منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تشكل التحالف الأمريكي الأوروبي وتحول مع السنوات إلى حلف متين هو أساس حلف شمال الأطلسي وفي الأثناء نفذت أوروبا مشروعها للاتحاد الأوروبي من خلال معاهدات ماستيريخت في عام 1993 وفتحت أوروبا الباب ضمن سلسلة من الإجراءات لتوسيع الاتحاد ليشمل دول أوروبا الوسطى والشرقية التي كانت في معظمها دولا اشتراكية ضمن مجموعة من الشروط السياسية والاقتصادية من يستوفيها يكون له الحق في الانضمام لهذا الاتحاد وتدريجيا تحول هذا الاتحاد إلى قوة اقتصادية وأمنية ضخمة حتى أصبح يشمل أكثر من 20 دولة وهو ما يوازي في حجمه حلف شمال الأطلسي وقوته والذي تأسس بدوره قبل الاتحاد الأوروبي سنة 1949 وتوسع تدريجيا خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ليضم العديد من الدول التي بلغ عددها أكثر من 30 دولة.
هذا الحلف الأوروبي الأمريكي يطلق عليه مسمى حلف عبر الأطلسي كقوة استمرت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى الآن كقوة ضاربة لا تنافسها أي قوة أخرى على الصعيد الاقتصادي والعسكري.
إلا أن دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا العظمى استرخت تدريجيا واعتمدت على المظلة العسكرية والأمنية الأمريكية من خلال آلاف القوات العسكرية الموزعة على خارطة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وفي هذا السياق تفرغت هذه الدول لبناء الرخاء في المجتمعات الأوروبية بفضل هذه المظلة الأمريكية التي وفرت لها الحماية على حساب الأموال الأمريكية بشكل رئيسي والدليل على ذلك أن أغلب الإنفاق العسكري للدول الأوروبية لا يتجاوز 2% بل إن بعض الدول تنفق أقل من 1% وقد بينت الأحداث الأخيرة ومنذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة أن هذا الوضع كان في صالح أوروبا وهذا ما انتهت إليه الإدارة الأمريكية الجديدة ضمن الشعار الشهير «أمريكا أولا»، ولذلك سعت هذه الإدارة خلال سنة واحدة من حكم الرئيس ترامب إلى اتخاذ إجراءات سريعة وصارمة لتعديل هذا الوضع على ثلاثة مستويات على الأقل:
الأول: رفع الرسوم الجمركية الأمريكية على معظم المنتجات الأوروبية التي كانت تتمتع بشبه انعدام الرسوم في تجارتها مع الويات المتحدة الأمريكية في حين كانت دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا تفرض رسوما محددة على المنتجات الأمريكية التي تدخل السوق الأوروبية المشتركة وهذا معناه أن السلع الأمريكية تكون أعلى سعرا في السوق الأوروبية في حين أن السلع الأوروبية أقل سعرا في السوق الأمريكية والنتيجة هنا واضحة تميل للاتحاد الأوروبي وبريطانيا وهذا ما سعى الرئيس الأمريكي إلى تعديله بسرعة وحزم وبشكل واضح ومعلن.
الثاني: يتعلق بالأمن حيث أعلنت الإدارة الأمريكية بوضوح بأنها سوف تقلل التزامها العسكري الأمني تجاه حلف الناتو بتقديم المصلحة الأمريكية ودعت الإدارة الأمريكية بشكل واضح إلى رفع معدل الإنفاق العسكري في هذه البلدان إلى5% على الأقل. وعلى الأوروبيين شراء الأسلحة من السوق الأمريكية إن أرادوا.
الثالث: إعلان الولايات المتحدة الأمريكية بصراحة بأنها تعتزم الاستيلاء على جزيرة غرين لاند بغض النظر عن موقف الاتحاد الأوروبي المعارض لهذه الخطوة الأمريكية المستفزة والتي تتناقض مع التزام الحلفاء والشركاء.
إن هذه الخطوات الثلاث وغيرها جعلت أوروبا في حالة صدمة حقيقية وقد خرجت مثل ما يقول المثل الشعبي «من المولد بلا حمص» وهو المثل الذي يضرب لمن يخرج من معركة أو مفاوضات دولية دون أي فائدة أو مكاسب ففي هذا السياق الاقتصادي السياسي خرجت أوروبا بخسارة كبيرة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية الشريك والحليف فأوروبا تعيش اليوم مرحلة من الصدمة والخيبة ولكن الصدمة التي تعيد لها الوعي الذي بدأ يتشكل بشكل واضح سواء على صعيد الاتحاد الأوروبي أو على صعيد من دول الاتحاد الأوروبي التي اضطرت إلى اتخاذ إجراءات محددة لمواجهة هذا الوضع الجديد وغير المسبوق ومنها:
1 – البدء في رفع نسبة الإنفاق على الجانب العسكري وزيادة عديد الجيوش الأوروبية على الصعيد الوطني والتوسع في إنتاج الأسلحة الثقيلة والمتطورة وخاصة صناعة الصواريخ الفوق صوتية وذخائر وطائرات مسيرة التي أصبحت لها دور حاسم في المعارك الكبيرة فقد أعلنت هذه الدول بوضوح ميزانيات جديدة للإنفاق العسكري على حساب الجانب الاجتماعي على الرغم من الأوضاع الصعبة في هذا الدول التي تعيش مرحلة من الركود والتراجع الاقتصادي.
2 – الحديث بشكل علني عن إنشاء جيش أوروبي جديد يعوض الدور الأمريكي الذي استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم للاعتماد على النفس لأن الحليف الأمريكي لم يعد مضمونا على المدى القريب والمتوسط فما بالك على المدى البعيد.
3- انفتاح أوروبا على الشرق على دول أخرى كانت تمتنع عن التعاون معها مجاراة السياسة الأمريكية تجاهها مثل العلاقة مع الصين والهند وبدء إعلان إمكانية التواصل مع روسيا للبحث عن مصالح هذه الدول الأوروبية والبحث عن دول لها وزن في السياسة الدولية مثل التكتلات الصاعدة ومنها مجموعة بريكس.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك