العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دروس الربح والخسارة من أوراق جدي القديمة

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬صندوق‭ ‬جدي‭ ‬الحديدي‭ ‬وجدت‭ ‬قصاصة‭ ‬ورق،‭ ‬بعنوان‭: ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقرأه‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬السلحفاة‭ ‬والأرنب،‭ ‬فشدني‭ ‬العنوان،‭ ‬فتساءلت‭: ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬أجزاء‭ ‬مفقودة‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬السلحفاة‭ ‬والأرنب‭ ‬لم‭ ‬نقرأها‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬للعيان؟

فجلست‭ ‬أقرأ،‭ ‬فإذا‭ ‬القصة‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬فصول؛‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬هي‭ ‬القصة‭ ‬نفسها‭ ‬المعروفة،‭ ‬والتي‭ ‬نام‭ ‬فيها‭ ‬الأرنب‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬معتقدًا‭ ‬أنه‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يسبق‭ ‬السلحفاة‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬بلحظات‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬النهاية،‭ ‬فخسر‭ ‬في‭ ‬السباق‭ ‬بسبب‭ ‬غروره‭ ‬اللامتناهي،‭ ‬وكسبت‭ ‬السلحفاة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬بطيئة‭ ‬الحركة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإصرار‭ ‬والعزيمة‭ ‬هما‭ ‬كانا‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭.‬

وعادة‭ ‬ما‭ ‬تنتهي‭ ‬القصة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬ولكن‭ ‬القصة‭ ‬تخفي‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬الرواية،‭ ‬وهي‭ ‬أنه‭ ‬أثناء‭ ‬تلك‭ ‬المنافسة‭ ‬كانت‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة‭ ‬كلها‭ ‬محتشدة‭ ‬وتراقب‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬سيفوز‭.‬

ولكن‭ ‬أوراق‭ ‬جدي‭ ‬تواصل‭ ‬الحكاية‭ ‬وتقول‭:‬

غادر‭ ‬الأرنب‭ ‬الميدان،‭ ‬وهو‭ ‬مصاب‭ ‬بخيبة‭ ‬أمل‭ ‬كبيرة‭ ‬لخسارته،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬غروره‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليسلمه‭ ‬إلى‭ ‬السبب‭ ‬الحقيقي‭ ‬للهزيمة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬ثقته‭ ‬المفرطة‭ ‬غير‭ ‬المبالية‭ ‬لقدرات‭ ‬الخصم‭.‬

ولكن‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬سمع‭ ‬الأرنب‭ ‬دقات‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬بيته،‭ ‬ففتح‭ ‬الباب،‭ ‬فوجد‭ ‬طائر‭ ‬الغراب‭ ‬يقف‭ ‬بكامل‭ ‬ثقته‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬ويطلب‭ ‬الأذن‭ ‬بالدخول،‭ ‬فسمح‭ ‬له‭ ‬ودخل‭.‬

قال‭ ‬الغراب‭: ‬أنا‭ ‬كنت‭ ‬أشاهد‭ ‬السباق،‭ ‬ولقد‭ ‬حزنت‭ ‬كثيرًا‭ ‬لخسارتك،‭ ‬فسألت‭ ‬نفسي‭: ‬كيف‭ ‬يُهزم‭ ‬هذا‭ ‬الأرنب‭ ‬القوي‭ ‬من‭ ‬سلحفاة‭ ‬بطيئة؟‭ ‬فجلست‭ ‬أفكر‭ ‬وأفكر‭ ‬ساعات‭ ‬وأياما،‭ ‬ثم‭ ‬توصلت‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفوز،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬تغفو‭ ‬تحت‭ ‬الشجرة،‭ ‬ولكن‭ ‬اجر‭ ‬بأقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬النهاية‭ ‬وعندها‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تنام‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬السلحفاة‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬النهاية‭.‬

وبدأ‭ ‬طائر‭ ‬الغراب‭ ‬يحرض‭ ‬الأرنب‭ ‬مثيرًا‭ ‬إمكانيات‭ ‬الأرنب‭ ‬وقدراته‭ ‬المتناهية،‭ ‬فهو‭ ‬القوي،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬هزيمته‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬معسول‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مقاومته‭. ‬ولم‭ ‬يترك‭ ‬الفرصة‭ ‬للأرنب‭ ‬حتى‭ ‬يفكر‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬القرار‭ ‬بسرعة،‭ ‬فوافق‭ ‬الأرنب‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬السلحفاة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬التحديات‭ ‬والنتيجة‭.‬

حينئذ‭ ‬قال‭ ‬الغراب‭: ‬سأذهب‭ ‬وأبلغ‭ ‬السلحفاة‭ ‬بقرارك،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬التحدي‭.‬

وبالفعل‭ ‬ذهب‭ ‬الغراب‭ ‬إلى‭ ‬السلحفاة،‭ ‬فقال‭ ‬للسلحفاة‭ ‬الكلام‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬قاله‭ ‬للأرنب،‭ ‬ولكنه‭ ‬بطريقة‭ ‬مغايرة؛‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬للسلحفاة‭ ‬إن‭ ‬الأرنب‭ ‬المغرور‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬الجلبة،‭ ‬وأنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهزم‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أيضًا‭ ‬إن‭ ‬تمكنت‭ ‬السلحفاة‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬التحدي،‭ ‬فالسلحفاة‭ ‬هي‭ ‬الأقوى‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬الفوز،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬غرور‭ ‬السلحفاة،‭ ‬فقبلت‭ ‬التحدي‭.‬

فضحك‭ ‬الغراب‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نضحك‭ ‬على‭ ‬غباء‭ ‬الأرنب‭ ‬والسلحفاة،‭ ‬وأن‭ ‬نجني‭ ‬بعض‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأغبياء‮»‬‭.‬

فدعا‭ ‬جميع‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة،‭ ‬وضرب‭ ‬طوقًا‭ ‬على‭ ‬مكان‭ ‬السباق،‭ ‬وباع‭ ‬التذاكر‭ ‬للراغبين‭ ‬في‭ ‬مشاهدة‭ ‬موسم‭ ‬السباق‭ ‬الكبير،‭ ‬وجنى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭.‬

استعد‭ ‬الأرنب‭ ‬ليوم‭ ‬السباق،‭ ‬وتدرب‭ ‬وأعاد‭ ‬ترتيب‭ ‬أفكاره‭ ‬وعزم‭ ‬على‭ ‬الجدية‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬ورسم‭ ‬خطة‭ ‬للفوز‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬بدأ‭ ‬السباق‭ ‬حتى‭ ‬انطلق‭ ‬الأرنب‭ ‬بأسرع‭ ‬ما‭ ‬يمكن،‭ ‬وبلغ‭ ‬نهاية‭ ‬الخط‭ ‬بفارق‭ ‬عدة‭ ‬أميال،‭ ‬ففاز‭ ‬في‭ ‬السباق،‭ ‬وخسرت‭ ‬السلحفاة‭.‬

فرجعت‭ ‬السلحفاة‭ ‬البيت،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬أحسن‭ ‬حال‭.‬

مرت‭ ‬الأيام‭ ‬فجاء‭ ‬الغراب‭ ‬للسلحفاة،‭ ‬ليحاول‭ ‬أن‭ ‬يشجعها‭ ‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬السباق،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬السلحفاة‭ ‬أن‭ ‬تعلن‭ ‬ذلك‭ ‬للأرنب،‭ ‬وبشرط‭ ‬محدد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬السلحفاة‭ ‬أرض‭ ‬السباق،‭ ‬ولم‭ ‬تتفهم‭ ‬السلحفاة‭ ‬الموضوع،‭ ‬فشرح‭ ‬لها‭ ‬الغراب‭ ‬كل‭ ‬الأمور‭ ‬خطوة‭ ‬بخطوة،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭  ‬في‭ ‬الجولة‭ ‬الثالثة‭ ‬والأخيرة‭.‬

فوافقت‭ ‬السلحفاة‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬الغراب،‭ ‬فذهب‭ ‬الغراب‭ ‬للأرنب‭ ‬يستحثه‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬التحدي،‭ ‬فجلس‭ ‬مع‭ ‬الأرنب‭ ‬وهو‭ ‬يضحك‭ ‬ويسخران‭ ‬من‭ ‬السلحفاة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تفوز‭.‬

وحدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬المرة‭ ‬الماضية،‭ ‬تم‭ ‬إعلان‭ ‬السباق،‭ ‬وتم‭ ‬اختيار‭ ‬أرض‭ ‬المسابقة،‭ ‬وجنى‭ ‬الغراب‭ ‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬المراهنات،‭ ‬والتذاكر،‭ ‬والإعلانات‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الممول‭ ‬الحصري‭ ‬للحدث‭ ‬الكبير‭.‬

وبالفعل‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬المنشود،‭ ‬جاء‭ ‬الجميع،‭ ‬ووقف‭ ‬الأرنب‭ ‬ووقفت‭ ‬السلحفاة‭ ‬عند‭ ‬خط‭ ‬البداية،‭ ‬وانطلقت‭ ‬صافرة‭ ‬البداية،‭ ‬فانطلق‭ ‬الجميع‭. ‬انطلق‭ ‬الأرنب‭ ‬بنفس‭ ‬العزيمة‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬الثانية،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهزم‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مهما‭ ‬حدث،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬جرى‭ ‬الأرنب‭ ‬مسافة‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬نهرًا‭ ‬يقطع‭ ‬الطريق،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬خط‭ ‬النهاية‭ ‬بعد‭ ‬النهر‭ ‬بمسافة،‭ ‬ففكر‭ ‬الأرنب‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬النهر،‭ ‬فحاول‭ ‬أن‭ ‬يقفز‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬النهر،‭ ‬فيعود‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بشق‭ ‬الأنفس‭. ‬حاول‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬بلوغ‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬النهر،‭ ‬وظل‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬ساعات،‭ ‬حتى‭ ‬جاءت‭ ‬السلحفاة،‭ ‬فابتسمت،‭ ‬ثم‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬ضفة‭ ‬النهر،‭ ‬فنزلت‭ ‬فيه‭ ‬وسبحت‭ ‬للضفة‭ ‬المقابلة‭ ‬وواصلت‭ ‬سيرها‭ ‬البطيء‭ ‬حتى‭ ‬خط‭ ‬النهاية،‭ ‬ففازت‭.‬

يقول‭ ‬جدي‭ ‬تعليقًا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬من‭ ‬القصة‭: ‬عندما‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬إمكانياتك‭ ‬التي‭ ‬تميزك‭ ‬عن‭ ‬خصمك‭ ‬وتسخرها‭ ‬للفوز‭ ‬على‭ ‬منافسيك،‭ ‬فإنك‭ ‬حتمًا‭ ‬ستفوز،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬السلحفاة،‭ ‬إذ‭ ‬قامت‭ ‬بتغيير‭ ‬الملعب‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬وكفاءاتها‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تملكها،‭ ‬ففازت‭.‬

ويواصل‭ ‬جدي‭ ‬حكايته،‭ ‬ويقول‭: ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخرق‭ ‬اتسع‭ ‬في‭ ‬الغابة،‭ ‬إذ‭ ‬انقسمت‭ ‬الحيوانات،‭ ‬فمجموعة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الأرنب‭ ‬أحق‭ ‬بالفوز،‭ ‬ومجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬السلحفاة‭ ‬أحق،‭ ‬وبدأت‭ ‬المناوشات‭ ‬والمخاصمات‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬هادئة‭.‬

وظل‭ ‬الأرنب‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬عدة‭ ‬أشهر‭ ‬مكتئبًا،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الغراب‭ ‬الذهاب‭ ‬إليه‭ ‬لمحاولة‭ ‬حثه‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬السباق،‭ ‬وكل‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬قاله‭ ‬سابقًا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأرنب‭ ‬ظل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬أحدا‭.‬

وبعد‭ ‬عدة‭ ‬أشهر،‭ ‬وأثناء‭ ‬عودة‭ ‬الأرنب‭ ‬إلى‭ ‬منزله،‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬طيور‭ ‬الهدهد‭ ‬كان‭ ‬ينتظره‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬البيت،‭ ‬فقال‭ ‬الأرنب‭: ‬إن‭ ‬جئت‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الغراب‭ ‬فلا‭ ‬مرحبًا‭ ‬بك‭.‬

فقال‭ ‬الهدهد‭: ‬أنا‭ ‬لست‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أحد،‭ ‬ولكن‭ ‬لدي‭ ‬كلمات‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬تسمعها‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬رفض‭ ‬الأرنب‭ ‬سماع‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الهدهد‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬موقفه،‭ ‬وقال‭ ‬بغضب‭: ‬إن‭ ‬الغراب‭ ‬كذب‭ ‬عليكما‭ ‬واستفاد‭ ‬منكما‭ ‬وجنى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المال،‭ ‬وأنا‭ ‬لك‭ ‬ناصح‭ ‬أمين،ا‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬احكم‭ ‬على‭ ‬كلامي‭.‬

رضخ‭ ‬الأرنب‭ ‬إلى‭ ‬الهدهد‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬المنزل،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬لنعيد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬السباق،‭ ‬ولكن‭ ‬بطريقة‭ ‬تجعل‭ ‬الغراب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يخسر‭ ‬وليس‭ ‬أنت‭ ‬أو‭ ‬السلحفاة‭.‬

الأرنب‭: ‬كيف؟

الهدهد‭: ‬لنعمل‭ ‬كفريق‭ ‬واحد،‭ ‬أصدقاء،‭ ‬أنت‭ ‬بإمكانياتك‭ ‬والسلحفاة‭ ‬بإمكانياتها،‭ ‬نتعاون،‭ ‬نضع‭ ‬أيدينا‭ ‬بيد‭ ‬بعض،‭ ‬أنت‭ ‬تساعدها،‭ ‬وهي‭ ‬تساعدك،‭ ‬لننجح‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬استغلال‭ ‬أو‭ ‬كراهية،‭ ‬ولنعد‭ ‬الفرحة‭ ‬إلى‭ ‬الغابة‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة‭ ‬انقسموا،‭ ‬ففريق‭ ‬وقف‭ ‬معك‭ ‬والفريق‭ ‬الآخر‭ ‬مع‭ ‬السلحفاة،‭ ‬حتى‭ ‬كاد‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يتعاركوا‭ ‬ويتمزقوا،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬بسبب‭ ‬الغراب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يهمه‭ ‬إلا‭ ‬نفسه‭.‬

الأرنب‭: ‬حسنٌ،‭ ‬دعني‭ ‬أفكر‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭.‬

طار‭ ‬الهدهد‭ ‬إلى‭ ‬السلحفاة،‭ ‬وقال‭ ‬لها‭ ‬نفس‭ ‬الكلام،‭ ‬وردت‭ ‬السلحفاة‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭.‬

وبعد‭ ‬محاولات،‭ ‬ومحاولات،‭ ‬جمع‭ ‬الهدهد‭ ‬الأرنب‭ ‬والسلحفاة‭ ‬في‭ ‬اجتماع،‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬الأرنب‭ ‬وبسرية‭ ‬تامة،‭ ‬واتفقا‭ ‬على‭ ‬معاودة‭ ‬السباق،‭ ‬ولكن‭ ‬بأسلوب‭ ‬فريق‭ ‬العمل‭ ‬الواحد‭.‬

وفي‭ ‬اليوم‭ ‬المنشود،‭ ‬وقف‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬السباق،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مجانًا‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬تذاكر‭ ‬أو‭ ‬احتكار،‭ ‬وكان‭ ‬الغراب‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬حالات‭ ‬الغضب،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬به‭ ‬أحد،‭ ‬وقبل‭ ‬بداية‭ ‬السباق‭ ‬ركبت‭ ‬السلحفاة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الأرنب،‭ ‬فانطلق‭ ‬الأرنب‭ ‬بأسرع‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭.‬

وعندما‭ ‬بلغا‭ ‬النهر،‭ ‬صعد‭ ‬الأرنب‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬السلحفاة،‭ ‬فسبحت‭ ‬السلحفاة‭ ‬من‭ ‬ضفة‭ ‬النهر‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬وعندها‭ ‬ركبت‭ ‬السلحفاة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الأرنب،‭ ‬فجرى‭ ‬حتى‭ ‬بلغا‭ ‬خط‭ ‬النهاية‭ ‬معًا،‭ ‬ففازا‭ ‬معًا،‭ ‬فصفق‭ ‬وفاز‭ ‬الجميع،‭ ‬وعاد‭ ‬سكان‭ ‬الغابة‭ ‬أصدقاء‭ ‬لا‭ ‬تفرقهم‭ ‬الغربان‭.‬

تنتهي‭ ‬قصة‭ ‬جدي‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الحكاية‭ ‬لم‭ ‬تنته؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬قراءتها‭ ‬بطريقة‭ ‬منهجية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬فيمكننا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭:‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬السباق‭: ‬كانت‭ ‬للسلحفاة‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف،‭ ‬وهي‭ ‬أنها‭ ‬بطيئة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الأرنب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العزيمة‭ ‬والإصرار‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الفوز‭ ‬منحها‭ ‬الفوز،‭ ‬فالبطيء‭ ‬الثابت‭ ‬والمثابر‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المرات‭ ‬من‭ ‬السريع‭ ‬المتهور،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬الأرنب‭ ‬الذي‭ ‬اعتقد‭ ‬جازمًا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الغباء‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الخسارة‭ ‬وهو‭ ‬القوي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهزم‭.‬

المرحلة‭ ‬الثانية‭: ‬عندما‭ ‬أعاد‭ ‬الأرنب‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬ووضعه،‭ ‬واستغل‭ ‬قدراته‭ ‬وإمكانياته‭ ‬ومزج‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بالجدية‭ ‬وعدم‭ ‬الاستهتار،‭ ‬فاز‭ ‬بسهولة‭.‬

وأما‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭: ‬فإن‭ ‬السلحفاة‭ ‬فازت‭ ‬لأنها‭ ‬فكرت‭ ‬بطريقة‭ ‬ذكية‭ ‬للفوز،‭ ‬واستغلت‭ ‬قدراتها‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬التي‭ ‬ليست‭ ‬موجودة‭ ‬عند‭ ‬الأرنب،‭ ‬فسبحت‭ ‬في‭ ‬النهر،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفعله‭ ‬الأرنب،‭ ‬فرسمت‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭ ‬ففازت‭.‬

وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭: ‬فاز‭ ‬الجميع،‭ ‬لأنهما‭ ‬عملا‭ ‬بأسلوب‭ ‬فريق‭ ‬العمل،‭ ‬فوضع‭ ‬الأرنب‭ ‬قدراته‭ ‬وإمكانياته‭ ‬مع‭ ‬إمكانيات‭ ‬وقدرات‭ ‬السلحفاة‭ ‬ففازا‭ ‬على‭ ‬الغربان‭ ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬أن‭ ‬تفسد‭ ‬حياة‭ ‬الغابة‭. ‬فبالفريق‭ ‬والأخوة‭ ‬والمحبة‭ ‬والتقارب‭ ‬دائمًا‭ ‬نفوز،‭ ‬أما‭ ‬بالتنافر‭ ‬ووجود‭ ‬الغربان‭ ‬حتمًا‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬ستكون‭ ‬وبالاً‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

وربما‭ ‬هناك‭ ‬نتذكر‭ ‬قول‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الذي‭ ‬رواه‭ ‬مسلم‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬مثل‭ ‬المؤمنين‭ ‬في‭ ‬توادهم‭ ‬وتراحمهم‭ ‬وتعاطفهم‭ ‬مثل‭ ‬الجسد‭ ‬إذا‭ ‬اشتكى‭ ‬منه‭ ‬عضو‭ ‬تداعى‭ ‬له‭ ‬سائر‭ ‬الجسد‭ ‬بالسهر‭ ‬والحمى‮»‬،‭ ‬فالمعنى‭ ‬واضح‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تأويل‭. ‬

ففي‭ ‬الحياة،‭ ‬خسارة‭ ‬وفوز،‭ ‬فعندما‭ ‬نخسر،‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الملائم‭ ‬ألا‭ ‬نستسلم،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نغير‭ ‬خططنا‭ ‬واستراتيجيتنا،‭ ‬ثم‭ ‬نعمل‭ ‬بذكاء‭ ‬وجد،‭ ‬ونستفز‭ ‬كل‭ ‬طاقاتنا‭ ‬وخاصة‭ ‬نقاط‭ ‬قوتنا،‭ ‬وربما‭ ‬نجرب‭ ‬طرقاً‭ ‬جديدة‭ ‬وأفكاراً‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬الصندوق،‭ ‬وأفكارا‭ ‬إبداعية،‭ ‬حتى‭ ‬نبلغ‭ ‬النجاح،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوج‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬وإمكانياتهم‭ ‬وأن‭ ‬نعمل‭ ‬بمبدأ‭ (‬اربح‭ ‬ولا‭ ‬تدعني‭ ‬أخسر‭)‬،‭ ‬هكذا‭ ‬نضع‭ ‬أيدينا‭ ‬بيد‭ ‬بعض،‭ ‬حينئذ‭ ‬حتمًا‭ ‬سنبلغ‭ ‬النجاح‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭.‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا