ ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭. ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬أُثيرت‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأداء‭ ‬والحبكة،‭ ‬واتجهت‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬المرأة،‭ ‬وحدود‭ ‬ما‭ ‬يُعرض،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ننتظره‭ ‬من‭ ‬الدراما‭ ‬أصلًا‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات،‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬حجم‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬تثيره‭ ‬حكاية‭ ‬واحدة‭.‬

حمدية،‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬أميمة‭ ‬جواد‭ ‬الشكرجي،‭ ‬وبمشاركة‭ ‬جواد‭ ‬الشكرجي،‭ ‬رويدة‭ ‬شاهين،‭ ‬ومهند‭ ‬ستار‭. ‬ومع‭ ‬قرار‭ ‬هيئة‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصالات‭ ‬العراقية‭ ‬بإيقاف‭ ‬بث‭ ‬المسلسل‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬MBC‭ ‬العراق‭ ‬داخل‭ ‬العراق،‭ ‬مستندةً‭ ‬إلى‭ ‬مخالفته‭ ‬معايير‭ ‬البث‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رفضه‭ ‬صنّاع‭ ‬العمل،‭ ‬فتحوّل‭ ‬المسلسل‭ ‬من‭ ‬دراما‭ ‬تُتابَع‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬نقاش‭ ‬عام‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬العرض‭ ‬نفسه‭.‬

الاعتراضات‭ ‬تنوّعت‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المشاهد‭ ‬تجاوزاً‭ ‬لحدود‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬في‭ ‬الدراما‭ ‬العائلية،‭ ‬ومن‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تصوير‭ ‬علاقات‭ ‬المرأة‭ ‬وخياراتها‭ ‬إساءةً‭ ‬للصورة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬رأى‭ ‬المدافعون‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬بالضبط‭ ‬هي‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يرويها‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بما‭ ‬يُقال‭. ‬الجدل‭ ‬حين‭ ‬يحتدم‭ ‬يحتاج‭ ‬فهما‭ ‬أقل‭ ‬استعجالًا،‭ ‬وقراءة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬النص،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭. ‬ماذا‭ ‬يقدّم‭ ‬العمل‭ ‬فعليًّا؟‭ ‬وأين‭ ‬يقف؟

قصة‭ ‬حمدية‭ ‬تُروى‭ ‬بخط‭ ‬مستقيم‭ ‬يمكن‭ ‬تتبّعه‭ ‬بسهولة‭. ‬طفولة‭ ‬تنكسر‭ ‬مبكرًا‭ ‬مع‭ ‬فقدان‭ ‬الأم،‭ ‬ثم‭ ‬حياة‭ ‬أسرية‭ ‬قاسية‭ ‬تترك‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يليها‭. ‬الفقر‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬اليومي،‭ ‬والعمل‭ ‬ضرورة،‭ ‬والخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬قليلة‭. ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬حمدية‭ ‬تجربة‭ ‬حب،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬بوصفها‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬سحرية،‭ ‬إنما‭ ‬كحلقة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬مليء‭ ‬بالتعقيد‭ ‬والارتباك‭.‬

اعتماد‭ ‬المسلسل‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬أدبية‭ ‬للروائي‭ ‬قدوري‭ ‬الدوري‭ ‬يفسّر‭ ‬الانشغال‭ ‬الواضح‭ ‬بالداخل‭ ‬الإنساني‭ ‬للشخصية‭. ‬السرد‭ ‬يتحرّك‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أبطأ‭ ‬مما‭ ‬يتوقع‭ ‬بعض‭ ‬المشاهدين،‭ ‬ويعتمد‭ ‬على‭ ‬تراكم‭ ‬التفاصيل‭ ‬والأحداث‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬القفز‭ ‬نحو‭ ‬لحظات‭ ‬صادمة‭.‬

شخصية‭ ‬حمدية‭ ‬تُقدَّم‭ ‬خارج‭ ‬القوالب‭ ‬المألوفة‭. ‬تتردد،‭ ‬تخطئ،‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الأمان،‭ ‬وتتحمّل‭ ‬نتائج‭ ‬اختياراتها‭. ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬يفسّر‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬الاعتراض،‭ ‬لأن‭ ‬الشخصيات‭ ‬الرمادية‭ ‬تفتح‭ ‬أسئلة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقدّم‭ ‬أحكامًا‭ ‬جاهزة‭.‬

جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬يقدّم‭ ‬صورة‭ ‬قاسية‭ ‬وغير‭ ‬منصفة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬أنه‭ ‬يفتح‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬موجود‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مؤلمًا‭. ‬الإشكال‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬نحمّل‭ ‬القصة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحتمل،‭ ‬أو‭ ‬نطلب‭ ‬منها‭ ‬تمثيل‭ ‬الجميع‭. ‬الدراما‭ ‬تحكي‭ ‬حكاية‭ ‬واحدة،‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬واحدة‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬ظهرت‭ ‬قراءات‭ ‬حمَّلت‭ ‬العمل‭ ‬أبعاداً‭ ‬طائفية‭ ‬لم‭ ‬يقصدها‭ ‬النص‭ - ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ربط‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬أو‭ ‬مواقفها‭ ‬بهويات‭ ‬مجتمعية‭ ‬بعينها،‭ ‬وهو‭ ‬إسقاط‭ ‬يكشف‭ ‬إشكالية‭ ‬أعمق‭: ‬حين‭ ‬يحمل‭ ‬المشاهد‭ ‬ذاكرة‭ ‬جمعية‭ ‬ثقيلة،‭ ‬يقرأ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬السطور‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭. ‬والعمل‭ ‬الدرامي‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬وحده‭ ‬مسؤولية‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُسقَط‭ ‬عليه،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬موجوداً‭ ‬فيه‭.‬

من‭ ‬الزاوية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهل‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬الطفولة‭ ‬حين‭ ‬تغيب‭ ‬شبكة‭ ‬الأمان‭. ‬فقد‭ ‬الأم،‭ ‬صمت‭ ‬الأب،‭ ‬القسوة‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭. ‬هذه‭ ‬عناصر‭ ‬تتشكل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬وتترك‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬اللاحقة‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القصص،‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬محاسبة‭ ‬النتيجة‭ ‬وننسى‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إليها‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬الجدل‭ ‬نفسه‭ ‬أدّى‭ ‬دورًا‭ ‬إضافيًا‭. ‬كثافة‭ ‬الاعتراض‭ ‬جعلتني‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬وأتابعه،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬مصدر‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭. ‬ماذا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية؟‭ ‬ولماذا‭ ‬أثارت‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التوتر؟

مع‭ ‬تقدّم‭ ‬المشاهدة،‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬أغنية‭ ‬المقدمة‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬التجربة‭. ‬التتر،‭ ‬المأخوذ‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬للشاعر‭ ‬العراقي‭ ‬المعروف‭ ‬مظفر‭ ‬النواب،‭ ‬يحمل‭ ‬سردًا‭ ‬مكثفًا‭ ‬يوازي‭ ‬المسلسل‭ ‬في‭ ‬روحه‭. ‬دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬تكفي‭ ‬لرسم‭ ‬مناخ‭ ‬الحكاية‭ ‬ووضع‭ ‬المشاهد‭ ‬أمام‭ ‬عالم‭ ‬مثقل‭ ‬بالذاكرة‭ ‬والتجربة‭ ‬الإنسانية‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتفق‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬مسلسل‭ ‬حمدية‭. ‬وهذا‭ ‬متوقع‭. ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬عادة‭ ‬بإجماع‭. ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمنع‭ ‬أو‭ ‬السماح،‭ ‬ولا‭ ‬بصورة‭ ‬المرأة‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بعلاقتنا‭ ‬بالدراما‭ ‬نفسها‭. ‬هل‭ ‬نريدها‭ ‬مطمئنة‭ ‬دائمًا؟‭ ‬أم‭ ‬نسمح‭ ‬لها‭ ‬أحيانًا‭ ‬بأن‭ ‬تفتح‭ ‬زاوية‭ ‬لا‭ ‬نحب‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬طويلًا؟

الدراما‭ ‬التي‭ ‬تزعجنا‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأسوأ‭ - ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬صدقاً‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬ونتجنب‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭. ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬وحده‭ ‬كافٍ‭ ‬ليجعل‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬حمدية‭ ‬مستحقًا‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا