تفتح الزيارات الأخيرة الغربية للصين الباب أمام نقاش جاد حول مستقبل العلاقات الأوروبية - الأمريكية في ضوء حرب الرسوم الجمركية، التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أصدقائه الأوروبيين، والتي زعزعت أسس هذا التحالف.
قد يكون عنوان الخلاف الأمريكي - الأوروبي المتصاعد اقتصادياً وتجارياً، غير أن السياسة تقع في أولوية هذا الخلاف، حيث تعتقد واشنطن أن على أوروبا الانخراط أكثر في تمثيل السياسات الأمريكية في القارة الأوروبية العجوز.
يرغب الرئيس الأمريكي في أن يكون شركاؤه الأوروبيون تابعين له حتى النخاع، يشمل ذلك انخراط أوروبا بالنيابة عن واشنطن في الحرب الروسية - الأوكرانية، وفتح «ماسورة» الأموال لدعم كييف بالسلاح الأوروبي، وتمويل حلف «الناتو» بطريقة تعفي واشنطن من إنفاق مئات ملايين الدولارات عليه.
كذلك تشترط واشنطن أن تكون العلاقات التجارية مع أوروبا كثيفة وعلى حساب أي نشاطات تجارية مع دول كبرى، مثل الصين وروسيا، والأهم أن يقلل الأوروبيون اعتمادهم على النفط والغاز الروسي، ويتجهوا لشرائهما من الولايات المتحدة حتى لو كانا غاليَي الثمن.
وفي موضوع ضم جزيرة غرينلاند، تتخوف الدول الغربية من أن رغبة واشنطن في السيطرة على هذه الجزيرة يأتي في سياق تطويق أوروبا ولأهداف توسعية خاصة غير مرتبطة بالسلم والأمن العالميَين، وإنما متعلقة بسياسة «أنا سيّدكم الأعلى».
كل هذه الخلافات التي تتصاعد مع تولي ترامب الرئاسة الأمريكية قبل أكثر من عام، دفعت أوروبا للاتجاه إلى الصين لتحسين علاقاتها السياسية والاقتصادية معها، والانفتاح على فكرة الالتفاف على حرب الرسوم الجمركية مع واشنطن لتنشيط اقتصاداتها.
دول مثل إيرلندا وفنلندا وكندا وبريطانيا ذهبت جميعها إلى الصين، على أمل إيجاد وتفعيل شراكات اقتصادية وتجارية، وكذلك نقل رسالة أوروبية لواشنطن أن عليها إعادة النظر في علاقاتها السياسية والتجارية مع حلفائها الأوروبيين.
الزيارة الأوروبية الأبرز للتنين الصيني كانت مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل أكثر من أسبوعين، خصوصاً أن لندن تعتبر من أهم حلفاء واشنطن المخلصين وتمتلك مكانة مهمة في سلّم النظام الدولي.
ستارمر اختار أن ينوع علاقاته السياسية والتجارية مع دول يمكنها أن تُحسّن الاقتصاد البريطاني المنهك بفعل تبعات «بريكست» وتصاعد الحروب التجارية في العالم، ولا أحد ينكر أن الصين هي مصنع العالم ولها يد اقتصادية طولى في كل بقاع الأرض.
غير أن رئيس الوزراء البريطاني لا يريد أن يدمر علاقته مع الأمريكيين، لكن تجد بريطانيا أن من مصلحتها كدولة «براغماتية» فتح أسواق جديدة لصادراتها السلعية دون قيود جمركية أو رسوم كبيرة، وفي نفس الوقت يرى ستارمر أن على الرئيس الأمريكي إعادة النظر في مستقبل علاقاته الإستراتيجية مع الغرب.
وفي الحقيقة، يمكن القول: إن الصين بحاجة إلى تدفق الزيارات الأوروبية والغربية لتعزيز فرص التعاون الدولي واختراق الدول بالنشاطات الاقتصادية والتجارية، لتوسيع نفوذها العالمي، غير أن واشنطن تجد في هذه التقاربات فعلاً غير محمود.
هناك توتر كبير بين الولايات المتحدة والصين متعلق بمن سيحكم العالم ومن الأول والثاني، وفي حين يسعى الرئيس الأمريكي إلى إضعاف الصين اقتصادياً بحرب الرسوم الجمركية، إلا أنه أيضاً يظن أن على شركائه الأوروبيين الحذو حذوه.
في إطار الحرب الحالية على شكل النظام الدولي لا يوجد رابح ورابح فيها، فإذا أحسن الرئيس الأمريكي إدارة علاقاته الإستراتيجية مع حلفائه بالطريقة الصحيحة، فقد يتمكن من فرملة الصعود الصيني، لكن إذا واصل التعامل مع الغرب بفوقية فالنتائج لن تكون في صالحه.
ترامب يظن أن حرب الرسوم الجمركية قد تحقق له منافع اقتصادية ومكاسب سريعة، لكنها ستجلب انتكاسة على المدى طويل الأمد، خصوصاً في ظل حديثه الجدي عن فكرة التوسع بضم كندا أو غرينلاند، الأمر الذي يضعه في خلاف جوهري مع أبرز حلفائه.
ومن مصلحة الصين أن يشتد هذا الخلاف، لأنه يدفع الدول الغربية إلى البحث في شراكات اقتصادية معها والفكاك التدريجي من التبعية لواشنطن، ومدخل النشاط التجاري مع بكين قد يفتح الباب أم تحسين العلاقات السياسية وصولاً إلى شراكات إستراتيجية وتحالفات موثوقة.
إذا واصل الرئيس ترامب عناده وتعامل مع أوروبا بازدراء، وأغرقها بالرسوم الجمركية، وقيّد أنشطتها السياسية والاقتصادية، فقد تكون النتيجة بداية طلاق مع واشنطن، وبداية نهاية التفرد الأمريكي بالنظام الدولي، وتحوّله إلى تعدد القطبية، وربما لاحقاً نظام الهيمنة الصينية.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك