العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تاريخ غزة بين الاحتلال الغاشم والحصار والدمار والإبادة

بقلم: د. رمزي بارود

الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وقفًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬للأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تحولًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬ساخرًا‭ ‬في‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وحملة‭ ‬التدمير‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تقودها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬

ومنذ‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر2025،‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المُعلن،‭ ‬غيّرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تكتيكاتها‭: ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الجوي‭ ‬العشوائي‭ ‬إلى‭ ‬الهدم‭ ‬المُدبّر‭ ‬والمخطط‭ ‬له‭ ‬للمنازل‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬وميدانية‭ ‬تُبثّ‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬المنهجي‭.‬

ومع‭ ‬انسحاب‭ ‬قوات‭ ‬القتال‭ ‬المباشر‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬غلاف‭ ‬غزة‮»‬‭ ‬المجاورة،‭ ‬تقدمت‭ ‬طليعة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬الواقعة‭ ‬شرق‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالخط‭ ‬الأصفر،‭ ‬لتفكيك‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬والتجذر‭ ‬والحضارة‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي‭. ‬وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬أكتوبر‭ ‬و2‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬هدمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬1500‭ ‬مبنى،‭ ‬مستخدمةً‭ ‬وحداتها‭ ‬الهندسية‭ ‬العسكرية‭ ‬المتخصصة‭.‬

وقد‭ ‬أدى‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬تقسيم‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬نصفين‭: ‬نصف‭ ‬يقع‭ ‬غربي‭ ‬الخط‭ ‬الأصفر،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬احتجاز‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ونصف‭ ‬أكبر‭ ‬شرقي‭ ‬الخط،‭ ‬حيث‭ ‬حافظ‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬عسكري‭ ‬نشط‭ ‬واستمر‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عقاب‭.‬

ولو‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تنوي‭ ‬فعلاً‭ ‬إخلاء‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬تسعى‭ ‬جاهدةً‭ ‬إلى‭ ‬التدمير‭ ‬الهيكلي‭ ‬الممنهج‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬المدمرة‭ ‬أصلاً‭. ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬دوافع‭ ‬إسرائيل‭ ‬أكثر‭ ‬خبثاً،‭ ‬وتتمحور‭ ‬حول‭ ‬جعل‭ ‬المنطقة‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للسكن‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬تُنفذ‭ ‬إسرائيل‭ ‬أيضًا‭ ‬حملة‭ ‬متواصلة‭ ‬من‭ ‬الغارات‭ ‬الجوية‭ ‬والهجمات‭ ‬البحرية،‭ ‬مستهدفةً‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬منطقتي‭ ‬رفح‭ ‬وخان‭ ‬يونس‭ ‬جنوبًا،‭ ‬كما‭ ‬راحت‭ ‬لاحقًا‭ ‬تشن‭ ‬هجمات‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬على‭  ‬مناطق‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬نظريًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭. ‬وبحسب‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فقد‭ ‬قُتل‭ ‬260‭ ‬فلسطينياً‭ ‬وجُرح‭ ‬632‭ ‬آخرون‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬

عمليًا،‭ ‬يُعدّ‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬هذا‭ ‬بمثابة‭ ‬هدنة‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب،‭ ‬حيث‭ ‬تُمكّن‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬شنّ‭ ‬حربٍ‭ ‬محدودةٍ‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬بينما‭ ‬يُحرم‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬منهجيًا‭ ‬من‭ ‬حقّ‭ ‬الردّ‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭. ‬وهكذا،‭ ‬يُحكم‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بتكرار‭ ‬نفس‭ ‬الحلقة‭ ‬المفرغة‭ ‬من‭ ‬العنف‭: ‬منطقةٌ‭ ‬فقيرةٌ‭ ‬وعزلاء،‭ ‬أسيرةٌ‭ ‬للحسابات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬باستمرارٍ‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

وقبل‭ ‬قيام‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ترسيم‭ ‬حدود‭ ‬غزة‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بحسابات‭ ‬عسكرية‭. ‬فمنطقة‭ ‬غزة،‭ ‬إحدى‭ ‬أقدم‭ ‬حضارات‭ ‬العالم،‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬جغرافي‭ ‬واجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬أوسع‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬البريطانيون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬اسم‭ ‬قضاء‭ ‬غزة‭ (‬1920-1948‭)‬،‭ ‬اعتبرها‭ ‬العثمانيون‭ ‬قضاءً‭ ‬فرعيًا‭ ‬ضمن‭ ‬متصرفية‭ ‬القدس‭ ‬الأكبر‭ - ‬قضاء‭ ‬القدس‭ ‬المستقل‭.‬

ولكن‭ ‬حتى‭ ‬التسمية‭ ‬البريطانية‭ ‬لغزة‭ ‬لم‭ ‬تعزلها‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حيث‭ ‬وصلت‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة‭ ‬الجديدة‭ ‬إلى‭ ‬المجدل‭ (‬عسقلان‭ ‬اليوم‭) ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬وبئر‭ ‬السبع‭ ‬في‭ ‬الشرق،‭ ‬وخط‭ ‬رفح‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬المصرية‭.‬

وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاقيات‭ ‬الهدنة‭ ‬لعام‭ ‬1949،‭ ‬التي‭ ‬حددت‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬خطوط‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬النكبة،‭ ‬بدأت‭ ‬المعاناة‭ ‬والعذاب‭ ‬الجماعي‭ ‬لسكان‭ ‬قطاع‭ ‬لغزة،‭ ‬كما‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬المتقلصة،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خطير‭.‬

وقد‭ ‬تم‭ ‬تقسيم‭ ‬منطقة‭ ‬غزة‭ ‬الشاسعة‭ ‬بشكلٍ‭ ‬همجي‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬سوى‭ ‬1‭.‬3‭%‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬مساحة‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬وقد‭ ‬ازداد‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬هائلٍ‭ ‬نتيجةً‭ ‬للنكبة،‭ ‬حيثُ‭ ‬تم‭ ‬تهجير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬لاجئٍ‭ ‬يائس،‭ ‬مع‭ ‬أجيالٍ‭ ‬عديدةٍ‭ ‬من‭ ‬أحفادهم،‭ ‬ليجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬محاصرين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشريط‭ ‬الصغير‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬77‭ ‬عامًا‭.‬

وعندما‭ ‬احتلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬غزة‭ ‬احتلالاً‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬أصبحت‭ ‬الخطوط‭ ‬الفاصلة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬بقية‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬نفسها‭. ‬وعقب‭ ‬احتلالها‭ ‬للقطاع،‭ ‬بدأت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بتقييد‭ ‬حركة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬مقسّمة‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭.‬

لقد‭ ‬تم‭ ‬تحديد‭ ‬حجم‭ ‬وموقع‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دافعين‭ ‬مبيتين‭ ‬رئيسيين‭: ‬تجزئة‭ ‬المجتمع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لضمان‭ ‬إخضاعه،‭ ‬وإنشاء‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬عازلة‮»‬‭ ‬عسكرية‭ ‬حول‭ ‬المعسكرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والمستوطنات‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭.‬

وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬وخطة‭ ‬‮«‬فك‭ ‬الارتباط‮»‬‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المزعومة‭ ‬مع‭ ‬غزة،‭ ‬قامت‭ ‬إسرائيل‭ ‬ببناء‭ ‬21‭ ‬مستوطنة‭ ‬غير‭ ‬شرعية‭ ‬لعديد‭ ‬من‭ ‬الممرات‭ ‬العسكرية‭ ‬ونقاط‭ ‬التفتيش،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬فعليًا‭ ‬إلى‭ ‬تقسيم‭ ‬القطاع‭ ‬ومصادرة‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬40‭%‬من‭ ‬مساحة‭ ‬أراضيه‭.‬

وبعد‭ ‬إعادة‭ ‬الانتشار،‭ ‬احتفظت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بسيطرة‭ ‬مطلقة‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬غزة،‭ ‬ومنفذها‭ ‬البحري،‭ ‬ومجالها‭ ‬الجوي،‭ ‬وحتى‭ ‬سجل‭ ‬السكان‭. ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أنشأت‭ ‬إسرائيل‭ ‬حدودًا‭ ‬داخلية‭ ‬أخرى‭ ‬داخل‭ ‬غزة،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬عازلة‮»‬‭ ‬شديدة‭ ‬التحصين‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬الشمالية‭ ‬والشرقية‭.‬

وشهدت‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الجديدة‭ ‬قتل‭ ‬مئات‭ ‬المتظاهرين‭ ‬العزل‭ ‬بدم‭ ‬بارد‭ ‬وإصابة‭ ‬الآلاف‭ ‬ممن‭ ‬تجرأوا‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬مما‭ ‬يشار‭ ‬إليه‭ ‬غالبًا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬القتل‮»‬‭.‬

وحتى‭ ‬بحر‭ ‬غزة‭ ‬كان‭ ‬محظورًا‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬حيث‭ ‬حوصر‭ ‬الصيادون‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬إنساني‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬ضيقة،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أميال‭ ‬بحرية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كانوا‭ ‬محاطين‭ ‬بالبحرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬الصيادين،‭ ‬وإغراق‭ ‬القوارب،‭ ‬واحتجاز‭ ‬الطواقم‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لها‭.‬

إن‭ ‬الخط‭ ‬الأصفر‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬أحدث‭ ‬وأفظع‭ ‬خط‭ ‬ترسيم‭ ‬عسكري‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬وقاس‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬التخطيط‭ ‬لها‭ ‬وفرضها‭ ‬جعل‭ ‬حياة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬مستحيلة‭.‬

لكن‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يخنق‭ ‬السكان‭ ‬النازحين‭ ‬بالكامل‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مدمرة‭ ‬بالكامل،‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬المستشفيات‭ ‬العاملة،‭ ‬وبمساعدة‭ ‬ضئيلة‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬الإعانات‭ ‬المنقذة‭ ‬للحياة‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬الذين‭ ‬يكافحون‭ ‬ضد‭ ‬الحصار‭ ‬والقمع‭ ‬والتجزئة‭ ‬منذ‭ ‬أجيال،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬تتويج‭ ‬لا‭ ‬يطاق‭ ‬ولا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭ ‬لحرمانهم‭ ‬المستمر‭ ‬منذ‭ ‬أجيال‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬حقوقهم‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬ترسيم‭ ‬حدود‭ ‬غزة‭ ‬الجديد‭ ‬كوضعٍ‭ ‬قائم،‭ ‬فإن‭ ‬الأشهر‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭ ‬ستُثبت‭ ‬خطأ‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مُدمر‭. ‬لقد‭ ‬أعادت‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬ببساطة‭ ‬خلق‭ ‬نسخةٍ‭ ‬أسوأ‭ ‬بكثير،‭ ‬وأكثر‭ ‬اضطرابًا‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬العنيف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائمًا‭ ‬قبل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تلتها‭.‬

وحتى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬التاريخ‭ ‬العميق‭ ‬والمؤلم‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬الأصفر‭ ‬لغزة‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وهم‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬خطر‭ ‬أكبر‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا