العدد : ١٧٥٠٦ - الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٦ - الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف نعيد التفكير في مفاهيم أساسية للحياة؟

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬بيتي،‭ ‬أنتظر‭ ‬صديقتي‭ ‬المتأخرة‭ ‬كعادتها‭. ‬أراقب‭ ‬الوقت‭ ‬وأقلِّب‭ ‬هاتفي،‭ ‬حين‭ ‬انتبهت‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الموظفين‭ ‬مخدة‭ ‬صغيرة‭ ‬ليرفع‭ ‬بها‭ ‬الكرسي‭ ‬قليلًا‭.‬

كان‭ ‬الكرسي‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬يناسب‭ ‬طوله‭ ‬بقليل،‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المقاس‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬المقاهي‭. ‬ردّ‭ ‬عليه‭ ‬الموظف‭ ‬بهدوء‭ ‬أن‭ ‬المخدات‭ ‬غير‭ ‬متوفرة،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬لمسح‭ ‬الطاولة‭ ‬المجاورة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تجاهلاً،‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬انتهى‭. ‬لم‭ ‬يتذمر‭ ‬الرجل،‭ ‬ولم‭ ‬يبدُ‭ ‬عليه‭ ‬إحراج،‭ ‬وكل‭ ‬واحد‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭.‬

لا‭ ‬أعرف‭ ‬لماذا‭ ‬علِقت‭ ‬هذه‭ ‬التفصيلة‭ ‬في‭ ‬ذهني‭. ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭ ‬بدت‭ ‬عادية،‭ ‬لكن‭ ‬شيئاً‭ ‬فيها‭ ‬ظل‭ ‬يقلقني‭. ‬عدَّل‭ ‬جلسته‭ ‬مرة،‭ ‬ثم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭. ‬فقط‭ ‬خطر‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬اعتادوا‭ ‬أن‭ ‬يتدبّروا‭ ‬أوضاعهم‭ ‬وحدهم‭.‬

في‭ ‬مقاهينا‭ ‬ومطاعمنا‭ ‬وأماكننا‭ ‬العامة،‭ ‬نمرّ‭ ‬بمشاهد‭ ‬كهذه‭ ‬يومياً‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬عن‭ ‬كرسي‭ ‬أو‭ ‬مخدة،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬المرات‭ ‬التي‭ ‬رأينا‭ ‬فيها‭ ‬احتياجاً‭ ‬صغيراً‭ ‬وتجاوزناه،‭ ‬بينما‭ ‬نطمئن‭ ‬أننا‭ ‬نعامل‭ ‬الجميع‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭.‬

بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬فكرة‭ ‬المساواة‭ ‬كما‭ ‬نرددها‭ ‬عادة‭. ‬تبدو‭ ‬مريحة‭ ‬حين‭ ‬تُقال،‭ ‬كأننا‭ ‬أدّينا‭ ‬ما‭ ‬علينا‭. ‬لكن‭ ‬المساواة‭ ‬الشكلية‭ ‬تريحنا‭ ‬نحن،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الفجوة‭ ‬قائمة‭. ‬حين‭ ‬نضع‭ ‬السلّم‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬الجميع،‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬غير‭ ‬مستوية‭.‬

أحب‭ ‬مقولة‭: ‬‮«‬المساواة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬الجميع‭ ‬حذاءً‭ ‬بنفس‭ ‬المقاس،‭ ‬أما‭ ‬العدالة‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬الحذاء‭ ‬الذي‭ ‬يناسب‭ ‬قدمه‮»‬‭. ‬الفرق‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬لكنه‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تماماً‭ ‬كإعطاء‭ ‬جميع‭ ‬الطلاب‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬للامتحان،‭ ‬متجاهلين‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬يحتاج‭ ‬وقتاً‭ ‬إضافياً‭ ‬بسبب‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬صحية‭ ‬ومن‭ ‬المطمئن‭ ‬أن‭ ‬نظامنا‭ ‬التعليمي‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬لله‭ ‬الحمد،‭ ‬أصبح‭ ‬يُولي‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬اهتماماً‭ ‬متزايداً‭.‬

وحين‭ ‬بدأت‭ ‬أنظر‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬صرت‭ ‬ألتفت‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬كنت‭ ‬أمرّ‭ ‬عليها‭ ‬دون‭ ‬انتباه‭: ‬الكراسي‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطاولات،‭ ‬المداخل،‭ ‬حتى‭ ‬طريقة‭ ‬ترتيب‭ ‬المساحات‭. ‬تفاصيل‭ ‬تمرّ‭ ‬بهدوء‭ ‬مئات‭ ‬المرات،‭ ‬نراها‭ ‬ثم‭ ‬نكمل‭ ‬يومنا،‭ ‬كأنها‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭.‬

وأتذكر‭ ‬موظفة‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الذي‭ ‬ترأسته‭. ‬كانت‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬غسيل‭ ‬الكلى‭ ‬مرتين‭ ‬أسبوعياً،‭ ‬وتعود‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬للعمل‭ ‬كالمعتاد‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تشتكي،‭ ‬ولم‭ ‬تطلب‭ ‬امتيازات‭. ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أراها‭ ‬تتحرك‭ ‬ببطء‭ ‬بعد‭ ‬الجلسات،‭ ‬وألاحظ‭ ‬الإرهاق‭ ‬في‭ ‬عينيها‭ ‬حين‭ ‬يطول‭ ‬الاجتماع‭.‬

‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬السنوي،‭ ‬كان‭ ‬أداؤها‭ ‬‮«‬جيداً‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬حصل‭ ‬زملاؤها‭ ‬على‭ ‬‮«‬ممتاز‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬حضورها‭ ‬كان‭ ‬إنجازاً‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭.‬

قد‭ ‬تبدو‭ ‬الفرص‭ ‬متساوية‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬لكن‭ ‬الطريق‭ ‬ليس‭ ‬دائماً‭ ‬بنفس‭ ‬الطول‭. ‬وعندما‭ ‬يصل‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬المساء،‭ ‬بعد‭ ‬جهد‭ ‬لا‭ ‬يُرى،‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬تقارير‭ ‬الأداء‭.‬

هناك‭ ‬تفاصيل‭ ‬نعيشها‭ ‬في‭ ‬يومنا‭ ‬العادي‭: ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬وفي‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬نتشاركها‭. ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬كأن‭ ‬الطريق‭ ‬متشابه،‭ ‬ثم‭ ‬نستغرب‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

العدالة‭ ‬ليست‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأنظمة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬خياراتنا‭ ‬اليومية‭ ‬الصغيرة‭. ‬نراها‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬بسيطة‭: ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬طيبة،‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬يراعي‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف،‭ ‬في‭ ‬استعدادنا‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬القصة‭ ‬كاملة‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭. ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭ ‬شعور‭ ‬إنسان‭ ‬بأنه‭ ‬مرئي‭. ‬أحيانًا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬ننتبه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نغيّر‭ ‬تفصيلة‭ ‬صغيرة،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬الآخرين‭ ‬يتكيّفون‭ ‬بلا‭ ‬شكوى‭.‬

العدالة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬خطباً‭ ‬طويلة‭ ‬أو‭ ‬قرارات‭ ‬كبيرة‭. ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬بسيط‭ ‬نطرحه‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬يناسب‭ ‬الجميع‭ ‬فعلاً؟‭ ‬وحين‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬‮«‬لا‮»‬،‭ ‬هل‭ ‬نملك‭ ‬الاستعداد‭ ‬لتغيير‭ ‬شيء،‭ ‬ولو‭ ‬صغير؟‭ ‬وحين‭ ‬يغيب‭ ‬هذا‭ ‬الانتباه،‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬عادلاً‭ ‬يبدو‭ ‬فارغا‭ ‬من‭ ‬الدفء‭. ‬

المخدة‭ ‬الصغيرة‭ ‬ظلت‭ ‬معي‭. ‬علّمتني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬بسيطاً‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬معقداً‭ ‬لغيرنا،‭ ‬وأن‭ ‬صمتنا‭ ‬ليس‭ ‬حيادياً‭ ‬أبداً‭. ‬علّمتني‭ ‬أن‭ ‬نسأل،‭ ‬أن‭ ‬نرى،‭ ‬أن‭ ‬نفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬حين‭ ‬نستطيع‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا