يدخل سوق النفط العالمي مرحلة مفصلية مع بداية عام 2026، في ظل تداخل معقد بين العوامل الاقتصادية والجيوسياسية وتباين واضح في تقديرات المؤسسات الدولية بشأن مستقبل العرض والطلب. وبينما تبدو حركة الأسعار هادئة نسبيًا على السطح، فإن ما يجري في العمق يعكس حالة من عدم اليقين، حيث تتقاطع قرارات المنتجين، وتوقعات النمو، والتحولات السياسية، لتشكل ملامح مرحلة قد تحمل تقلبات أوسع مما توحي به المؤشرات الحالية.
وفي تقييمه لأوضاع سوق النفط العالمي خلال عام 2025، أشار وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في بنك «آي إن جي»، إلى أن حالة من «غياب التقلبات» تهيمن على السوق، وذلك رغم كثرة الأحداث الجيوسياسية ومخاطر الإمداد التي شهدها العام، ولا سيما تلك المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الحرب الإسرائيلية–الأمريكية التي استمرت 12 يومًا ضد إيران في يونيو، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز والمساس بأمن صادرات النفط من دول الخليج العربي، التي يبلغ إنتاجها نحو 20 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى تصعيد أوكرانيا هجماتها بعيدة المدى على منشآت إنتاج النفط الروسية، فقد كان لتغييرات التعريفات التجارية التي أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثر واسع على مصافي النفط، نتيجة ارتفاع تكاليف المعادن مثل الصلب والألومنيوم.
ومع بلوغ سعر خام برنت 61.54 دولارًا للبرميل، وتراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى 57.90 دولارًا للبرميل، تكون الأسعار العالمية قد سجلت انخفاضًا بنسبة 15% منذ بداية العام، وذلك حتى 12 ديسمبر 2025.
وبشأن أسباب هذا التراجع، أوضح باترسون أن الأمر لا يقتصر على حالة من «التخبط» لدى المشترين بعد سنوات من الاضطرابات الجيوسياسية، بل يرتبط أيضًا بتنامي التوقعات بحدوث فائض في المعروض خلال عام 2026، مع تجاوز العرض -خصوصًا من دول أوبك بلس- مستوى الطلب العالمي.
ومع بداية هذا العام، تتباين التقديرات حول حجم هذا الفائض المحتمل، لا سيما بين منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية، إذ تتوقع الوكالة وجود اختلال أكبر بكثير بين العرض والطلب قد يصل إلى 3.84 ملايين برميل يوميًّا.
ولا يمكن إغفال الصدمات الحادة التي يتعرض لها السوق، والتي قد تؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار. ففي حين ترى فاندانا هاري، الرئيسة التنفيذية لشركة «فاندا إنسايتس» لتحليل الأسواق، عودة «سردية فائض المعروض» إلى الواجهة من جديد.
وعقب قيام ثمانية أعضاء في تحالف أوبك بلس، من بينهم السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عُمان، برفع إنتاجهم من النفط الخام بوتيرة وصفها باترسون بأنها «فاجأت السوق»، توصلوا في نوفمبر 2025 إلى اتفاق يقضي بالإبقاء على حصص الإنتاج دون تغيير خلال الربع الأول من عام 2026.
وفي مقال لروبرت رابير على موقع «أويل برايس» حول سعي هذه الدول، على مدار ما يقرب من عامين، إلى الحفاظ على أسعار مرتفعة «من خلال إدارة منضبطة للمعروض»، تساءل خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة «ريستاد إنرجي»، عن مدى وضوح «رسالة التحالف»، معتبرًا أن فحواها يتمثل في أن «الاستقرار بات أهم من الطموح في ظل تدهور توقعات السوق بوتيرة سريعة».
وأسهم انخفاض إنتاج عدد من دول أوبك بلس، ولا سيما روسيا وكازاخستان والكويت، في تسجيل وكالة الطاقة الدولية تراجعًا في إجمالي المعروض بلغ 1.5 مليون برميل يوميًا خلال شهر نوفمبر مقارنة بشهر سبتمبر 2025. وفي المقابل، أفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بارتفاع إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة إلى أكثر من 13.86 مليون برميل يوميًا، أي بزيادة تقارب 300 ألف برميل عن مستويات بداية عام 2025.
وبالتوازي مع هذا الارتفاع في الإنتاج المحلي، سجلت مخزونات النفط الخام الأمريكية زيادة ملحوظة، بلغت 4.4 ملايين برميل مؤخرا، وفق بيانات معهد البترول الأمريكي.
كما ارتفع حجم الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي إلى نحو 411 مليون برميل، في ظل اختلاف السياسات الحالية في واشنطن عن تلك التي انتهجتها إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن، والتي قامت بضخ 180 مليون برميل من الاحتياطي خلال عام 2022 لدعم السوق بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.
ومع ذلك، أشار باترسون إلى أن «انخفاض الأسعار الحالي» و«الضغوط على التوقعات» قد يدفعان إلى تراجع إنتاج النفط الخام الأمريكي خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع هبوط سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، الأمر الذي يفتح المجال لمزيد من الانخفاضات المحتملة في عام 2027.
على الصعيد العالمي، أوردت وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقاريرها أن «القلق بشأن الرسوم الجمركية» قد «انخفض بشكل كبير»، مما ساهم في زيادة الطلب على النفط بمقدار 860 ألف برميل يوميًا في عام 2026، بسبب انخفاض الأسعار وضعف الدولار الأمريكي. ومع ذلك، من المتوقع أن يتجاوز العرض الطلب بمقدار 3.84 ملايين برميل يوميًا.
ورغم هذا الفائض الذي يمثل انخفاضًا عن توقعات الوكالة السابقة التي كانت تشير إلى أكثر من 4 ملايين برميل، فإن المنظمة التي تتخذ من باريس مقرًا لها أكدت استمرار «الأسواق الموازية»، حيث يظل العرض وفيرًا والأسواق ضيقة بسبب محدودية طاقة التكرير خارج أوروبا والصين.
من جانب آخر، يتوقع تقرير شهري لمنظمة أوبك أن يبلغ الطلب على صادراتها في عام 2026 نحو 43 مليون برميل يوميًا، وهو نفس مستوى الإنتاج الجماعي في نوفمبر 2025 (43.06 مليون برميل). وأكد تشارلز كينيدي من شركة أويل برايس أن هذا التقييم يعزز وجهة نظر المجموعة بأن «إنتاج النفط الأمريكي سيتباطأ«.
أما مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس، فتتوقع زيادة في إمدادات النفط بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا، ليصل الإنتاج إلى 106 ملايين برميل في عام 2026، وذلك بفضل «إنتاج أمريكي أقوى من المتوقع» بالإضافة إلى «تسارع وتيرة المشاريع البرازيلية الجديدة».
وفي المقابل، توقع آي إن جي زيادة في الإمدادات بمقدار 2.1 مليون برميل يوميًا، بينما توقعت زيادة «أكثر تواضعًا» في الطلب تبلغ 800 ألف برميل يوميًا، مما يشير إلى فائض يفوق مليوني برميل يوميًا في عام 2026، على أن يبلغ ذروته في النصف الأول من العام.
بالنسبة إلى تأثير هذه التوقعات على أسعار النفط في عام 2026 وما بعده، تتوقع مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس استمرار انخفاض الأسعار خلال العامين المقبلين، مع وصول سعر خام برنت إلى 58 دولارًا للبرميل بنهاية 2026، وانخفاضه إلى 55 دولارًا للبرميل بحلول نهاية 2027.
كما حدد آي إن جي توقعاته بسعر 57 دولارًا للبرميل في 2026، بينما توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية سعرًا متوسطًا قدره 55 دولارًا للبرميل، وهو ما سيكون أقل في الربع الأول من العام. في هذا السياق، علّق دان سترويفن، الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية في غولدمان ساكس، على أن السوق مهيأ لإعادة التوازن في عامي 2026 و2027، حيث إن مستويات الإنتاج الحالية تشبه «موجة كبيرة من إمدادات النفط» يتعين على القطاع التعامل معها.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الديناميكيات الجيوسياسية المستمرة التي قد تؤثر بشكل كبير في سوق النفط العالمي. فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض إمدادات النفط بمقدار 610,000 برميل في نوفمبر 2025، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انخفاض الإنتاج من روسيا. وأوضح باترسون أن توقعات آي إن جي تعتمد على الافتراض الأساسي بأن «تدفقات النفط الروسية ستستمر دون انقطاع رغم العقوبات الأمريكية» المفروضة على منتجي النفط المرتبطين بالكرملين مثل روسنفت ولوك أويل.
وفي الختام، وبالرغم من انخفاض سعر خام برنت بنحو 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فإن المسؤولين في بنك آي إن جي أشاروا إلى توقعات «تشاؤمية» لعام 2026، رغم المخاطر المستمرة للإمدادات التي «تظل تشكل تهديدًا للسوق».
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن سوق النفط مقبل على عام تتداخل فيه وفرة المعروض مع هشاشة التوازنات السياسية والاقتصادية. فبين توقعات الفائض وضغوط الأسعار من جهة، ومخاطر الاضطرابات الجيوسياسية واحتمالات تعطل الإمدادات من جهة أخرى، يبقى المسار النهائي للسوق رهين تطورات يصعب حسمها مسبقًا. وعليه، فإن عام 2026 قد لا يكون مجرد عام أرقام وتوقعات، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق على التكيف مع عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتقلص فيه هوامش اليقين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك