العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المرونة الخليجية في مواجهة التنافس الاقتصادي العالمي المتزايد

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬التموضع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية‭. ‬فالعالم‭ ‬اليوم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعددية‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة‭ ‬وتنافس‭ ‬محتدم‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا‭ ‬ومرونة‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وتأتي‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تتطلب‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬التقليدية‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬الرئيسيين،‭ ‬واستكشاف‭ ‬آفاق‭ ‬تعاون‭ ‬جديدة‭ ‬تواكب‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية‭ ‬والتحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬الجيوستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬جورجيو‭ ‬كافييرو،‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬جلف‭ ‬ستيت‭ ‬أناليتيكس،‭ ‬بـ«مرحلة‭ ‬الحساب‮»‬‭ ‬نتيجةً‭ ‬لرد‭ ‬واشنطن‭ ‬المحدود‭ ‬على‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬المتصاعدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران،‭ ‬تعمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تعريفات‭ ‬جمركية‭ ‬جديدة‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬التحرير‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬–‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬ذكره‭ ‬آلان‭ ‬بيتي،‭ ‬بصحيفة‭ ‬فاينانشال‭ ‬تايمز–‭ ‬من‭ ‬‮«‬خطوة‭ ‬مربكة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الستة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2025‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬التوقعات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بنظام‭ ‬التعريفات‭ ‬الجمركية‭ ‬الأمريكي‭ ‬ستشهد‭ ‬انخفاضًا‭ ‬في‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الدكتور‭ ‬حسن‭ ‬الحسن،‭ ‬الزميل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بـالمعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تواصل‭ ‬‮«‬إنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التجارة‭ ‬التفضيلية‭ ‬لضمان‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعزيز‭ ‬مرونتها‮»‬‭. ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬‮«‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬سمعتها‭ ‬الراسخة‭ ‬كموردين‭ ‬موثوقين‭ ‬للطاقة‭ ‬لترسيخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كشركاء‭ ‬يعتمد‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشراكات‭ ‬تكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬ضمن‭ ‬خطط‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭%‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬النفطي،‭ ‬الذي‭ ‬يواصل‭ ‬نموه‭ ‬بمعدل‭ ‬يتجاوز‭ ‬6‭%‬سنويًّا‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬أشار‭ ‬تشاد‭ ‬باون،‭ ‬الزميل‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬بيترسون‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬‮«‬دخلت‭ ‬عالمًا‭ ‬جديدًا‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬نظام‭ ‬التعريفات‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬الحسن‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أنظمة‭ ‬التعريفات‭ ‬التمييزية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التنافس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتزايد‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الصين،‭ ‬خلقت‭ ‬فرصًا‭ ‬لما‭ ‬يسميه‭ ‬بـ‮«‬دول‭ ‬الرابطة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تضع‭ ‬نفسها‭ ‬كوسطاء‭ ‬موثوقين‭ ‬بين‭ ‬الكتل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬لتصبح‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬طرق‭ ‬سريعة‭ ‬للتجارة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬تجاري‭ ‬يزداد‭ ‬اختناقًا‮»‬‭.‬

وباعتبار‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬يشكل‭ ‬أصلًا‭ ‬محورًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬للتجارة‭ ‬والأعمال‭ ‬العالمية‭ ‬–‭ ‬إذ‭ ‬يُعد‭ ‬مطار‭ ‬دبي‭ ‬الدولي‭ ‬الأكثر‭ ‬ازدحامًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬للمسافرين‭ ‬الدوليين،‭ ‬ويأتي‭ ‬ميناء‭ ‬جبل‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬التاسعة‭ ‬عالميًّا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬الحركة،‭ ‬والأكثر‭ ‬ازدحامًا‭ ‬خارج‭ ‬شرق‭ ‬آسيا–‭ ‬فقد‭ ‬وثّق‭ ‬الحسن‭ ‬كيف‭ ‬اعتمدت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭ ‬الجوانب‭ ‬تشمل‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬تفضيلي‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬وبناء‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬متطورة‭ ‬للاتصال‭ ‬والنقل،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬حيادها‭ ‬الجيوسياسي‭.‬

ويتجلى‭ ‬دور‭ ‬المنطقة‭ ‬كمحور‭ ‬تجاري‭ ‬عالمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأثر‭ ‬صادراتها‭ ‬بشكل‭ ‬محدود‭ ‬نسبيًا‭ ‬بتعريفات‭ ‬ترامب‭ ‬مقارنةً‭ ‬بدول‭ ‬أخرى،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬–‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬–‭ ‬واجهت‭ ‬زيادات‭ ‬جمركية‭ ‬تجاوزت‭ ‬40‭%‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬خضعت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بفائض‭ ‬تجاري‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬لتعريفة‭ ‬منخفضة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬10‭%‬،‭ ‬كما‭ ‬استفادت‭ ‬صادراتها‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬والمعادن‭ ‬والمواد‭ ‬الكيميائية‭ ‬والأدوية‭ ‬من‭ ‬إعفاءات‭ ‬جمركية‭ ‬كاملة‭ ‬أو‭ ‬جزئية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يرى‭ ‬جريجروي‭ ‬برو،‭ ‬كبير‭ ‬المحللين‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬أوراسيا،‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الجمركي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الجديد‭ ‬لن‭ ‬يشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬فعليًا‭ ‬للعلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬قيمتها‭ ‬1‭.‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬للخليج‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025‭.‬

وأشار‭ ‬الحسن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شروط‭ ‬التعريفات‭ ‬المواتية‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬ستمنح‭ ‬ميزة‭ ‬تكلفة‭ ‬للمصدرين‭ ‬الخليجيين‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمنافسين‭ ‬الذين‭ ‬يواجهون‭ ‬تعريفات‭ ‬أعلى،‭ ‬موضحًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬السعودية‭ ‬2030‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬رفع‭ ‬مساهمة‭ ‬الصادرات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬50‭%‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العقد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تسعى‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬صادراتها‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬بنسبة‭ ‬43‭%‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2031‭.‬

ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬وثّق‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وجود‭ ‬اثنتي‭ ‬عشرة‭ ‬مفاوضة‭ ‬جارية‭ ‬حول‭ ‬اتفاقيات‭ ‬تجارة‭ ‬حرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬أبرمتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬فردي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬29‭ ‬دولة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬وتساعد‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬السياسات‭ ‬الحمائية،‭ ‬كما‭ ‬تشارك‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬مبادرات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬مثل‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬مضاعفة‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬بكين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬إلى‭ ‬180‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2021‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يصبح‭ ‬بعد‭ ‬لاعبًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬في‭ ‬‮«‬الممر‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬للتجارة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والصين‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬مرورًا‭ ‬بآسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬–‭ ‬فإن‭ ‬المجلس‭ ‬الأطلسي‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القمم‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ودول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬أبرزت‭ ‬تعاونًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬واستثمارات‭ ‬خليجية‭ ‬متنامية‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للمنطقة‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬وثّق‭ ‬الدكتور‭ ‬جون‭ ‬كالابريس،‭ ‬الأستاذ‭ ‬المساعد‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بواشنطن‭ ‬والزميل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أن‭ ‬الإمارات‭ ‬والسعودية‭ ‬تسعيان‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭ ‬مثل‭ ‬الليثيوم‭ ‬والكوبالت‭ ‬والنحاس‭ ‬اللازمة‭ ‬لتصنيع‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬كالألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬والبطاريات‭ ‬والمركبات‭ ‬الكهربائية‭. ‬وتنعكس‭ ‬موثوقية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كشريك‭ ‬اقتصادي‭ ‬في‭ ‬موافقة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025‭ ‬للتعاون‭ ‬في‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭ ‬والنادرة،‭ ‬والتي‭ ‬أعقبت‭ ‬إعلان‭ ‬الرياض‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬استثماري‭ ‬بقيمة‭ ‬100‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لتعدين‭ ‬ومعالجة‭ ‬مواردها‭ ‬المعدنية‭ ‬غير‭ ‬المستغلة‭ ‬التي‭ ‬تُقدّر‭ ‬قيمتها‭ ‬بنحو‭ ‬2.5‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭.‬

وبينما‭ ‬تواصل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تعزيز‭ ‬اتفاقياتها‭ ‬التجارية،‭ ‬تقترب‭ ‬مفاوضاتها‭ ‬مع‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬2022–‭ ‬من‭ ‬مراحلها‭ ‬النهائية،‭ ‬حيث‭ ‬تُعد‭ ‬بريطانيا‭ ‬رابع‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬لدول‭ ‬المجلس‭ ‬بقيمة‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬72‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭. ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬المنتظرة،‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الرئيسية‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬ستزيد‭ ‬التجارة‭ ‬الثنائية‭ ‬بنسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬16‭%‬سنويًا،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭.‬85‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬اتفاقيات‭ ‬لم‭ ‬تُبرم‭ ‬بعد،‭ ‬أبرزها‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬بنسبة‭ ‬11‭%‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬تجارتها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬بقيمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬75‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬سنويًا‭. ‬ورغم‭ ‬صدور‭ ‬بيان‭ ‬مشترك‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2022‭ ‬يؤكد‭ ‬‮«‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬لم‭ ‬تُستأنف‭ ‬بعد‭ ‬مفاوضات‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬المتوقفة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2008‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬شهد‭ ‬أبريل‭ ‬2025‭ ‬إطلاق‭ ‬محادثات‭ ‬ثنائية‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والإمارات‭ ‬حول‭ ‬اتفاقية‭ ‬تجارة‭ ‬حرة‭ ‬تستهدف‭ ‬خفض‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬وتسهيل‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والمعادن‭ ‬الأساسية‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬فتُقدّر‭ ‬قيمة‭ ‬التجارة‭ ‬الثنائية‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬178‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬15‭%‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬تجارتها‭ ‬العالمية،‭ ‬وتُعد‭ ‬الإمارات‭ ‬والسعودية‭ ‬أبرز‭ ‬مورّدي‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬للهند‭. ‬وقد‭ ‬وقّعت‭ ‬نيودلهي‭ ‬اتفاقية‭ ‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الشاملة‭ ‬مع‭ ‬الإمارات‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬التجارة‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬100‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬هذا‭ ‬العام‭.‬

ورغم‭ ‬غياب‭ ‬مفاوضات‭ ‬رسمية‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ككتلة‭ ‬واحدة،‭ ‬أكد‭ ‬جوناثان‭ ‬فولتون،‭ ‬الزميل‭ ‬الأول‭ ‬غير‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬الأطلسي،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬أساسًا‭ ‬قويًا‭ ‬لتعميق‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬فرض‭ ‬ترامب‭ ‬تعريفات‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭%‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬الهندية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬يرى‭ ‬الدكتور‭ ‬نيل‭ ‬كويليام،‭ ‬الزميل‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬تشاتام‭ ‬هاوس،‭ ‬أن‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬ستكونان‭ ‬المستفيدتين‭ ‬الرئيسيتين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الجيواقتصادي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تجنب‭ ‬التداعيات‭ ‬الكبرى‭ ‬لنظام‭ ‬ترامب‭ ‬الجمركي،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬قائمة‭. ‬فقد‭ ‬حذر‭ ‬الحسن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬–كما‭ ‬أشارت‭ ‬إليه‭ ‬منظمات‭ ‬مثل‭ ‬الأونكتاد‭ ‬وصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬–‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التحوط‭ ‬ضد‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬وانخفاض‭ ‬الطلب‭ ‬عبر‭ ‬مواصلة‭ ‬تنويع‭ ‬صادراتها‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬استقرارًا‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

كما‭ ‬أشار‭ ‬الزميل‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬تحديًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لطموحات‭ ‬الربط‭ ‬التجاري‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هجمات‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬وإطالة‭ ‬زمن‭ ‬العبور‭ ‬وزيادة‭ ‬تكلفة‭ ‬الشحن،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬احتمال‭ ‬اضطراب‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬موانئ‭ ‬الخليج‭.‬

وأكد‭ ‬الحسن‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬زخم‭ ‬المفاوضات‭ ‬التجارية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬صعبًا،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المحادثات‭ ‬مع‭ ‬كتل‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬جمود‮»‬‭ ‬لأسباب‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬مختلفة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬يواصل‭ ‬توسّعه‭ ‬داخل‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يمثل‭ ‬قرابة‭ ‬30‭%‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬المشترك‭ ‬لدول‭ ‬المجلس،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬64‭%‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬الحكومية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬والحيوية،‭ ‬شدد‭ ‬الحسن‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬تماسك‭ ‬السياسات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬لضمان‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬خليجية‭ ‬مشتركة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقدر‭ ‬قيمتها‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭.‬

تؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬تجارية‭ ‬متينة‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬إبرام‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬والتكيف‭ ‬معها‭ ‬بفعالية‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬تواجهه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬والتقلبات‭ ‬التجارية،‭ ‬فإن‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬كمركز‭ ‬عالمي‭ ‬للتجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬نضج‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ووضوح‭ ‬رؤيتها‭ ‬المستقبلية‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الجهود‭ ‬نحو‭ ‬التكامل‭ ‬الإقليمي‭ ‬وتوسيع‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصاعدة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تتجه‭ ‬بثبات‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭ ‬والريادة‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا