يوم الخميس الماضي كنت في مقهى قريب من بيتي، أنتظر صديقتي المتأخرة كعادتها. أراقب الوقت وأقلِّب هاتفي، حين انتبهت إلى رجل يطلب من أحد الموظفين مخدة صغيرة ليرفع بها الكرسي قليلًا.
كان الكرسي أعلى مما يناسب طوله بقليل، من ذلك المقاس الذي نراه في أغلب المقاهي. ردّ عليه الموظف بهدوء أن المخدات غير متوفرة، ثم عاد لمسح الطاولة المجاورة. لم يكن تجاهلاً، فقط أن الموضوع انتهى. لم يتذمر الرجل، ولم يبدُ عليه إحراج، وكل واحد عاد إلى ما كان عليه.
لا أعرف لماذا علِقت هذه التفصيلة في ذهني. في اللحظة نفسها بدت عادية، لكن شيئاً فيها ظل يقلقني. عدَّل جلسته مرة، ثم مرة أخرى. لم يكن هناك ما يُقال. فقط خطر لي أن بعض الناس اعتادوا أن يتدبّروا أوضاعهم وحدهم.
في مقاهينا ومطاعمنا وأماكننا العامة، نمرّ بمشاهد كهذه يومياً. في تلك اللحظة لم يكن الأمر عن كرسي أو مخدة، وإنما عن كل المرات التي رأينا فيها احتياجاً صغيراً وتجاوزناه، بينما نطمئن أننا نعامل الجميع بالطريقة نفسها.
بعد ذلك، بدأت أتوقف عند فكرة المساواة كما نرددها عادة. تبدو مريحة حين تُقال، كأننا أدّينا ما علينا. لكن المساواة الشكلية تريحنا نحن، بينما تظل الفجوة قائمة. حين نضع السلّم نفسه أمام الجميع، ننسى أن بعضهم يقف على أرض غير مستوية.
أحب مقولة: «المساواة هي أن تعطي الجميع حذاءً بنفس المقاس، أما العدالة فهي أن تعطي كل شخص الحذاء الذي يناسب قدمه». الفرق بسيط في الكلام، لكنه كبير في الواقع تماماً كإعطاء جميع الطلاب نفس الوقت للامتحان، متجاهلين أن بعضهم يحتاج وقتاً إضافياً بسبب اختلاف في طريقة التعلم أو ظروف صحية ومن المطمئن أن نظامنا التعليمي في البحرين، لله الحمد، أصبح يُولي هذا الجانب اهتماماً متزايداً.
وحين بدأت أنظر بهذه الطريقة، صرت ألتفت إلى أشياء كنت أمرّ عليها دون انتباه: الكراسي في الأماكن العامة، ارتفاع الطاولات، المداخل، حتى طريقة ترتيب المساحات. تفاصيل تمرّ بهدوء مئات المرات، نراها ثم نكمل يومنا، كأنها لا تستحق التوقف.
وأتذكر موظفة في القسم الذي ترأسته. كانت تذهب إلى غسيل الكلى مرتين أسبوعياً، وتعود في اليوم التالي للعمل كالمعتاد. لم تكن تشتكي، ولم تطلب امتيازات. لكنني كنت أراها تتحرك ببطء بعد الجلسات، وألاحظ الإرهاق في عينيها حين يطول الاجتماع.
في التقييم السنوي، كان أداؤها «جيداً»، بينما حصل زملاؤها على «ممتاز». لم يكن أحد يعرف أن مجرد حضورها كان إنجازاً بحد ذاته.
قد تبدو الفرص متساوية في الظاهر، لكن الطريق ليس دائماً بنفس الطول. وعندما يصل بعضهم إلى المساء، بعد جهد لا يُرى، لا يظهر هذا في السيرة الذاتية، ولا يجد طريقه إلى تقارير الأداء.
هناك تفاصيل نعيشها في يومنا العادي: في البيت، في العمل، في الطريق، وفي الأماكن التي نتشاركها. نتعامل مع الناس كأن الطريق متشابه، ثم نستغرب حين لا يصل الجميع في الوقت نفسه.
العدالة ليست مسؤولية الأنظمة وحدها، بل تبدأ من خياراتنا اليومية الصغيرة. نراها في لحظات بسيطة: في كلمة طيبة، في قرار يراعي اختلاف الظروف، في استعدادنا أن نسمع القصة كاملة قبل الحكم. كلمة واحدة قد تغيّر شعور إنسان بأنه مرئي. أحيانًا يكفي أن ننتبه، أو أن نغيّر تفصيلة صغيرة، بدلا من أن نترك الآخرين يتكيّفون بلا شكوى.
العدالة لا تحتاج خطباً طويلة أو قرارات كبيرة. تبدأ من سؤال بسيط نطرحه على أنفسنا: هل هذا القرار، هذا المكان، هذا النظام، يناسب الجميع فعلاً؟ وحين تكون الإجابة «لا»، هل نملك الاستعداد لتغيير شيء، ولو صغير؟ وحين يغيب هذا الانتباه، حتى ما نراه عادلاً يبدو فارغا من الدفء.
المخدة الصغيرة ظلت معي. علّمتني أن ما نراه بسيطاً قد يكون معقداً لغيرنا، وأن صمتنا ليس حيادياً أبداً. علّمتني أن نسأل، أن نرى، أن نفعل شيئاً حين نستطيع.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك