العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أسباب التحول الغربي نحو الصين

بقلم: هاني عوكل

الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

تفتح‭ ‬الزيارات‭ ‬الأخيرة‭ ‬الغربية‭ ‬للصين‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬نقاش‭ ‬جاد‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬الأوروبية‭ - ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬حرب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬أصدقائه‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬والتي‭ ‬زعزعت‭ ‬أسس‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬عنوان‭ ‬الخلاف‭ ‬الأمريكي‭ - ‬الأوروبي‭ ‬المتصاعد‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وتجارياً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أولوية‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف،‭ ‬حيث‭ ‬تعتقد‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬الانخراط‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬السياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬العجوز‭.‬

يرغب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شركاؤه‭ ‬الأوروبيون‭ ‬تابعين‭ ‬له‭ ‬حتى‭ ‬النخاع،‭ ‬يشمل‭ ‬ذلك‭ ‬انخراط‭ ‬أوروبا‭ ‬بالنيابة‭ ‬عن‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ - ‬الأوكرانية،‭ ‬وفتح‭ ‬‮«‬ماسورة‮»‬‭ ‬الأموال‭ ‬لدعم‭ ‬كييف‭ ‬بالسلاح‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وتمويل‭ ‬حلف‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭ ‬بطريقة‭ ‬تعفي‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬إنفاق‭ ‬مئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬عليه‭.‬

كذلك‭ ‬تشترط‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬كثيفة‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬أي‭ ‬نشاطات‭ ‬تجارية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬كبرى،‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬يقلل‭ ‬الأوروبيون‭ ‬اعتمادهم‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الروسي،‭ ‬ويتجهوا‭ ‬لشرائهما‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانا‭ ‬غاليَي‭ ‬الثمن‭.‬

وفي‭ ‬موضوع‭ ‬ضم‭ ‬جزيرة‭ ‬غرينلاند،‭ ‬تتخوف‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬رغبة‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تطويق‭ ‬أوروبا‭ ‬ولأهداف‭ ‬توسعية‭ ‬خاصة‭ ‬غير‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالسلم‭ ‬والأمن‭ ‬العالميَين،‭ ‬وإنما‭ ‬متعلقة‭ ‬بسياسة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬سيّدكم‭ ‬الأعلى‮»‬‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬تتصاعد‭ ‬مع‭ ‬تولي‭ ‬ترامب‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬دفعت‭ ‬أوروبا‭ ‬للاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬لتحسين‭ ‬علاقاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬معها،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬لتنشيط‭ ‬اقتصاداتها‭.‬

دول‭ ‬مثل‭ ‬إيرلندا‭ ‬وفنلندا‭ ‬وكندا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ذهبت‭ ‬جميعها‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬إيجاد‭ ‬وتفعيل‭ ‬شراكات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتجارية،‭ ‬وكذلك‭ ‬نقل‭ ‬رسالة‭ ‬أوروبية‭ ‬لواشنطن‭ ‬أن‭ ‬عليها‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والتجارية‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوروبيين‭.‬

الزيارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأبرز‭ ‬للتنين‭ ‬الصيني‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أسبوعين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬لندن‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬حلفاء‭ ‬واشنطن‭ ‬المخلصين‭ ‬وتمتلك‭ ‬مكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬سلّم‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

ستارمر‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬ينوع‭ ‬علاقاته‭ ‬السياسية‭ ‬والتجارية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تُحسّن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬المنهك‭ ‬بفعل‭ ‬تبعات‭ ‬‮«‬بريكست‮»‬‭ ‬وتصاعد‭ ‬الحروب‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬هي‭ ‬مصنع‭ ‬العالم‭ ‬ولها‭ ‬يد‭ ‬اقتصادية‭ ‬طولى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يدمر‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬لكن‭ ‬تجد‭ ‬بريطانيا‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬مصلحتها‭ ‬كدولة‭ ‬‮«‬براغماتية‮»‬‭ ‬فتح‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭ ‬لصادراتها‭ ‬السلعية‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬جمركية‭ ‬أو‭ ‬رسوم‭ ‬كبيرة،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يرى‭ ‬ستارمر‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬علاقاته‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬الصين‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدفق‭ ‬الزيارات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والغربية‭ ‬لتعزيز‭ ‬فرص‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬واختراق‭ ‬الدول‭ ‬بالنشاطات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية،‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬العالمي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التقاربات‭ ‬فعلاً‭ ‬غير‭ ‬محمود‭.‬

هناك‭ ‬توتر‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬متعلق‭ ‬بمن‭ ‬سيحكم‭ ‬العالم‭ ‬ومن‭ ‬الأول‭ ‬والثاني،‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬يسعى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الصين‭ ‬اقتصادياً‭ ‬بحرب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أيضاً‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬شركائه‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الحذو‭ ‬حذوه‭.‬

في‭ ‬إطار‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬رابح‭ ‬ورابح‭ ‬فيها،‭ ‬فإذا‭ ‬أحسن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬إدارة‭ ‬علاقاته‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬حلفائه‭ ‬بالطريقة‭ ‬الصحيحة،‭ ‬فقد‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬فرملة‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني،‭ ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬واصل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬بفوقية‭ ‬فالنتائج‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬صالحه‭.‬

ترامب‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬له‭ ‬منافع‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومكاسب‭ ‬سريعة،‭ ‬لكنها‭ ‬ستجلب‭ ‬انتكاسة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حديثه‭ ‬الجدي‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬التوسع‭ ‬بضم‭ ‬كندا‭ ‬أو‭ ‬غرينلاند،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬خلاف‭ ‬جوهري‭ ‬مع‭ ‬أبرز‭ ‬حلفائه‭.‬

ومن‭ ‬مصلحة‭ ‬الصين‭ ‬أن‭ ‬يشتد‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف،‭ ‬لأنه‭ ‬يدفع‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬اقتصادية‭ ‬معها‭ ‬والفكاك‭ ‬التدريجي‭ ‬من‭ ‬التبعية‭ ‬لواشنطن،‭ ‬ومدخل‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أم‭ ‬تحسين‭ ‬العلاقات‭ ‬السياسية‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شراكات‭ ‬إستراتيجية‭ ‬وتحالفات‭ ‬موثوقة‭.‬

إذا‭ ‬واصل‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬عناده‭ ‬وتعامل‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬بازدراء،‭ ‬وأغرقها‭ ‬بالرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬وقيّد‭ ‬أنشطتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬بداية‭ ‬طلاق‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬وبداية‭ ‬نهاية‭ ‬التفرد‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالنظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وتحوّله‭ ‬إلى‭ ‬تعدد‭ ‬القطبية،‭ ‬وربما‭ ‬لاحقاً‭ ‬نظام‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصينية‭.‬

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا