العدد : ١٧٥٠٥ - الأربعاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٥ - الأربعاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مآسي الحرب في غزة في أروقة الكونجرس الأمريكي

بقلم: د. جيمس زغبي

الأربعاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

قام‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وبالتعاون‭ ‬مع‭ ‬كنائس‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ولجنة‭ ‬خدمة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬بإحضار‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ممن‭ ‬لديهم‭ ‬عائلات‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وذلك‭ ‬للقاء‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭.‬

كان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬وجودهم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬يومين‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬إسماع‭ ‬صوت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ضحايا‭ ‬الهجوم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وإضفاء‭ ‬طابع‭ ‬إنساني‭ ‬على‭ ‬معاناة‭ ‬هؤلاء‭. ‬لقد‭ ‬التقى‭ ‬مسؤولون‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬العائلات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬واستمعوا‭ ‬إلى‭ ‬قصصها‭. ‬أما‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬فلم‭ ‬تتح‭ ‬لهم‭ ‬الفرصة‭ ‬نفسها‭ ‬لإسماع‭ ‬أصواتهم‭ ‬وسرد‭ ‬قصصهم‭ ‬أيضا‭.‬

لقد‭ ‬بدأ‭ ‬التخطيط‭ ‬واتخاذ‭ ‬الترتيبات‭ ‬اللازمة‭ ‬لزيارة‭ ‬واشنطن‭ ‬قبل‭ ‬أشهر،‭ ‬لكنه‭ ‬تأخر‭ ‬بسبب‭ ‬عطلات‭ ‬الكونغرس‭ ‬والإغلاق‭ ‬الحكومي‭. ‬بعد‭ ‬تحديد‭ ‬موعدنا‭ ‬النهائي،‭ ‬وإثر‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬خطته‭ ‬للسلام‮»‬،‭ ‬أعرب‭ ‬بعض‭ ‬المعارضين‭ ‬عن‭ ‬قلقهم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬توقيع‭ ‬الخطة‭ ‬قد‭ ‬يُضعف‭ ‬الاهتمام‭ ‬بسماع‭ ‬آراء‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

لقد‭ ‬حظي‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بجولة‭ ‬انتصاره‭ ‬والتقاط‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومصر،‭ ‬حيث‭ ‬أشاد‭ ‬به‭ ‬القادة‭ ‬بشدة‭. ‬ووصف‭ ‬المعلقون‭ ‬الإعلاميون‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬تاريخية‮»‬‭ ‬وتمثل‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬تحول‮»‬،‭ ‬وسجلت‭ ‬كاميرات‭ ‬التلفزيون‭ ‬مظاهرات‭ ‬بهيجة‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬ومشاهد‭ ‬لعائلات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬تلتقي‭ ‬أسراهم‭ ‬المحتجزين‭ ‬منذ‭ ‬عامين‭.‬

كما‭ ‬ظلت‭ ‬الصحف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أسابيع‭ ‬متعاقبة‭ ‬تنشر‭ ‬في‭ ‬صفحاتها‭ ‬الأولى‭ ‬أخبار‭ ‬الأسرى‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬العائدين‭ ‬إلى‭ ‬ديارهم‭ ‬ومراسم‭ ‬دفن‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أعيدت‭ ‬جثثهم‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬ظلّ‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬مُهمَلين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مرئيين‭ ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬قبل‭ ‬عامين‭ ‬عندما‭ ‬اندلعت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭. ‬ورغم‭ ‬تحوّل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬نحو‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬تجنّب‭ ‬السياسيون‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية‭ ‬إضفاء‭ ‬طابع‭ ‬إنساني‭ ‬على‭ ‬الضحايا‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وشخصنتهم‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬غطت‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ــ‭ ‬وصور‭ ‬لحشود‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يستقبلون‭ ‬الحافلات‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬نحو‭ ‬1700‭ ‬شاب‭ ‬فلسطيني‭ ‬احتجزتهم‭ ‬إسرائيل‭ ‬رهائن‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭.‬

لكن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬أسماء،‭ ‬ولا‭ ‬صور‭ ‬لأمهات‭ ‬يحملن‭ ‬أبناءهن،‭ ‬أو‭ ‬أطفال‭ ‬رفقة‭ ‬آبائهم‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬اختزال‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬جثث‭ ‬بلا‭ ‬وجوه‭ ‬أو‭ ‬أعداد‭ ‬جثث‭ ‬بلا‭ ‬هوية،‭ ‬ليسهل‭ ‬تجاهلهم‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬معاناتهم‭ ‬غير‭ ‬محسوسة‭ ‬وخفية،‭ ‬وقصصهم‭ ‬مجهولة،‭ ‬وإنسانيتهم‭ ‬غير‭ ‬مؤكدة‭. ‬هذا‭ ‬التشيؤ‭ ‬ونزع‭ ‬الصفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬–‭ ‬وهما‭ ‬سمتان‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬التعصب‭ ‬الأعمى‭ ‬المتأصل‭ ‬واللاواعي‭ - ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تحدّاه‭ ‬زائرونا‭ ‬الأمريكيون‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬فلسطيني‭.‬

لقد‭ ‬جمعنا‭ ‬رجالا‭ ‬ونساءً‭ ‬أمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬فلسطيني،‭ ‬مسلمين‭ ‬ومسيحيين،‭ ‬من‭ ‬ست‭ ‬ولايات‭ ‬أمريكية،‭ ‬وكان‭ ‬لديهم‭ ‬قصصٌ‭ ‬مؤثرةٌ‭ ‬للغاية‭. ‬فقد‭ ‬سافر‭ ‬أحدهم‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023‭ ‬في‭ ‬زيارته‭ ‬السنوية‭ ‬لعائلته‭. ‬وعندما‭ ‬اندلعت‭ ‬الحرب،‭ ‬بقي‭ ‬ليرى‭ ‬أحباءه‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬واجهوه‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬مأساوية‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬معهم‭ ‬خلال‭ ‬نزوحهم‭ ‬القسري‭ ‬ومعاناتهم‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬وعايش‭ ‬رعب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬عاش‭ ‬خلال‭ ‬الغارات‭ ‬الجوية،‭ ‬وانتشل‭ ‬جثة‭ ‬ابنة‭ ‬أخته‭ ‬الصغيرة‭ ‬الممزقة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض‭ ‬عندما‭ ‬دُمّر‭ ‬منزلها،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭.‬

أما‭ ‬الآخرون‭ ‬فقد‭ ‬قدموا‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كطلاب‭ ‬وأقاموا‭ ‬فيها،‭ ‬وكانوا‭ ‬هم‭ ‬أيضًا‭ ‬يزورون‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬باستمرار،‭ ‬وحافظوا‭ ‬على‭ ‬روابط‭ ‬وثيقة‭ ‬مع‭ ‬عائلاتهم‭. ‬لقد‭ ‬أحضروا‭ ‬معهم‭ ‬صورًا‭ ‬لأحبائهم‭ ‬والناجين،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬قضوا‭ ‬جراء‭ ‬القصف‭ ‬أو‭ ‬انقطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭.‬

لقد‭ ‬أحضروا‭ ‬معهم‭ ‬صورا‭ ‬مؤثرة‭ ‬للغاية‭ ‬لمنازلهم‭ ‬المدمرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬صورةٌ‭ ‬لابنة‭ ‬أخٍ‭ ‬وابن‭ ‬أخٍ‭ ‬يلعبان‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬منزلهم،‭ ‬كما‭ ‬روى‭ ‬كل‭ ‬عضو‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الوفد‭ ‬قصصًا‭ ‬عن‭ ‬معاناتهم‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬ووفاة‭ ‬أحبائهم‭ ‬المأساوية‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭.‬

لقد‭ ‬أعطت‭ ‬الصور‭ ‬والقصص‭ ‬صورةً‭ ‬مؤثرةً‭ ‬ومؤلمةً‭ ‬لواقعٍ‭ ‬كان‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬والنواب‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬سماعه‭ ‬والتعرف‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬كثب‭. ‬لقد‭ ‬ذكّرتهم‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬والقصص‭ ‬بحقائقَ‭ ‬مُزعجة‭: ‬أطفالُ‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لهم‭ ‬أسماء؛‭ ‬والفلسطينيون‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬جثثٍ‭ ‬مجهولة‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الضحايا؛‭ ‬كما‭ ‬ذكرتهم‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬قضوا‭ ‬هناك‭ ‬إنما‭ ‬أزهقت‭ ‬أرواحهم‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بقنابلٍ‭ ‬زوّدهم‭ ‬بها‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأمريكي‭.‬

طلبت‭ ‬مجموعتنا‭ ‬يومها‭ ‬الترتيب‭ ‬لزيارة‭ ‬وفد‭ ‬برلماني‭ ‬رسمي‭ ‬من‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬ليشهدوا‭ ‬بأم‭ ‬أعينهم‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ويلتقوا‭ ‬مباشرةً‭ ‬بالفلسطينيين‭ ‬ويقيّموا‭ ‬احتياجاتهم‭. ‬وقد‭ ‬استجاب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬لهذا‭ ‬الطلب‭.‬

لقد‭ ‬كللت‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬للكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالنجاح‭ ‬وحققت‭ ‬أهدافها،‭ ‬حيث‭ ‬دفعت‭ ‬شهادات‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الشجعان‭ ‬نواب‭ ‬الكونجرس‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬إلى‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الحالية،‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال،‭ ‬سابقة‭ ‬لأوانها،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬برنامج‭ ‬عقاري‭ ‬واستثماري،‭ ‬وأن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬أمن‭ ‬إسرائيل‭.‬

يتطلب‭ ‬السلام‭ ‬الاعتراف‭ ‬بإنسانية‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وصدماتهم‭ ‬ومعاناتهم‭ ‬ومآسيهم‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية،‭ ‬واحتياجاتهم‭ ‬للأمن‭ ‬والعدالة‭ ‬والشفاء‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المدمر‭ ‬الأخير،‭ ‬وسيتبع‭ ‬ذلك‭ ‬زيارات‭ ‬وفود‭ ‬فلسطينية‭ ‬أخرى‭ ‬مماثلة‭.‬

 

{ ‭ ‬رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا