العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لماذا مازلنا نفتح الراديو؟

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

تعوَّدت،‭ ‬وسط‭ ‬زحام‭ ‬شوارعنا‭ ‬وطول‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬المرورية،‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬الراديو‭ ‬يعمل‭. ‬ولا‭ ‬أكون‭ ‬عادةً‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬شيء‭ ‬معيّن‭. ‬أتركه‭ ‬أحيانًا‭ ‬لأن‭ ‬الطريق‭ ‬يكون‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُقطع‭ ‬بصمت‭. ‬الصوت،‭ ‬أي‭ ‬صوت،‭ ‬يجعل‭ ‬الوقوف‭ ‬أسهل‭ ‬قليلًا‭.‬

يمكن‭ ‬لأن‭ ‬الراديو‭ ‬كان‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬طفولتي‭. ‬جيلنا‭ ‬عاش‭ ‬حضوره‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بعدنا‭. ‬كنا‭ ‬نستيقظ‭ ‬على‭ ‬صوته،‭ ‬نسمعه‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬الوالد،‭ ‬يرافقنا‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة،‭ ‬كان‭ ‬حاضرًا‭. ‬وربما‭ ‬لهذا،‭ ‬حين‭ ‬أفتحه‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬معلومة‭ ‬أو‭ ‬أغنية‭ ‬فقط،‭ ‬إنما‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬القديم‭.‬

مرّة‭ ‬أنتبه‭ ‬لما‭ ‬يُقال،‭ ‬ومرّة‭ ‬يمرّ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تركيز‭. ‬أتنقّل‭ ‬بين‭ ‬محطاتنا‭ ‬الإذاعية‭ ‬الرائعة،‭ ‬أستمع‭ ‬قليلًا،‭ ‬أغيّر‭ ‬المحطة،‭ ‬ثم‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬أعود‭ ‬إليها‭. ‬الطريق‭ ‬لا‭ ‬يتغيّر،‭ ‬لكن‭ ‬الانتظار‭ ‬يصبح‭ ‬أخفّ‭.. ‬ومعه‭ ‬أهدأ‭ ‬أنا‭ ‬أيضًا‭.‬

لكل‭ ‬محطة‭ ‬طابعها،‭ ‬ولكل‭ ‬برنامج‭ ‬وقته‭. ‬مرّة‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬خبر،‭ ‬ومرّة‭ ‬تميل‭ ‬يدي‭ ‬إلى‭ ‬الموسيقى،‭ ‬ومرّة‭ ‬أترك‭ ‬شيئًا‭ ‬خفيفًا‭ ‬يرافق‭ ‬الطريق‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬التنوّع،‭ ‬أتوقف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المساءات‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬محلية‭ ‬صار‭ ‬صوت‭ ‬مذيعيها‭ ‬مألوفاً‭ ‬لي‭. ‬أذكرهم‭ ‬لأنهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬روتين‭ ‬طريقي،‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭: ‬لورا‭ ‬صيداوي‭ ‬وعلي‭ ‬القطان‭ ‬في‭ ‬Plus‭ ‬FM‭. ‬يتناوبان‭ ‬بسلاسة‭ ‬لافتة،‭ ‬ويجعلان‭ ‬الانتظار‭ ‬أخف‭.‬

أبتسم‭ ‬أحيانًا‭ ‬لجملة‭ ‬خفيفة،‭ ‬ثم‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الطريق‭.‬

مرّة‭ ‬شاركت‭ ‬بصوتي‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬لمشواري،‭ ‬حين‭ ‬فُتح‭ ‬المجال‭ ‬للمستمعين‭. ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬خفيفًا،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الدعابة‭ ‬وتشجيع‭ ‬التفاعل‭. ‬مشاركة‭ ‬عابرة،‭ ‬لم‭ ‬أتوقف‭ ‬عندها‭ ‬طويلًا،‭ ‬وأجبت‭ ‬بما‭ ‬حضرني‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭.‬

ما‭ ‬لفتني‭ ‬بعدها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ما‭ ‬قلته‭. ‬كان‭ ‬صوتي‭ ‬وهو‭ ‬يخرج‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بصراحة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توتر،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للترتيب‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المشاركة،‭ ‬يُذكر‭ ‬الاسم،‭ ‬وبعض‭ ‬الأوقات‭ ‬مكان‭ ‬السكن،‭ ‬في‭ ‬تعارف‭ ‬بسيط‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬اللحظة‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يتقدّم‭ ‬الصوت‭ ‬وحده‭. ‬لا‭ ‬صورة‭ ‬تسبق‭ ‬الكلام،‭ ‬ولا‭ ‬ملامح،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬انطباع‭ ‬بصري‭. ‬الصوت‭ ‬يصل‭ ‬أولًا،‭ ‬يُسمَع‭ ‬كما‭ ‬خرج،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬عفويًا‭ ‬أو‭ ‬مترددًا‭. ‬وما‭ ‬يبقى‭ ‬بعدها‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الهادئ‭ ‬بأن‭ ‬الكلام‭ ‬وجد‭ ‬طريقه،‭ ‬وقيل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُقاس‭ ‬أو‭ ‬يُحاكم‭.‬

أقول‭ ‬هذا،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أجدني‭ ‬أحيانًا،‭ ‬بعد‭ ‬مقابلة‭ ‬إذاعية‭ ‬أعجبتني،‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬صور‭ ‬المتحدثين‭. ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬الصوت‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الصوت‭ ‬لم‭ ‬يكفِ،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬لأننا،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬نحتاج‭ ‬أن‭ ‬تكتمل‭ ‬الصورة‭. ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نربط‭ ‬الصوت‭ ‬بملامح،‭ ‬كأننا‭ ‬نطمئن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬رافقنا‭ ‬كان‭ ‬لإنسان‭ ‬حقيقي،‭ ‬له‭ ‬وجه‭ ‬ومكان‭.‬

وفي‭ ‬البث‭ ‬الحي،‭ ‬حين‭ ‬يتصل‭ ‬أحد‭ ‬المستمعين،‭ ‬يكون‭ ‬للّحظة‭ ‬طعم‭ ‬آخر‭. ‬لأن‭ ‬الصوت‭ ‬يأتيك‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬يعيش‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها؛‭ ‬ينتظر‭ ‬إشارة‭ ‬مثلك،‭ ‬أو‭ ‬يمرّ‭ ‬بالطريق‭ ‬نفسه‭. ‬تحسّ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشاركك‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تراه‭. ‬هذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭. ‬كأنك‭ ‬لست‭ ‬وحدك‭ ‬تمامًا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬كذلك‭.‬

يمرّ‭ ‬في‭ ‬بالي‭: ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الزحام‭ ‬الرقمي،‭ ‬كيف‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬للراديو‭ ‬مكان؟‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينافس‭ ‬أحدًا‭. ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تنظر،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تتفاعل‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضرًا‭.‬

كبرنا‭ ‬على‭ ‬الراديو،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الصوت‭ ‬يكفي‭ ‬ليملأ‭ ‬المكان‭. ‬أبناؤنا‭ ‬عاشوا‭ ‬عالمًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فيه‭ ‬بصري‭ ‬وقابل‭ ‬للتحكم‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أجد‭ ‬أبنائي‭ ‬يستمعون‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬السيارة،‭ ‬ويبتسمون‭ ‬لجملة‭ ‬طريفة‭ ‬من‭ ‬مذيع‭ ‬لا‭ ‬يعرفونه‭. ‬لعلّ‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الضجيج،‭ ‬سنحتاج‭ ‬إليه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نظن‭.‬

الإذاعة‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭ ‬بطريقتها‭. ‬تارةً‭ ‬تتقدّم‭ ‬خطوة،‭ ‬وتارةً‭ ‬تتركك‭ ‬وحدك‭ ‬مع‭ ‬الطريق‭. ‬تفتح‭ ‬مساحة‭ ‬للكلام‭ ‬إن‭ ‬رغبت،‭ ‬وتمنحك‭ ‬صمتًا‭ ‬أوسع‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لديك‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬الزحام‭ ‬كله،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬للراديو‭ ‬مكانه‭. ‬لا‭ ‬في‭ ‬الصدارة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الهامش‭. ‬هناك‭ ‬فقط‭.. ‬يؤدي‭ ‬دوره،‭ ‬ويمضي‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا