قام المعهد العربي الأمريكي في الآونة الأخيرة، وبالتعاون مع كنائس السلام في الشرق الأوسط، ولجنة خدمة الأصدقاء الأمريكيين، بإحضار مجموعة من الأمريكيين الفلسطينيين ممن لديهم عائلات في قطاع غزة وذلك للقاء أعضاء الكونجرس ووسائل الإعلام.
كان الهدف من وجودهم على مدى يومين في العاصمة واشنطن هو إسماع صوت الفلسطينيين ضحايا الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، وإضفاء طابع إنساني على معاناة هؤلاء. لقد التقى مسؤولون من الإدارة الأمريكية أكثر من مرة العائلات الإسرائيلية واستمعوا إلى قصصها. أما الفلسطينيون، فلم تتح لهم الفرصة نفسها لإسماع أصواتهم وسرد قصصهم أيضا.
لقد بدأ التخطيط واتخاذ الترتيبات اللازمة لزيارة واشنطن قبل أشهر، لكنه تأخر بسبب عطلات الكونغرس والإغلاق الحكومي. بعد تحديد موعدنا النهائي، وإثر إعلان الرئيس دونالد ترامب «خطته للسلام»، أعرب بعض المعارضين عن قلقهم من أن توقيع الخطة قد يُضعف الاهتمام بسماع آراء الفلسطينيين.
لقد حظي الرئيس دونالد ترامب بجولة انتصاره والتقاط الصور التذكارية في إسرائيل ومصر، حيث أشاد به القادة بشدة. ووصف المعلقون الإعلاميون هذه اللحظة بأنها «تاريخية» وتمثل «نقطة تحول»، وسجلت كاميرات التلفزيون مظاهرات بهيجة في القدس ومشاهد لعائلات إسرائيلية تلتقي أسراهم المحتجزين منذ عامين.
كما ظلت الصحف على مدى أسابيع متعاقبة تنشر في صفحاتها الأولى أخبار الأسرى الإسرائيليين العائدين إلى ديارهم ومراسم دفن أولئك الذين أعيدت جثثهم.
في هذه الأثناء، ظلّ الفلسطينيون مُهمَلين أو غير مرئيين كما كانوا قبل عامين عندما اندلعت هذه الحرب. ورغم تحوّل الرأي العام نحو الفلسطينيين، تجنّب السياسيون ووسائل الإعلام الرئيسية إضفاء طابع إنساني على الضحايا الفلسطينيين وشخصنتهم.
من المؤكد أن وسائل الإعلام غطت الدمار في قطاع غزة ــ وصور لحشود من الفلسطينيين يستقبلون الحافلات التي أعادت نحو 1700 شاب فلسطيني احتجزتهم إسرائيل رهائن منذ بداية الحرب.
لكن لم تكن هناك أسماء، ولا صور لأمهات يحملن أبناءهن، أو أطفال رفقة آبائهم. فقد تم اختزال هؤلاء الفلسطينيين إلى مجرد جثث بلا وجوه أو أعداد جثث بلا هوية، ليسهل تجاهلهم.
لقد كانت معاناتهم غير محسوسة وخفية، وقصصهم مجهولة، وإنسانيتهم غير مؤكدة. هذا التشيؤ ونزع الصفة الإنسانية – وهما سمتان من سمات التعصب الأعمى المتأصل واللاواعي - هو ما تحدّاه زائرونا الأمريكيون من أصل فلسطيني.
لقد جمعنا رجالا ونساءً أمريكيين من أصل فلسطيني، مسلمين ومسيحيين، من ست ولايات أمريكية، وكان لديهم قصصٌ مؤثرةٌ للغاية. فقد سافر أحدهم إلى قطاع غزة في سبتمبر 2023 في زيارته السنوية لعائلته. وعندما اندلعت الحرب، بقي ليرى أحباءه في ظلّ كل ما واجهوه من معاناة مأساوية. لقد كان معهم خلال نزوحهم القسري ومعاناتهم من الجوع في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
لقد كان هناك وعايش رعب الفلسطينيين عاش خلال الغارات الجوية، وانتشل جثة ابنة أخته الصغيرة الممزقة من تحت الأنقاض عندما دُمّر منزلها، ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل بضعة أشهر.
أما الآخرون فقد قدموا إلى الولايات المتحدة الأمريكية كطلاب وأقاموا فيها، وكانوا هم أيضًا يزورون قطاع غزة باستمرار، وحافظوا على روابط وثيقة مع عائلاتهم. لقد أحضروا معهم صورًا لأحبائهم والناجين، بالإضافة إلى صور من قضوا جراء القصف أو انقطاع الخدمات الطبية.
لقد أحضروا معهم صورا مؤثرة للغاية لمنازلهم المدمرة، من بينها صورةٌ لابنة أخٍ وابن أخٍ يلعبان على أنقاض ما كان يمثل منزلهم، كما روى كل عضو من أعضاء الوفد قصصًا عن معاناتهم من القصف الإسرائيلي وإطلاق النار، ووفاة أحبائهم المأساوية التي سبقت 7 أكتوبر 2023.
لقد أعطت الصور والقصص صورةً مؤثرةً ومؤلمةً لواقعٍ كان أعضاء مجلس الشيوخ والنواب بحاجةٍ إلى سماعه والتعرف عليه من كثب. لقد ذكّرتهم تلك الصور والقصص بحقائقَ مُزعجة: أطفالُ الفلسطينيين لهم أسماء؛ والفلسطينيون ليسوا مجرد جثثٍ مجهولة الهوية من بين الضحايا؛ كما ذكرتهم بأن من قضوا هناك إنما أزهقت أرواحهم على يد إسرائيل بقنابلٍ زوّدهم بها الكونغرس الأمريكي.
طلبت مجموعتنا يومها الترتيب لزيارة وفد برلماني رسمي من الكونجرس الأمريكي لقطاع غزة، ليشهدوا بأم أعينهم الدمار الذي أحدثته إسرائيل، ويلتقوا مباشرةً بالفلسطينيين ويقيّموا احتياجاتهم. وقد استجاب عدد من أعضاء الكونجرس لهذا الطلب.
لقد كللت تلك الزيارة للكونجرس الأمريكي بالنجاح وحققت أهدافها، حيث دفعت شهادات هؤلاء الأمريكيين الفلسطينيين الشجعان نواب الكونجرس ووسائل الإعلام إلى إدراك أن الاحتفالات الحالية، في أحسن الأحوال، سابقة لأوانها، وأن «خطة السلام» يجب أن تكون أكثر من مجرد برنامج عقاري واستثماري، وأن تركز على ما هو أبعد من مجرد أمن إسرائيل.
يتطلب السلام الاعتراف بإنسانية الفلسطينيين، وصدماتهم ومعاناتهم ومآسيهم الفردية والجماعية، واحتياجاتهم للأمن والعدالة والشفاء في أعقاب هذا العدوان الإسرائيلي المدمر الأخير، وسيتبع ذلك زيارات وفود فلسطينية أخرى مماثلة.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك