تواجه فلسطين تحديات غير مسبوقة في ظل الاحتلال الإسرائيلي المستمر، الذي يفاقم من المعاناة الإنسانية ويسهم في تدمير البنية التحتية والاقتصاد الفلسطيني. رغم الجهود الدولية لوقف التصعيد العسكري وبدء عملية إعادة الإعمار، يبقى الواقع في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة محكومًا بالدمار الشامل والقيود التي تفرضها إسرائيل. لا تزال الآمال في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية مشروطة بتغيير جوهري في الوضع الراهن، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الاحتلال والهجمات الإسرائيلية المتواصلة.
تتضمن خطة «مستقبل غزة» المكونة من عشرين نقطة، التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر سبتمبر 2025، والتي أصبحت الأساس لاتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الساري منذ العاشر من أكتوبر 2025، أنه تحت رعاية «مجلس سلام» انتقالي، سيتم وضع «خطة تنمية اقتصادية لإعادة بناء وتنشيط» الأراضي الفلسطينية من قبل «لجنة من الخبراء الذين أسهموا في ولادة بعض المدن المعجزة الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط».
مع ذلك، فإن الدمار الهائل والشامل الذي لحق بغزة يعد غير مسبوق ولا يمكن حصره، حيث سُوِّيَت أحياء بأكملها بالأرض، وتضررت مستشفياتها ومدارسها وطرقها ومواقعها الدينية ومراكزها الثقافية بشدة أو دمرت بالكامل. ومازالت الحملة المدمرة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي مستمرة، منتهكةً شروط وقف إطلاق النار ما يقرب من 500 مرة (بمعدل يزيد على خمس مرات يوميًا)، وقد تم هدم أكثر من 1500 مبنى في الأراضي التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها.
في الوقت الذي تصاعد فيه القصف والاحتلال الإسرائيلي، تم وضع تقديرات بشأن التكلفة التقريبية والوقت اللازم لإعادة بناء غزة. ففي فبراير 2025، قدر البنك الدولي أن الأمر سيستغرق ما لا يقل عن 53 مليار دولار على مدار عشر سنوات من أجل جهود الإنعاش وإعادة الإعمار، منها نحو 30 مليار دولار لإصلاح المباني والبنية التحتية المتضررة.
ولكن في نوفمبر 2025، قامت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بمراجعة هذا التقدير إلى أكثر من 70 مليار دولار على مدار عقود، مؤكدة أن الهجمات الإسرائيلية المستمرة «أضعفت بشكل كبير جميع ركائز البقاء» وخلقت «أشد أزمة اقتصادية تم تسجيلها على الإطلاق». وعلى النقيض من رؤية ترامب ومستشاريه الجمهوريين في البيت الأبيض التي تعتبر دمار غزة فرصة لبناء «ريفييرا الشرق الأوسط»، فإن الواقع على الأرض لأكثر من مليوني فلسطيني هو واقعٌ يهدد فيه أحدث تقرير للأونكتاد بـ«افقارٍ شديدٍ متعدد الأبعاد» لعقود قادمة.
إن التوقعات المباشرة التي أوردها تقرير الأونكتاد الصادر في نوفمبر 2025 حول الاقتصاد الفلسطيني تُثير شكوكًا عميقة. فقد سلط التقرير الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني في غزة والأراضي المحتلة على مدار الخمسة عشر عامًا التي سبقت أكتوبر 2023، حيث أدت القيود التي فرضتها إسرائيل إلى «خنق التنمية الاقتصادية بشكل جماعي» وتهديد القدرة الإنتاجية، مما رسخ «الفقر المستشري» وجعل سكان المنطقة يعتمدون على المساعدات الخارجية.
وفي السنة الأولى من الصراع، سجلت وكالة الأمم المتحدة تراجعًا في اقتصاد غزة بنسبة 87 في المائة، ليصل الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 161 دولارًا فقط. ورغم أن وقف إطلاق النار سمح بوصول مزيد من المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان المدنيين في غزة، إلا أن برنامج الغذاء العالمي يحذر من أن نصف الكمية المطلوبة فقط من الغذاء تدخل المنطقة، بينما يستمر معاناة آلاف الأطفال من سوء التغذية الحاد. وبالتالي، فإن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أشار إلى أنه «حتى مع السماح بوصول المساعدات الكبيرة» من قبل الجيش الإسرائيلي، فإن «التعافي إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي قبل أكتوبر 2023 قد يستغرق عقودًا».
عند تقييم التوقعات الاقتصادية طويلة المدى لغزة، يُعدّ حجم الدمار الهائل عاملاً محوريًا. وقد أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن إزالة الأنقاض «شرط أساسي لإعادة الإعمار على المدى الطويل»، حيث أشار تقريرا لورينزو توندو وسهام طنطش من صحيفة الجارديان إلى أن 61 مليون طن من الأنقاض التي خلّفها القصف الإسرائيلي «أكبر بعشرين مرة من إجمالي الأنقاض التي خلّفتها النزاعات منذ عام 2008».
وقد قدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مايو 2025 أن الأمر سيستغرق 22 عامًا لإزالة 53 مليون طن من الأنقاض، رغم أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ذكر أن «معظم الأنقاض يمكن إزالتها في غضون سبع سنوات» إذا كانت «الظروف ملائمة»، مثل «الوصول من دون عوائق إلى المواقع ذات الأولوية، وتصاريح للآلات الثقيلة والمعدات المتخصصة»، إضافة إلى «دخول الوقود بشكل متسق» و«بيئة تشغيل مستقرة». ومع ذلك، يظل الاحتلال العسكري الإسرائيلي يعرقل هذه الظروف، ولا يمكن ضمانها طالما ظل الاحتلال مستمرًا.
وفي ظل استمرار الخراب في غزة وضم الأراضي المحتلة من قبل تحالف بنيامين نتنياهو المتطرف، سيظل الاقتصاد الفلسطيني مكبوتًا. وفي إشارة إلى الانخفاض الحاد في الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2023 و2024، أفاد تقرير الأونكتاد بأن هجمات إسرائيل كان لها تأثير «محو 22 عامًا من التقدم الاقتصادي في خمسة عشر شهرًا فقط». ففي عام 2024، انكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بنسبة 17 في المائة، ليصل إلى مستويات عام 2008. أما في غزة، التي «عانت من التأثير الأكثر تدميرًا»، فقد أشار التقرير إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 6.4 في المائة مما كان عليه في عام 2005.
أما بالنسبة لتأثير ذلك على التنمية البشرية، فقد حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في تقييم أجري في أكتوبر 2024 من أن الفقر في فلسطين سيرتفع إلى أكثر من 74 في المائة، مما يؤثر على 4.1 ملايين شخص. وبعد عام، قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن جميع سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة يعيشون الآن «تحت خط الفقر»، حيث تجاوز معدل البطالة 80 في المائة، بينما ارتفع التضخم إلى 238 في المائة.
ويضاف إلى ذلك أن النظام الصحي في المنطقة «على ركبتيه» مع «نقص حاد في جميع المجالات»، كما أشار المدير التنفيذي لمنظمة ميدجلوبال غير الحكومية، جو بيليفو، بينما أشار تقرير اليونيسف إلى أن نظام التعليم في غزة «على وشك الانهيار»، حيث تضررت أو دمرت 97 بالمائة من المدارس، وتواجه أكثر من 650 ألف طفل صعوبة في الوصول إلى التعليم لأكثر من عامين.
إن حرمان الفلسطينيين من الرعاية الطبية والتعليم، إلى جانب تدمير مرافق المياه والصرف الصحي، أكثر من 70 بالمائة منها دمرت منذ أكتوبر 2023، والتي وصفها نائب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، رامز أكأكبروف، بأنها «ظروف معيشية لا تُطاق»، كان من الأبعاد الرئيسية للسياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى إبادة الفلسطينيين في غزة. يستمر هذا الوضع حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. كما كتبت إيما إيزابيلا سيج، الباحثة في جامعة غلاسكو، في معهد الملكية للخدمات المتحدة، أن «التنمية المستدامة» ستكون «غير ممكنة» إذا لم يتوقف العنف، إلا أن القصف الإسرائيلي المتكرر منذ 10 أكتوبر يظهر أنه يمكن استئناف الهجمات واسعة النطاق في أي وقت، وأن إسرائيل تستطيع فعل ذلك من دون أي مساءلة من جانب الولايات المتحدة أو حلفائها الأوروبيين.
إجمالًا، تُقدّر الأمم المتحدة أن حرب إسرائيل المستمرة على غزة منذ أكثر من عامين قد «قضت على 69 عامًا من التنمية البشرية» في القطاع، وكذلك في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية. وقد قدرت الأونكتاد في تقريرها أن كلفة إصلاح وإعادة إعمار الأضرار المادية في غزة ستتجاوز 70 مليار دولار، وستستغرق عقودًا لإتمامها. لكن حتى هذا التقدير مشروط بـ «وقف إطلاق نار دائم، ووصول إنساني عاجل، وتمويل دولي مستدام» لتحقيق استدامته.
في النهاية، يظل الواقع على الأرض بالنسبة إلى ملايين الفلسطينيين يعاني من معاناة هائلة وفقر منتشر، واعتماد على المساعدات الخارجية، في حين أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تحتفظ بالسيطرة على أجزاء كبيرة من غزة وتستمر في شن هجمات عنيفة من دون أي مساءلة. في ظل هذه الظروف، فإن أي آفاق للتنمية طويلة الأجل للشعب الفلسطيني تبدو ضربًا من الخيال، إذ تسيطر على شروطها بالكامل أجندات تل أبيب وواشنطن، اللتين تسببتا في هذا الدمار الشامل منذ أكتوبر 2023.
في ظل المعاناة الإنسانية والدمار المتواصل، تبدو آفاق التنمية الفلسطينية محدودة للغاية في الوقت الراهن. الاحتلال الإسرائيلي والهجمات المستمرة على غزة تضع العقبات أمام أي محاولات لإعادة الإعمار أو تحفيز التنمية الاقتصادية. رغم الجهود الدولية والتقديرات المالية لإعادة بناء غزة، يبقى الوضع معقدًا للغاية في ظل غياب تسوية سياسية شاملة. ومع استمرار سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، تبقى التنمية الفلسطينية أمرًا بعيد المنال، ويظل الشعب الفلسطيني يواجه تحديات هائلة في تحقيق أي تحسن في أوضاعه المعيشية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك