تعوَّدت، وسط زحام شوارعنا وطول الوقوف عند بعض الإشارات المرورية، أن أترك الراديو يعمل. ولا أكون عادةً في انتظار شيء معيّن. أتركه أحيانًا لأن الطريق يكون أثقل من أن يُقطع بصمت. الصوت، أي صوت، يجعل الوقوف أسهل قليلًا.
يمكن لأن الراديو كان جزءًا من طفولتي. جيلنا عاش حضوره أكثر من الأجيال التي جاءت بعدنا. كنا نستيقظ على صوته، نسمعه في سيارة الوالد، يرافقنا في البيت. لم يكن مجرد وسيلة، كان حاضرًا. وربما لهذا، حين أفتحه اليوم، لا أبحث عن معلومة أو أغنية فقط، إنما عن شيء من ذلك الإحساس القديم.
مرّة أنتبه لما يُقال، ومرّة يمرّ كل شيء في الخلفية من دون تركيز. أتنقّل بين محطاتنا الإذاعية الرائعة، أستمع قليلًا، أغيّر المحطة، ثم أجد نفسي أعود إليها. الطريق لا يتغيّر، لكن الانتظار يصبح أخفّ.. ومعه أهدأ أنا أيضًا.
لكل محطة طابعها، ولكل برنامج وقته. مرّة أبحث عن خبر، ومرّة تميل يدي إلى الموسيقى، ومرّة أترك شيئًا خفيفًا يرافق الطريق لا أكثر.
من بين هذا التنوّع، أتوقف في بعض المساءات عند محطة محلية صار صوت مذيعيها مألوفاً لي. أذكرهم لأنهم أصبحوا جزءاً من روتين طريقي، لا أكثر: لورا صيداوي وعلي القطان في Plus FM. يتناوبان بسلاسة لافتة، ويجعلان الانتظار أخف.
أبتسم أحيانًا لجملة خفيفة، ثم أعود إلى التركيز على الطريق.
مرّة شاركت بصوتي وأنا في طريقي لمشواري، حين فُتح المجال للمستمعين. كان السؤال خفيفًا، أقرب إلى الدعابة وتشجيع التفاعل. مشاركة عابرة، لم أتوقف عندها طويلًا، وأجبت بما حضرني في اللحظة.
ما لفتني بعدها لم يكن ما قلته. كان صوتي وهو يخرج كما هو، بصراحة، من دون توتر، ومن دون أي محاولة للترتيب. في هذا النوع من المشاركة، يُذكر الاسم، وبعض الأوقات مكان السكن، في تعارف بسيط لا يتجاوز اللحظة. بعد ذلك يتقدّم الصوت وحده. لا صورة تسبق الكلام، ولا ملامح، ولا أي انطباع بصري. الصوت يصل أولًا، يُسمَع كما خرج، مهما كان عفويًا أو مترددًا. وما يبقى بعدها ذلك الإحساس الهادئ بأن الكلام وجد طريقه، وقيل قبل أن يُقاس أو يُحاكم.
أقول هذا، ومع ذلك أجدني أحيانًا، بعد مقابلة إذاعية أعجبتني، أبحث عن صور المتحدثين. أريد أن أرى الوجه الذي يقف خلف الصوت. ليس لأن الصوت لم يكفِ، لكن في اعتقادي لأننا، رغم كل شيء، نحتاج أن تكتمل الصورة. نريد أن نربط الصوت بملامح، كأننا نطمئن إلى أن هذا الصوت الذي رافقنا كان لإنسان حقيقي، له وجه ومكان.
وفي البث الحي، حين يتصل أحد المستمعين، يكون للّحظة طعم آخر. لأن الصوت يأتيك من شخص يعيش اللحظة نفسها؛ ينتظر إشارة مثلك، أو يمرّ بالطريق نفسه. تحسّ أن هناك من يشاركك الوقت من دون أن تراه. هذا وحده يكفي. كأنك لست وحدك تمامًا، حتى لو كنت كذلك.
يمرّ في بالي: مع كل هذا الزحام الرقمي، كيف ما زال للراديو مكان؟ يبدو أنه لا ينافس أحدًا. لا يطلب منك أن تنظر، ولا أن تتفاعل طوال الوقت. يكفي أن يكون حاضرًا.
كبرنا على الراديو، حين كان الصوت يكفي ليملأ المكان. أبناؤنا عاشوا عالمًا مختلفًا، كل شيء فيه بصري وقابل للتحكم. ورغم ذلك، أحيانًا أجد أبنائي يستمعون معي في السيارة، ويبتسمون لجملة طريفة من مذيع لا يعرفونه. لعلّ في المستقبل، وسط كل هذا الضجيج، سنحتاج إليه أكثر مما نظن.
الإذاعة تبقى في الخلفية بطريقتها. تارةً تتقدّم خطوة، وتارةً تتركك وحدك مع الطريق. تفتح مساحة للكلام إن رغبت، وتمنحك صمتًا أوسع حين لا يكون لديك ما تقوله.
وسط هذا الزحام كله، ما زال للراديو مكانه. لا في الصدارة، ولا في الهامش. هناك فقط.. يؤدي دوره، ويمضي.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك