في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، تواجه دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي في علاقاتها التجارية الدولية. فالعالم اليوم يتجه نحو تعددية اقتصادية متزايدة وتنافس محتدم بين القوى الكبرى، ما يفرض على دول الخليج تبني سياسات أكثر تنوعًا ومرونة لضمان استدامة نموها الاقتصادي. وتأتي أهمية هذه المرحلة من كونها تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على المصالح التقليدية مع الشركاء الرئيسيين، واستكشاف آفاق تعاون جديدة تواكب أهداف التنمية والتحول الاقتصادي في المنطقة.
في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الجيوستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة ما وصفه جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة جلف ستيت أناليتيكس، بـ«مرحلة الحساب» نتيجةً لرد واشنطن المحدود على التهديدات الأمنية المتصاعدة في الشرق الأوسط من إسرائيل وإيران، تعمل دول الخليج العربي في المقابل على تنويع شراكاتها الاقتصادية الدولية بصورة متزايدة، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية جديدة أطلق عليها اسم «يوم التحرير»، والتي تحولت – وفقًا لما ذكره آلان بيتي، بصحيفة فاينانشال تايمز– من «خطوة مربكة إلى حالة من الفوضى» خلال الأشهر الستة التي أعقبت الإعلان عنها لأول مرة في أبريل 2025.
ورغم أن التوقعات تشير إلى أن الدول الأكثر تأثرًا بنظام التعريفات الجمركية الأمريكي ستشهد انخفاضًا في ناتجها المحلي الإجمالي بمليارات الدولارات، إلا أن الدكتور حسن الحسن، الزميل الأول في سياسات الشرق الأوسط بـالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أوضح أن دول مجلس التعاون الخليجي تواصل «إنشاء شبكات من اتفاقيات التجارة التفضيلية لضمان نموها الاقتصادي وتعزيز مرونتها». وأضاف أن هذه الدول «تستفيد من سمعتها الراسخة كموردين موثوقين للطاقة لترسيخ مكانتها كشركاء يعتمد عليهم في قطاعات حيوية أخرى من الاقتصاد العالمي»، مشيرًا إلى أن هذه الشراكات تكتسب أهمية متزايدة ضمن خطط التنويع الاقتصادي، إذ بات أكثر من 70%من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي يأتي من القطاع غير النفطي، الذي يواصل نموه بمعدل يتجاوز 6%سنويًّا.
وفي السياق ذاته، أشار تشاد باون، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن، إلى أن التجارة العالمية «دخلت عالمًا جديدًا» بسبب نظام التعريفات الأمريكي، بينما يرى الحسن أن «أنظمة التعريفات التمييزية» إلى جانب التنافس الاقتصادي المتزايد مع قوى كبرى مثل الصين، خلقت فرصًا لما يسميه بـ«دول الرابطة» التي تستطيع أن «تضع نفسها كوسطاء موثوقين بين الكتل الاقتصادية الكبرى في العالم»، لتصبح بمثابة «طرق سريعة للتجارة في نظام تجاري يزداد اختناقًا».
وباعتبار أن الخليج العربي يشكل أصلًا محورًا مركزيًا للتجارة والأعمال العالمية – إذ يُعد مطار دبي الدولي الأكثر ازدحامًا في العالم للمسافرين الدوليين، ويأتي ميناء جبل علي في المرتبة التاسعة عالميًّا من حيث حجم الحركة، والأكثر ازدحامًا خارج شرق آسيا– فقد وثّق الحسن كيف اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجية متعددة الجوانب تشمل التفاوض على وصول تفضيلي إلى الأسواق العالمية، وبناء بنية تحتية متطورة للاتصال والنقل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حيادها الجيوسياسي.
ويتجلى دور المنطقة كمحور تجاري عالمي من خلال تأثر صادراتها بشكل محدود نسبيًا بتعريفات ترامب مقارنةً بدول أخرى، إذ إن العديد من الدول ذات العجز التجاري مع الولايات المتحدة – بما فيها دول من الشرق الأوسط – واجهت زيادات جمركية تجاوزت 40%، في حين خضعت دول الخليج العربي، التي تتمتع بفائض تجاري مع واشنطن، لتعريفة منخفضة لا تتجاوز 10%، كما استفادت صادراتها من الطاقة والإلكترونيات والمعادن والمواد الكيميائية والأدوية من إعفاءات جمركية كاملة أو جزئية.
وفي هذا السياق، يرى جريجروي برو، كبير المحللين في مجموعة أوراسيا، أن النظام الجمركي الأمريكي الجديد لن يشكل تهديدًا فعليًا للعلاقات التجارية بين دول الخليج والولايات المتحدة، وهو ما تؤكده الاتفاقيات التجارية التي تجاوزت قيمتها 1.2 تريليون دولار خلال زيارة الرئيس الأمريكي للخليج في مايو 2025.
وأشار الحسن إلى أن شروط التعريفات المواتية بين واشنطن ودول الخليج ستمنح ميزة تكلفة للمصدرين الخليجيين مقارنة بالمنافسين الذين يواجهون تعريفات أعلى، موضحًا أن هذا يتماشى مع رؤية السعودية 2030 التي تستهدف رفع مساهمة الصادرات غير النفطية إلى 50%من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول نهاية العقد، في حين تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى زيادة صادراتها غير النفطية بنسبة 43%بحلول عام 2031.
ومنذ عام 2017، وثّق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وجود اثنتي عشرة مفاوضة جارية حول اتفاقيات تجارة حرة، إلى جانب مجموعة واسعة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها دول الخليج بشكل فردي مع ما لا يقل عن 29 دولة حول العالم. وتساعد هذه الاتفاقيات على ضمان الوصول إلى الأسواق في ظل تصاعد السياسات الحمائية، كما تشارك دول الخليج في مبادرات متعددة الجنسيات مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أسهمت في مضاعفة التجارة بين بكين ودول الخليج من 90 مليار دولار عام 2010 إلى 180 مليار دولار عام 2021.
وعلى الرغم من أن الخليج العربي لم يصبح بعد لاعبًا رئيسيًا في «الممر الأوسط» للتجارة بين أوروبا والصين – الذي يتجاوز روسيا وإيران مرورًا بآسيا الوسطى – فإن المجلس الأطلسي أشار إلى أن القمم المشتركة بين دول مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى منذ عام 2023 أبرزت تعاونًا متزايدًا واستثمارات خليجية متنامية في البنية التحتية للمنطقة.
وفي السياق نفسه، وثّق الدكتور جون كالابريس، الأستاذ المساعد في الجامعة الأمريكية بواشنطن والزميل الأول في معهد الشرق الأوسط، أن الإمارات والسعودية تسعيان بقوة إلى تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس اللازمة لتصنيع موارد الطاقة النظيفة كالألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية. وتنعكس موثوقية دول الخليج كشريك اقتصادي في موافقة الولايات المتحدة على مذكرة تفاهم في مايو 2025 للتعاون في المعادن الحيوية والنادرة، والتي أعقبت إعلان الرياض عن مشروع استثماري بقيمة 100 مليار دولار لتعدين ومعالجة مواردها المعدنية غير المستغلة التي تُقدّر قيمتها بنحو 2.5 تريليون دولار.
وبينما تواصل دول الخليج تعزيز اتفاقياتها التجارية، تقترب مفاوضاتها مع المملكة المتحدة – التي بدأت عام 2022– من مراحلها النهائية، حيث تُعد بريطانيا رابع أكبر شريك تجاري لدول المجلس بقيمة تقترب من 72 مليار دولار سنويًا. وقد أكدت الحكومة البريطانية أن الاتفاقية المنتظرة، التي تهدف إلى إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الرئيسية وتبسيط الإجراءات التنظيمية، ستزيد التجارة الثنائية بنسبة تصل إلى 16%سنويًا، أي ما يعادل أكثر من 10.85 مليار دولار.
ورغم ذلك، لا تزال هناك اتفاقيات لم تُبرم بعد، أبرزها مع الاتحاد الأوروبي، الذي يُعد ثاني أكبر شريك تجاري لدول الخليج بنسبة 11%من إجمالي تجارتها في عام 2024، بقيمة تتجاوز 75 مليار يورو سنويًا. ورغم صدور بيان مشترك في مايو 2022 يؤكد «الشراكة الاستراتيجية» بين الجانبين، لم تُستأنف بعد مفاوضات التجارة الحرة المتوقفة منذ عام 2008. ومع ذلك، شهد أبريل 2025 إطلاق محادثات ثنائية بين الاتحاد الأوروبي والإمارات حول اتفاقية تجارة حرة تستهدف خفض الرسوم الجمركية وتسهيل تدفقات الاستثمار وتعزيز التعاون في الطاقة المتجددة والمعادن الأساسية.
أما بالنسبة إلى الهند، فتُقدّر قيمة التجارة الثنائية بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي بأكثر من 178 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل 15%من إجمالي تجارتها العالمية، وتُعد الإمارات والسعودية أبرز مورّدي السلع الأساسية للهند. وقد وقّعت نيودلهي اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الإمارات عام 2022، ما أدى إلى ارتفاع التجارة من 40 مليار دولار عام 2020 إلى ما يُتوقع أن يتجاوز 100 مليار دولار هذا العام.
ورغم غياب مفاوضات رسمية بين الهند ومجلس التعاون ككتلة واحدة، أكد جوناثان فولتون، الزميل الأول غير المقيم في المجلس الأطلسي، أن هناك «أساسًا قويًا لتعميق التكامل بين الهند والشرق الأوسط في العقود المقبلة». ومع فرض ترامب تعريفات بنسبة 50%على الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة في أغسطس 2025، يرى الدكتور نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، أن السعودية والإمارات ستكونان المستفيدتين الرئيسيتين من هذا التحول الجيواقتصادي.
ورغم أن دول الخليج تمكنت من تجنب التداعيات الكبرى لنظام ترامب الجمركي، فإنها لا تزال تواجه تحديات قائمة. فقد حذر الحسن من أن تباطؤ النمو العالمي –كما أشارت إليه منظمات مثل الأونكتاد وصندوق النقد الدولي – يتطلب من دول الخليج التحوط ضد تقلبات أسعار النفط وانخفاض الطلب عبر مواصلة تنويع صادراتها غير النفطية التي أثبتت استقرارًا أكبر في السنوات الأخيرة.
كما أشار الزميل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن المخاطر الأمنية الإقليمية تمثل «تحديًا مباشرًا لطموحات الربط التجاري»، خاصة في ظل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر التي أدت إلى ارتفاع أقساط التأمين وإطالة زمن العبور وزيادة تكلفة الشحن، بينما يبقى احتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز مصدر قلق قد يؤدي إلى تحويل مسارات التجارة بعيدًا عن موانئ الخليج.
وأكد الحسن كذلك أن الحفاظ على زخم المفاوضات التجارية قد يكون صعبًا، إذ لا تزال المحادثات مع كتل اقتصادية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي والهند واليابان في حالة «جمود» لأسباب اقتصادية وسياسية مختلفة.
ورغم أن القطاع غير النفطي يواصل توسّعه داخل اقتصادات الخليج، فإن النفط لا يزال يمثل قرابة 30%من الناتج المحلي الإجمالي المشترك لدول المجلس، وأكثر من 64%من الإيرادات الحكومية. وفي الوقت ذاته، ومع تنامي التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة في مجال المعادن النادرة والحيوية، شدد الحسن على ضرورة تحقيق تماسك السياسات بين دول مجلس التعاون الخليجي لضمان تحويل هذه الجهود إلى سوق خليجية مشتركة متكاملة تقدر قيمتها بأكثر من 2 تريليون دولار.
تؤكد التجربة الخليجية الحديثة أن بناء شبكة تجارية متينة لا يقوم فقط على إبرام الاتفاقيات الاقتصادية، بل يعتمد على قدرة الدول على استشراف التحولات العالمية والتكيف معها بفعالية. ورغم ما تواجهه المنطقة من تحديات تتعلق بالاستقرار الجيوسياسي والتقلبات التجارية، فإن نجاحها في تعزيز مكانتها كمركز عالمي للتجارة والاستثمار يبرهن على نضج سياساتها الاقتصادية ووضوح رؤيتها المستقبلية. ومع استمرار الجهود نحو التكامل الإقليمي وتوسيع الشراكات مع الاقتصادات الصاعدة، يبدو أن دول الخليج تتجه بثبات نحو مرحلة جديدة من النفوذ الاقتصادي المستدام والريادة التجارية العالمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك