عندما عقد الرئيس دونالد ترامب ما يسمى بمجلس السلام في دافوس بسويسرا، كان أحد البنود الرئيسية على جدول الأعمال هو تأييد خطة صهره جاريد كوشنر الباذخة (والتي أعتبرها منفصلة عن الواقع) لإنشاء «غزة جديدة».
وفي الحقيقة فإن هذا الذي يسميه الرئيس دونالد ترامب مخطط كوشنر هو في الواقع أقرب إلى منتجع فاخر للسياح الأثرياء منه إلى وضع أساس لمستقبل عادل للفلسطينيين ضحايا حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
ولكن بما أن الغاية الأساسية لمجلس السلام هي معالجة تداعيات حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة، فقد كان يجب على النقاش أن يتناول بالضرورة سبل تلبية احتياجات مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا مأوى.
وهكذا، قدّم جاريد كوشنر اقتراحاً لإنشاء مجتمع فلسطيني نموذجي - «رفح الجديدة» - يعتزم بناءه لإيواء الفلسطينيين في غزة، وقد تم تداول مخططات رفح الجديدة هذه منذ ذلك الاجتماع الذي عقد في دافوس.
لقد تمَّ التطرق إلى كل شيء: كيف سيُدار اقتصاد غزة؛ وكيف سيُسهم نظامها التعليمي والصحي في بناء جيل جديد من الفلسطينيين الأصحاء غير المتأثرين بأي أيديولوجية؛ وكيف سيتم تخطيط «المدن الجديدة» وتشغيلها وإدارتها، وقد تمّ حساب كل شيء بدقة، وصولاً إلى عدد المعلمين والأطباء والقضاة والزعماء الدينيين والعمال المطلوبين لكل فرد في كل مجتمع.
لو كان جاريد كوشنر يُعدّ دليلا لكيفية استخدام آلة معقدة أو يضع تعليمات لتثبيت وتشغيل برنامج جديد، لربما بدت هذه الخطة مثالية، لكن فلسطين ليست لعبة فيديو، والفلسطينيون بشر، وليسوا قطع «ليغ» وتُركّب وفقًا للتعليمات.
يرتبط الفلسطينيون، كغيرهم من شعوب الأرض، عاطفياً أيما ارتباط بديارهم وعائلاتهم، كما أنهم يحملون ذكريات الظلم الذي عانوه، سواءً على المستوى الشخصي أو الجماعي. إن تجاهل إنسانية الفلسطينيين بكل جوانبها هو الخلل القاتل الذي سيوقف مسيرة رفح الجديدة قبل أن تبدأ، أو سيؤدي إلى انهيارها بعد ذلك بوقت قصير.
إن رفض من يمسكون بزمام السلطة والقوة ويسيطرون على فلسطين الاعتراف بمظالم وتطلعات شعبها العربي الأصلي ليس بالأمر الجديد، بل إنه ظل في الواقع السمة الراسخة التي طبعت تاريخهم.
فعلى سبيل المثال، في عام 1919، عندما عُرضت على اللورد البريطاني بلفور نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته الولايات المتحدة الأمريكية حول المواقف العربية، والذي أظهر رفضهم الساحق لنيته منح الحركة الصهيونية وطنًا في فلسطين، رد قائلاً: «في فلسطين، لا نقترح حتى الخوض في شكل استشارة سكانها بشأن رغباتهم... الصهيونية... (إنها) ذات أهمية أعمق بكثير من رغبة وتحيزات 700 ألف عربي يسكنون تلك الأرض القديمة».
كذلك لم تتم استشارة الفلسطينيين عندما وضعت منظمة الأمم المتحدة خرائط مجحفة للغاية لتقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، وقد منحت تلك الخرائط المجتمع اليهودي أكثر من نصف الأرض (على الرغم من أن نسبتهم لا تتجاوز ثلث السكان).
رفض الفلسطينيون الخرائط لأن أكثر من نصف مليون منهم حُرموا من حقوقهم دون أن يكون لهم أي رأي في الأمر.
ولم يتلق الفلسطينيون الدعم عندما تم طُرد 650 ألفاً من إخوانهم من إسرائيل التي تم إنشاؤها حديثاً في عام 1948، أو عندما لم تتم محاسبة من قبل منظمة الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية على تخريب خطة السلام من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وبناء الجدار والعرقلة المتعمدة لتنمية الاقتصاد الفلسطيني، وذلك بعد إبرام اتفاقيات أوسلو.
وبدلاً من العمل على دعم الفلسطينيين في ظل انتهاك حقوقهم بشكل منهجي صارخ، ألقت الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى باللوم تاريخياً على الفلسطينيين، بينما برأت نفسها وبرأت إسرائيل من أي مسؤولية تاريخية.
ونتيجةً لقرن كامل من الانتهاكات الصارخة الممنهجة وإنكار الحقوق، نشأت جالية فلسطينية تشعر بالمرارة وفقدان الأمل، وهذا أمر طبيعي تبرره كل هذه المظالم التي سلطت على الشعب الفلسطيني. وعندما تُعبِّر هذه الجالية الفلسطينية المشتتة عن مشاعرها، تُقابل شكواها بالتجاهل، ويُقال لها ببساطة «تحمّلي الأمر» - وهو أمرٌ لا يُقال أبدًا، على سبيل المثال، للإسرائيليين أو للشعب اليهودي.
وذلك لأن صناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية يدركون إنسانية المجتمع اليهودي بكل جوانبها، فهم يفهمون تاريخهم وما تكبدوه من خسائر، وحاجتهم إلى الاحترام والإنصات لمظالمهم.
إن ما نشهده في أعقاب حرب الإبادة الجماعية في غزة وفي خضم التطهير العرقي الذي ترعاه الدولة ومحو المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية ليس إلا نفس القصة تتكرر مرة أخرى.
تُبذل كل الجهود لجعل الإسرائيليين يشعرون بالأمان، بينما يُتوقَّع من الفلسطينيين أن يفقدوا منازلهم وعائلاتهم وذكرياتهم، وأن يستسلموا ويكونوا مجرد قطع شطرنج، وأن يكونوا ممتنين لحصولهم على فرصة العيش في مدينة نموذجية بمجرد أن يتم فحصهم بشكل صحيح، والتعرف عليهم بيومترياً، ونزع التطرف عنهم.
خلاصة القول لم يُسمح للفلسطينيين قط بممارسة حقهم الإنساني كسائر شعوب الأرض وبني البشر في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، وقد كانت النتائج دائما كارثية عليهم وعلى المنطقة بأسرها.
إن السبب وراء الحروب التي اندلعت والسلوك الذي أبداه بعض عناصر المجتمع الفلسطيني يكمن في حقيقة بسيطة واحدة ألا وهي رفض منح الفلسطينيين حرية تحديد مستقبلهم بطريقة تعترف بكامل إنسانيتهم.
لقد أجرينا استطلاعات رأي في مختلف أنحاء فلسطين عدة مرات خلال السنوات القليلة الماضية، وخلصنا إلى أن الفلسطينيين لا يرغبون في العيش تحت سيطرة إسرائيل أو أي قوى خارجية أخرى. إنهم يطالبون بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والوحدة الوطنية لجميع الفصائل في جميع أنحاء بلادهم، وإجراء استفتاء وطني لانتخاب قادة جدد ووضع خطة للحكم تُمكّنهم من تحقيق الحرية والاستقلال. إنهم يستحقون كل هذا وأكثر.
{رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك