أصبحت المعادن الحيوية اليوم عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، مع تزايد الاعتماد عليها في التقنيات المتقدمة والتحول نحو أنظمة طاقة منخفضة الكربون. وفي هذا السياق، لم يعد دور الدول المنتجة للطاقة التقليدية مقتصرًا على أسواق النفط والغاز، بل بات مرتبطًا بقدرتها على التكيّف مع التحولات البنيوية في سلاسل الإمداد العالمية للمواد الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، تبرز دول الخليج العربي كلاعب ناشئ يسعى إلى إعادة تموضعه داخل قطاع المعادن الحيوية، كلٌّ وفق أدواته وإمكاناته وخياراته السيادية.
أدى التسارع الكبير في تطور التقنيات والأنظمة الحديثة، بما في ذلك المركبات الكهربائية وتقنيات البطاريات والذكاء الاصطناعي، التي تسهم في تسريع التحول العالمي في قطاع الطاقة، إلى نمو لافت في السوق العالمية للمعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، حيث بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 328 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تتجاوز 586 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032.
وفي هذا السياق، عززت الاقتصادات الكبرى حول العالم حضورها في هذا القطاع الاستراتيجي، ولم تكن دول الخليج العربي، الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، استثناءً من هذا التوجه. ومع تأكيد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن هذه الدول توسع طموحاتها من خلال عمليات استحواذ مدروسة وشراكات دولية، انصب اهتمام مراكز الفكر والمؤسسات المالية ووسائل الإعلام والمحللين الغربيين بشكل رئيسي على برامج المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارهما أكبر المستثمرين في قطاع المعادن الحيوية في المنطقة.
وأوضح سعيد بكر، الباحث المشارك في معهد دول الخليج العربية، أن «النهج والاستراتيجيات» التي تعتمدها الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تختلف بشكل ملحوظ، إذ تركز بعض الدول على التنقيب والاستخراج المحلي، بينما تعتمد دول أخرى على استثمارات خارجية واسعة النطاق. وأشار بكر إلى أن البحرين وقطر وسلطنة عُمان تتبنى مقاربة استثمارية أكثر انتقائية مقارنةً بالسعودية والإمارات، بما يعكس أولوياتها الوطنية وإمكاناتها المختلفة ضمن المشهد العالمي لصناعة المعادن.
ومن جانبه، أوضح إيوان سادن، خبير المعادن والتعدين في مؤسسة ستاندرد آند بورز العالمية، أن مساعي دول مجلس التعاون الخليجي لتقليل اعتمادها على عائدات الهيدروكربونات تدفعها إلى تنمية قطاع التعدين محليًا ودوليًا، بهدف الاستفادة من الطلب المتزايد على المعادن الحيوية في ظل التحول العالمي للطاقة. وفي هذا الإطار، شدد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية على أهمية تأمين إمدادات مستقرة ومستدامة من هذه المعادن، ولا سيما الليثيوم، إلى جانب النحاس والنيكل والعناصر الأرضية النادرة.
وفي حالة المملكة العربية السعودية، التي تُقدَّر قيمة احتياطاتها المعدنية بأكثر من 2.5 تريليون دولار أمريكي، تتوقع رؤية 2030 أن يرتفع إسهام قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 17 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 75 مليار دولار بحلول عام 2030.
وضمن هذا الإطار، جاء الاتفاق الاستراتيجي الذي أُعلن في نوفمبر 2025 بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز التعاون في تأمين الوصول إلى المعادن النادرة، ليعكس، بحسب غريسلين باسكران، مديرة برنامج أمن المعادن الحيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مكانة المملكة المتنامية كمركز عالمي للتكرير والمعالجة.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد أشارت إليونورا أرديماني، الباحثة المشاركة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، إلى أن رؤية أبوظبي الاقتصادية 2030 تصنف المعادن الحيوية كثالث أهم محرك لتنويع الاقتصاد بعد النفط والغاز. وفي هذا السياق، أنشأت الإمارات شبكة استثمارية واسعة تمتد من أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في إفريقيا، إلى البرازيل وبيرو في أمريكا الجنوبية، وصولًا إلى باكستان في جنوب آسيا.
ورغم أن مملكة البحرين لا تمتلك الحجم نفسه من الموارد المعدنية المتوافرة لدى السعودية أو الإمارات، فإنها أبدت اهتمامًا واضحًا بدخول قطاع المعادن الحيوية، مع تسجيل ريادة إقليمية في مجال بالغ الأهمية، يتمثل في التعدين في أعماق البحار.
وقد برز التعدين في أعماق البحار سريعًا كأحد المجالات الواعدة لاستخراج الموارد المعدنية الحيوية، ليصبح في الوقت نفسه ساحة جديدة للتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين. وفي سبتمبر 2025، أصبحت البحرين أول دولة في المنطقة تدعم مشروعًا للتعدين في أعماق البحار، من خلال دعمها لطلب شركة «إمبوسيبل ميتالز» الأمريكية، المقدَّم إلى السلطة الدولية لقاع البحار، للحصول على ترخيص للتنقيب في جزء من المحيط الهادئ المعروف باحتوائه على كميات كبيرة من النيكل والنحاس والمنغنيز.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، أوليفر جوناسيكارا، أن البحرين تمتلك رأس المال والطاقة اللازمة لدعم هذا النوع من المشاريع، التي تخطط الشركة لتنفيذها باستخدام تقنيات روبوتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي للحد من الأضرار البيئية.
كما أوضحت صحيفة فايننشال تايمز أن عدم مشاركة الحكومة الأمريكية في آلية الترخيص التابعة للسلطة الدولية لقاع البحار يجعل الشركات الأمريكية معتمدة على دعم دول أخرى لتمويل أنشطة التنقيب في المياه الدولية، وهو ما جعل الدور البحريني عاملًا حاسمًا في تقدم هذه المشاريع. وقد أكدت المنامة هذا التوجه في دعمها لمبادرة شركة «إمبوسيبل ميتالز»، بهدف العمل وفق معايير أخلاقية والمساهمة المباشرة في التحول العالمي للطاقة من خلال تأمين المعادن الحيوية بصورة مسؤولة.
وفي سياق موازٍ، ورغم أن قطر تتبع نموذجًا قريبًا من نموذج الإمارات في الاستثمار الخارجي واسع النطاق، أشار بكر إلى أن المقاربة القطرية أكثر تحفظًا، إذ تركز الدوحة على تحقيق عوائد مالية عبر الاستحواذ على حصص في شركات تعدين قائمة، بدلًا من الاستثمار المباشر في تشغيل المناجم.
وفي خطوة لافتة، وافقت هيئة قطر للاستثمار في صيف عام 2024 على استثمار 180 مليون دولار من أصل 300 مليون دولار جمعتها شركة التعدين «تيك ميت» التي تتخذ من دبلن مقرًا لها، وهو ما وصفته صحيفة فايننشال تايمز حينها بأنه أول تعاون من نوعه بين مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة ودولة خليجية عربية، ومؤشرًا على تحول مهم في التنافس الجيوسياسي بين واشنطن وبكين للسيطرة على إمدادات العناصر الأرضية النادرة.
وأوضحت وكالة الطاقة الدولية أن هذه الاستثمارات ستُستخدم لتطوير أصول الشركة القائمة وتوسيع إنتاج معادن حيوية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت، التي تعد أساسية لدعم التحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي ظل فترة من ضعف السوق المرتبطة بإمدادات هذه المعادن، أعلنت شركة «تيك ميت» نيتها التقدم بعطاءات للحصول على حقوق استغلال رواسب معدنية في أوكرانيا، بدعم من الحكومة الأمريكية. واستكمالًا لهذا التوجه، أعلنت هيئة قطر للاستثمار في سبتمبر 2025 عن استثمار إضافي بقيمة 500 مليون دولار في شركة «إيفانهو ماينز» الكندية، التي تدير مشاريع في جنوب أفريقيا، من بينها أكبر رواسب النحاس عالية الجودة في العالم.
وأفادت وكالة بلومبيرج بأن صندوق الثروة السيادية القطري، بقيادة الرئيس التنفيذي محمد السويدي، من المتوقع أن يعزز استثماراته بمليارات الدولارات التي ستنتج عن توسع مشاريع الغاز المحلية، مع توجيه جزء كبير منها إلى تأمين إمدادات المعادن الحيوية. غير أن بكر رأى أن تبني نهج استثماري موجه يمنح قطر فرصة للاستفادة من هذا القطاع مع تجنب المخاطر التشغيلية المرتبطة بإدارة مشاريع التعدين بشكل مباشر.
أما سلطنة عُمان، فقد صنفت قطاع التعدين ضمن القطاعات الاستراتيجية في رؤيتها الوطنية 2040، إلى جانب التصنيع والنقل والسياحة والأمن الغذائي، في إطار جهودها الشاملة لتنويع الاقتصاد. وبيّن بكر أن الاستراتيجية العُمانية ترتكز بشكل أساسي على التنمية المحلية، على غرار النموذج السعودي، ولكن ضمن نطاق أصغر يتناسب مع قدرات السلطنة.
ورغم أن جبال عُمان معروفة باحتوائها على رواسب كبيرة من معادن مثل الكروميت والكوبالت والذهب والمغنيسيوم والنيكل والفضة والزنك، فقد أشارت إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأمريكية سابقًا إلى أن هذه الموارد لا تزال غير مستغلة بالكامل.
إلا أن هذا الواقع بدأ يشهد تحولًا واضحًا منذ عام 2025، إذ وصف ويل أوين، محرر مجلة «جلوبال ماينينغ ريفيو»، أول شحنة تصدير لمركزات النحاس من السلطنة منذ نحو ثلاثين عامًا في يناير 2025 بأنها خطوة كبيرة تعزز مكانة عُمان كلاعب موثوق في الأسواق العالمية، في وقت يشهد فيه الطلب على النحاس ارتفاعًا ملحوظًا بسبب استخدامه في البطاريات المتقدمة والمركبات الكهربائية.
وعلاوة على ذلك، وفي أول اتفاقية استكشاف معادن تُبرمها سلطنة عُمان مع شريك أجنبي، وقعت وزارة الطاقة والمعادن في مارس 2023 اتفاقية مع شركة «نايتس باي» البريطانية لاستخراج النيكل. وفي أغسطس 2025، أُبرمت ثلاث اتفاقيات إضافية مع شركتي «جلف لتعدين المواد» و«نوفيل مسقط الدولية» لاستخراج النحاس والكروم ومواد خام أخرى مثل الحجر الجيري والسيليكا، بقيمة إجمالية تجاوزت 500 مليون دولار أمريكي.
كما جرى، خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مسقط في أكتوبر 2025، توقيع مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون في قطاع التعدين، شملت إنشاء صندوق استثماري مشترك برأس مال قدره 500 مليون دولار أمريكي.
وكما هو الحال في السعودية والإمارات، يمكن فهم تنوع الشراكات التي تعقدها دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى مع دول وشركات من مختلف أنحاء العالم بوصفه تأكيدًا لسعيها لتحقيق استقلال استراتيجي واقتصادي، يسمح لها بالحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من الشرق والغرب، في ظل تصاعد المنافسة بين التكتلات التي تقودها الولايات المتحدة والصين.
وعلى الصعيد المحلي، خلص بكر إلى أن دول الخليج العربي، رغم اختلاف مقارباتها، تنشط بشكل متزايد في قطاع المعادن الحيوية ضمن استعدادها لمرحلة ما بعد الهيدروكربونات. وتعكس هذه المناهج المتباينة الخصائص الوطنية لكل دولة من حيث الموارد والأولويات والطموحات، فبينما تتسم مشاريع السعودية والإمارات بضخامتها، ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن عددًا من مشاريع الرياض لا يزال في مراحله المبكرة أو المفاهيمية، فإن مشاريع واستثمارات البحرين وقطر وسلطنة عُمان تتقدم بوتيرة متقاربة، بما يتماشى مع النمو السريع للسوق العالمية للمعادن الحيوية.
تكشف التجارب المتباينة لدول مجلس التعاون الخليجي في قطاع المعادن الحيوية عن مسار تحولي أوسع يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية بعيدة المدى. فبينما تتجه بعض الدول إلى بناء قواعد إنتاج محلية وتطوير سلاسل قيمة متكاملة، تفضّل أخرى توظيف أدوات الاستثمار الخارجي لتأمين موطئ قدم في هذا القطاع دون تحمّل أعباء تشغيلية مباشرة.
ويعكس هذا التنوع قدرة دول الخليج على مواءمة سياساتها مع واقعها الوطني ومتطلبات السوق العالمية، بما يمنحها هامش حركة أوسع في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة على الموارد الحيوية.
وفي ظل استمرار التحول العالمي في الطاقة، من المرجح أن يتعمق حضور الخليج في هذا القطاع، ليس فقط كمستثمر أو منتج، بل كشريك مؤثر في صياغة مستقبل سلاسل إمداد المعادن الحيوية عالميًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك