إن ما يسمى بوقف إطلاق النار في غزة لم يكن وقفًا حقيقيًّا للأعمال العدائية، بل كان تحولًا استراتيجيًا ساخرًا في الإبادة الجماعية الإسرائيلية وحملة التدمير المستمرة التي ظلت تقودها إسرائيل بلا هوادة ضد الفلسطينيين.
ومنذ العاشر من شهر أكتوبر2025، وهو اليوم الأول لوقف إطلاق النار المُعلن، غيّرت إسرائيل تكتيكاتها: من القصف الجوي العشوائي إلى الهدم المُدبّر والمخطط له للمنازل والبنى التحتية الحيوية، وقد أكدت صور الأقمار الصناعية، التي تدعمها تقارير إعلامية وميدانية تُبثّ كل ساعة تقريبًا، هذا التغيير المنهجي.
ومع انسحاب قوات القتال المباشر الإسرائيلية، على ما يبدو، إلى منطقة «غلاف غزة» المجاورة، تقدمت طليعة جديدة من الجنود الإسرائيليين إلى المنطقة الواقعة شرق ما يُسمى بالخط الأصفر، لتفكيك ما تبقى من مظاهر الحياة والتجذر والحضارة بعد الإبادة الجماعية الإسرائيلية بشكل منهجي. وخلال الفترة الممتدة ما بين 10 أكتوبر و2 نوفمبر 2025، هدمت إسرائيل 1500 مبنى، مستخدمةً وحداتها الهندسية العسكرية المتخصصة.
وقد أدى اتفاق وقف إطلاق النار إلى تقسيم غزة إلى نصفين: نصف يقع غربي الخط الأصفر، حيث تم احتجاز الناجين من الإبادة الجماعية الإسرائيلية، ونصف أكبر شرقي الخط، حيث حافظ الجيش الإسرائيلي على وجود عسكري نشط واستمر في العمل من دون عقاب.
ولو كانت إسرائيل تنوي فعلاً إخلاء المنطقة بعد المرحلة الثانية المتفق عليها من وقف إطلاق النار، لما كانت تسعى جاهدةً إلى التدمير الهيكلي الممنهج لهذه المنطقة المدمرة أصلاً. من الواضح أن دوافع إسرائيل أكثر خبثاً، وتتمحور حول جعل المنطقة غير صالحة للسكن إلى الأبد.
وإلى جانب تدمير البنية التحتية، تُنفذ إسرائيل أيضًا حملة متواصلة من الغارات الجوية والهجمات البحرية، مستهدفةً بلا هوادة منطقتي رفح وخان يونس جنوبًا، كما راحت لاحقًا تشن هجمات بلا هوادة على مناطق كان من المفترض نظريًا أن تكون تحت سيطرة سكان غزة. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فقد قُتل 260 فلسطينياً وجُرح 632 آخرون منذ بدء ما يسمى بوقف إطلاق النار.
عمليًا، يُعدّ وقف إطلاق النار هذا بمثابة هدنة أحادية الجانب، حيث تُمكّن إسرائيل من شنّ حربٍ محدودةٍ بلا هوادة على غزة، بينما يُحرم الفلسطينيون منهجيًا من حقّ الردّ أو الدفاع عن أنفسهم. وهكذا، يُحكم على قطاع غزة بتكرار نفس الحلقة المفرغة من العنف: منطقةٌ فقيرةٌ وعزلاء، أسيرةٌ للحسابات العسكرية الإسرائيلية، التي تعمل باستمرارٍ خارج نطاق القانون الدولي.
وقبل قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين التاريخية عام 1948، لم يكن ترسيم حدود غزة مدفوعًا بحسابات عسكرية. فمنطقة غزة، إحدى أقدم حضارات العالم، كانت دائمًا جزءًا لا يتجزأ من فضاء جغرافي واجتماعي واقتصادي أوسع.
وقبل أن يطلق البريطانيون على هذه المنطقة اسم قضاء غزة (1920-1948)، اعتبرها العثمانيون قضاءً فرعيًا ضمن متصرفية القدس الأكبر - قضاء القدس المستقل.
ولكن حتى التسمية البريطانية لغزة لم تعزلها عن بقية الجغرافيا الفلسطينية، حيث وصلت حدود المنطقة الجديدة إلى المجدل (عسقلان اليوم) في الشمال، وبئر السبع في الشرق، وخط رفح على الحدود المصرية.
وفي أعقاب التوصل إلى إبرام اتفاقيات الهدنة لعام 1949، التي حددت ما يسمى خطوط ما بعد النكبة، بدأت المعاناة والعذاب الجماعي لسكان قطاع لغزة، كما يتجلى في حدودها المتقلصة، على نحو خطير.
وقد تم تقسيم منطقة غزة الشاسعة بشكلٍ همجي إلى قطاع غزة، الذي لا يمثل سوى 1.3%من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية، وقد ازداد عدد سكانها بشكلٍ هائلٍ نتيجةً للنكبة، حيثُ تم تهجير أكثر من 200 ألف لاجئٍ يائس، مع أجيالٍ عديدةٍ من أحفادهم، ليجدوا أنفسهم محاصرين في هذا الشريط الصغير من الأرض لأكثر من 77 عامًا.
وعندما احتلت إسرائيل غزة احتلالاً دائماً في يونيو 1967، أصبحت الخطوط الفاصلة بينها وبين بقية الجغرافيا الفلسطينية والعربية جزءاً لا يتجزأ من غزة نفسها. وعقب احتلالها للقطاع، بدأت إسرائيل بتقييد حركة الفلسطينيين بشكل أكبر، مقسّمة غزة إلى عدة مناطق.
لقد تم تحديد حجم وموقع هذه الخطوط الداخلية إلى حد كبير من خلال دافعين مبيتين رئيسيين: تجزئة المجتمع الفلسطيني لضمان إخضاعه، وإنشاء «مناطق عازلة» عسكرية حول المعسكرات العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات غير القانونية.
وخلال الفترة ما بين عام 1967 وخطة «فك الارتباط» الإسرائيلية المزعومة مع غزة، قامت إسرائيل ببناء 21 مستوطنة غير شرعية لعديد من الممرات العسكرية ونقاط التفتيش، مما أدى فعليًا إلى تقسيم القطاع ومصادرة ما يقرب من 40%من مساحة أراضيه.
وبعد إعادة الانتشار، احتفظت إسرائيل بسيطرة مطلقة ومن جانب واحد على حدود غزة، ومنفذها البحري، ومجالها الجوي، وحتى سجل السكان. إضافةً إلى ذلك، أنشأت إسرائيل حدودًا داخلية أخرى داخل غزة، وهي «منطقة عازلة» شديدة التحصين تمتد عبر الحدود الشمالية والشرقية.
وشهدت هذه المنطقة الجديدة قتل مئات المتظاهرين العزل بدم بارد وإصابة الآلاف ممن تجرأوا على الاقتراب مما يشار إليه غالبًا باسم «منطقة القتل».
وحتى بحر غزة كان محظورًا تمامًا على الفلسطينيين، حيث حوصر الصيادون بشكل غير إنساني في مساحات ضيقة، أحيانًا أقل من ثلاثة أميال بحرية، وفي الوقت نفسه كانوا محاطين بالبحرية الإسرائيلية، التي دأبت على إطلاق النار على الصيادين، وإغراق القوارب، واحتجاز الطواقم كما يحلو لها.
إن الخط الأصفر الجديد في غزة ليس سوى أحدث وأفظع خط ترسيم عسكري في تاريخ طويل وقاس من الخطوط التي يراد من وراء التخطيط لها وفرضها جعل حياة الفلسطينيين في قطاع غزة مستحيلة.
لكن الوضع الحالي أسوأ من أي وقت مضى، إذ إنه يخنق السكان النازحين بالكامل في منطقة مدمرة بالكامل، خالية من المستشفيات العاملة، وبمساعدة ضئيلة للغاية من الإعانات المنقذة للحياة.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، الذين يكافحون ضد الحصار والقمع والتجزئة منذ أجيال، فإن هذا الترتيب الجديد هو تتويج لا يطاق ولا مفر منه لحرمانهم المستمر منذ أجيال عديدة من حقوقهم.
وإذا كانت إسرائيل تعتقد أنها قادرة على فرض ترسيم حدود غزة الجديد كوضعٍ قائم، فإن الأشهر القليلة القادمة ستُثبت خطأ هذا الاعتقاد بشكلٍ مُدمر. لقد أعادت تل أبيب ببساطة خلق نسخةٍ أسوأ بكثير، وأكثر اضطرابًا بطبيعتها، من الواقع العنيف الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر 2023 والإبادة الجماعية التي تلتها.
وحتى أولئك الذين لا يعرفون التاريخ العميق والمؤلم لقطاع غزة يجب أن يدركوا أن الحفاظ على الخط الأصفر لغزة ليس أكثر من وهم ينطوي على خطر أكبر.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك