العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

فرانشيسكا ألبانيز: امرأة تحمل سيف العدالة في مواجهة الظلم

بقلم: وليد عوض

الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

بشجاعة‭ ‬هادئة،‭ ‬وبإصرار‭ ‬لا‭ ‬يلين،‭ ‬تواجه‭ ‬السيدة‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز،‭ ‬المقررة‭ ‬الخاصة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المعنية‭ ‬بحالة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشرس‭ ‬حملات‭ ‬التحريض‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الأممي‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬حملة‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬شخصها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تطال‭ ‬جوهر‭ ‬فكرة‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭ ‬ذاتها،‭ ‬وتستهدف‭ ‬حق‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهم‭ ‬صوت‭ ‬مسموع‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬يُفترض‭ ‬أنها‭ ‬أُنشئت‭ ‬لحمايتهم‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقهم‭.‬

منذ‭ ‬توليها‭ ‬مهامها،‭ ‬اختارت‭ ‬ألبانيز‭ ‬الانحياز‭ ‬الواضح‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتسميـة‭ ‬الأشياء‭ ‬بأسمائها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مواربة‭ ‬أو‭ ‬اختباء‭ ‬خلف‭ ‬لغة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬رمادية‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬تهادن‭ ‬في‭ ‬توصيف‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬كما‭ ‬وثّقتها‭ ‬تقاريرها‭ ‬الأممية‭ ‬الصريحة‭ ‬خلال‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتواصل‭ ‬عامين‭ ‬متتاليين‭.‬

هذا‭ ‬الوضوح،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُقابل‭ ‬بالاحترام‭ ‬والدعم،‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬قوى‭ ‬الهيمنة‭ ‬المنحازة‭ ‬للاحتلال‭ ‬والعدوان‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جريمة‮»‬‭ ‬تستوجب‭ ‬العقاب‭.‬

تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬جاهزة‭ ‬ومبتذلة،‭ ‬وُجهت‭ ‬إلى‭ ‬ألبانيز‭ ‬اتهامات‭ ‬‮«‬معاداة‭ ‬السامية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬فجة‭ ‬لإسكاتها،‭ ‬وتشويه‭ ‬مصداقيتها،‭ ‬ودفعها‭ ‬إلى‭ ‬الاستقالة‭. ‬وهي‭ ‬تهمة‭ ‬باتت‭ ‬تُستخدم‭ ‬كسلاح‭ ‬سياسي‭ ‬لحماية‭ ‬الاحتلال‭ ‬من‭ ‬المساءلة،‭ ‬وللهروب‭ ‬من‭ ‬استحقاقات‭ ‬العدالة،‭ ‬ولتحصين‭ ‬جرائمه‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬نقد‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬قانوني‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ألبانيز،‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الابتزاز،‭ ‬رفضت‭ ‬الانصياع،‭ ‬وأكدت‭ ‬تمسكها‭ ‬بمهمتها،‭ ‬وبانحيازها‭ ‬المعلن‭ ‬إلى‭ ‬الضحايا،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الجلاد‭.‬

إن‭ ‬اللافت‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬منحازة‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬ضغط‭ ‬معروفة،‭ ‬بل‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬كبرى،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مطالبات‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬فرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬بدفعها‭ ‬إلى‭ ‬التنحي‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬سابقة‭ ‬خطيرة،‭ ‬واعتداءً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬استقلالية‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومحاولة‭ ‬مكشوفة‭ ‬لتسييس‭ ‬عمل‭ ‬المقررين‭ ‬الخاصين،‭ ‬وتحويلهم‭ ‬إلى‭ ‬موظفين‭ ‬خاضعين‭ ‬لإرادة‭ ‬الدول‭ ‬النافذة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬حماة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

إن‭ ‬استهداف‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬استهداف‭ ‬لمنظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية،‭ ‬ولكل‭ ‬من‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬فضح‭ ‬جرائم‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وكشف‭ ‬شبكات‭ ‬التواطؤ‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬ساهمت،‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬في‭ ‬إدامة‭ ‬نظام‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاستعمار‭ ‬والاستيطان‭. ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬رسالة‭ ‬ترهيب‭ ‬موجهة‭ ‬لكل‭ ‬صوت‭ ‬حر‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬هو‭ ‬الضمانة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للسلامة‭ ‬المهنية‭.‬

لكن،‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬القاتم،‭ ‬برزت‭ ‬حملة‭ ‬تضامن‭ ‬دولية‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬ألبانيز،‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬حقوقيون،‭ ‬وأكاديميون،‭ ‬ونشطاء،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني،‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬موقفها‭ ‬نموذجاً‭ ‬لما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬المسؤول‭ ‬الأممي‭: ‬شجاعة‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة،‭ ‬واستقلالية‭ ‬في‭ ‬القرار،‭ ‬والتزام‭ ‬أخلاقي‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬للمساومة‭. ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬لا‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬مبدأ،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬شعبٍ‭ ‬بأكمله‭ ‬في‭ ‬العدالة‭ ‬والكرامة‭.‬

إن‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬موقفاً‭ ‬شخصياً،‭ ‬بل‭ ‬واجب‭ ‬سياسي‭ ‬وأخلاقي‭. ‬هو‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬استقلال‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وعن‭ ‬حق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭ ‬مأساته‭ ‬بصدق،‭ ‬وأن‭ ‬ينال‭ ‬مرتكبو‭ ‬الجرائم‭ ‬العقاب،‭ ‬مهما‭ ‬كانوا‭ ‬محميين‭ ‬بالقوة‭ ‬والنفوذ‭. ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬التضامن،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬حقيقي‭ ‬يضع‭ ‬حداً‭ ‬لاستهداف‭ ‬المقررين‭ ‬الأمميين،‭ ‬ويحمي‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬مصداقية‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬يُكافأ‭ ‬فيه‭ ‬الصمت،‭ ‬وتُعاقَب‭ ‬فيه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬تذكّرنا‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز‭ ‬بأن‭ ‬العدالة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وحيدة‭ ‬أحياناً،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تُهزم‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬سيفها،‭ ‬ولو‭ ‬بيدٍ‭ ‬واحدة‭.‬

{  كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا