عندما أراد الله تعالى استمرار الصلة به سبحانه وتعالى أنزل على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) معجزة مقروءة، ومسموعة، ومكتوبة ألا وهي القرآن الكريم، والقرآن سوف يظل معجزة الإسلام الدائمة والمستمرة بينما معجزات الأنبياء والرسل الكرام الذين سبقوا رسول الإسلام (صلوات الله وسلامه عليه) كانت مادية انتهت بموت هؤلاء الأنبياء، هي حجة على من عاصرها، وشهدها، ورأى بأم عينيه هذه المعجزات، وهي كذلك لأنها معجزات موقوتة برسائل موقوتة، لأنبياء موقوتين، فلما أراد الله تعالى ختم الرسالات برسالة النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) الأحزاب / 40.
لقد أراد الله تعالى لرسالة الإسلام الاستمرار، فجعل رسالته كتابًا (.. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فصلت / 42.
ولإثبات هذه الديمومة واستمرارها تعهد بحفظها من دون باقي الكتب المنزلة، قال سبحانه وتعالى: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحج / 9.
وللحفاظ على هذه المعجزة، واستمرار عطائها ميزه بميزة عظمى امتازت بها أمة الإسلام فجعل في ذاتها الخلود.
إذًا، فمن طبيعة هذه المعجزة أنها سجل حافل للبشرية يقص فيها الله تعالى تاريخ البشرية، قال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) يوسف / 3.
والقرآن الكريم لم يغمط الناس حقوقهم في أن يكون لهم تاريخ يقصه الأجداد على الأحفاد لكنه سبحانه قصر الحسن، البهاء، والجلال والجمال على قصص القرآن، وحين وصف القصص بأنه أحسن القصص فيه إشارة واضحة الدلالة إلي تميز القصص القرآني عن غيره من القصص، ولهذا حين يختلف الناس حول قضية من القضايا، أو قضية من قضايا الناس، ويطول حولها الجدل يأتي القرآن ليحسم هذا الخلاف، وينهي هذا الجدل، ومن أمثلة ذلك ما حصل لأهل قصة أهل الكهف، واختلاف الناس حولهم الذين كثرت حولهم الأقاويل، واشتد الخلاف في أسمائهم، وعددهم، وكل ما يتعلق بهم، قال تعالى (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهًا لقد قلنا إذًا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بَيِّنْ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا (15)) سورة الكهف.
وسورة الكهف فيها أحداث جليلة قصها الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم)، فرسول الإسلام بهذا قد تحققت له تمام المعرفة بقضية أهل الكهف، وما دار حولهم من قصص، وبهذا قد توفر للرسول (صلى الله عليه وسلم) تمام المعرفة وكمالها هي الأولى بالاتباع لأن معارفه صلى الله عليه وسلم أصولها وحي من السماء، ومما قصه الله تعالى عليه، هي قصص لا يتطرق إليها الشك أو الكذب، والقرآن، وهو معجزة الإسلام التي لا يدنو منها البهتان أو البطلان، يقول سبحانه وتعالى (.. وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42).
إذًا، فسيظل القرآن الكريم هو السجل الشامل الباقي للبشرية الذي أراده الله تعالى، وفيه قصص الأولين، والآخرين الذين قضوا نحبهم، والذين لا يزالون ينتظرون أنباءهم والتي سوف يقصها الله تعالى علينا من رحم الغيب.
وبعد، فها هو السجل الخالد للبشرية الذي يختزن لنا بظهر الغيب أحسن القصص، وأصدق القصص، قصص لا ريب فيها، ولا كذب أو افتراء فيها إنما هي أخبار السماء والأرض، وما فيهما من أنباء الغيب.. فإلى السجل الخالد والقصص الحق التي لا يعتريه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أعظم الميزات التي امتاز بها القصص القرآني أن أحداثها لا تتوقف عند حد بل تقدم لنا كل وقت كشوفات جديدة، ويستنبط الناس منها معاني كما يحدث في الكشوفات العلمية التي يواصل علماء الآثار كشوفاتهم مع ضربة معول، وتحت حجر من الأحجار، هذا هو عطاء القصص القرآني الذي يظل يعطي، ثم يعطي دون توقف، ودون ضجر أو ملل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك