في صندوق جدي الحديدي وجدت قصاصة ورق، بعنوان: ما لم تقرأه من قصة السلحفاة والأرنب، فشدني العنوان، فتساءلت: هل هناك أجزاء مفقودة من قصة السلحفاة والأرنب لم نقرأها أو لم تظهر للعيان؟
فجلست أقرأ، فإذا القصة مكونة من أربعة فصول؛ الفصل الأول هي القصة نفسها المعروفة، والتي نام فيها الأرنب في منتصف الطريق معتقدًا أنه يمكنه أن يسبق السلحفاة حتى ولو بلحظات من خط النهاية، فخسر في السباق بسبب غروره اللامتناهي، وكسبت السلحفاة على الرغم من أنها بطيئة الحركة، إلا أن الإصرار والعزيمة هما كانا السبب الرئيس في الانتصار.
وعادة ما تنتهي القصة عند هذا الحد، ولكن القصة تخفي جزءًا مهمًا من الرواية، وهي أنه أثناء تلك المنافسة كانت حيوانات الغابة كلها محتشدة وتراقب من الذي سيفوز.
ولكن أوراق جدي تواصل الحكاية وتقول:
غادر الأرنب الميدان، وهو مصاب بخيبة أمل كبيرة لخسارته، إلا أن غروره لم يكن ليسلمه إلى السبب الحقيقي للهزيمة التي كانت بسبب ثقته المفرطة غير المبالية لقدرات الخصم.
ولكن وبعد مرور بضعة أيام سمع الأرنب دقات على باب بيته، ففتح الباب، فوجد طائر الغراب يقف بكامل ثقته على الباب ويطلب الأذن بالدخول، فسمح له ودخل.
قال الغراب: أنا كنت أشاهد السباق، ولقد حزنت كثيرًا لخسارتك، فسألت نفسي: كيف يُهزم هذا الأرنب القوي من سلحفاة بطيئة؟ فجلست أفكر وأفكر ساعات وأياما، ثم توصلت إلى نتيجة أنه يمكن أن تفوز، ولكن هذه المرة لا تغفو تحت الشجرة، ولكن اجر بأقصى ما يمكن إلى خط النهاية وعندها يمكنك أن تنام عدة أيام حتى تصل السلحفاة إلى خط النهاية.
وبدأ طائر الغراب يحرض الأرنب مثيرًا إمكانيات الأرنب وقدراته المتناهية، فهو القوي، وهو الذي لا يمكن هزيمته وما إلى ذلك من كلام معسول والذي لا يمكن مقاومته. ولم يترك الفرصة للأرنب حتى يفكر فقد كان ينتظر القرار بسرعة، فوافق الأرنب على تحدي السلحفاة مرة أخرى مهما كانت التحديات والنتيجة.
حينئذ قال الغراب: سأذهب وأبلغ السلحفاة بقرارك، وأنه لا بد من قبول التحدي.
وبالفعل ذهب الغراب إلى السلحفاة، فقال للسلحفاة الكلام نفسه الذي قاله للأرنب، ولكنه بطريقة مغايرة؛ فقد قال للسلحفاة إن الأرنب المغرور يحاول أن يثير الجلبة، وأنه يمكن أن يهزم هذه المرة أيضًا إن تمكنت السلحفاة من قبول التحدي، فالسلحفاة هي الأقوى والأقدر على الفوز، ومن هذا الكلام الذي أثار غرور السلحفاة، فقبلت التحدي.
فضحك الغراب في نفسه، وقال: «المهم أن نضحك على غباء الأرنب والسلحفاة، وأن نجني بعض المال على حساب الأغبياء».
فدعا جميع حيوانات الغابة، وضرب طوقًا على مكان السباق، وباع التذاكر للراغبين في مشاهدة موسم السباق الكبير، وجنى الكثير من الأموال من جراء هذا المهرجان.
استعد الأرنب ليوم السباق، وتدرب وأعاد ترتيب أفكاره وعزم على الجدية هذه المرة، ورسم خطة للفوز. وما إن بدأ السباق حتى انطلق الأرنب بأسرع ما يمكن، وبلغ نهاية الخط بفارق عدة أميال، ففاز في السباق، وخسرت السلحفاة.
فرجعت السلحفاة البيت، وهي في غير أحسن حال.
مرت الأيام فجاء الغراب للسلحفاة، ليحاول أن يشجعها للمرة الثانية على إعادة السباق، ولكن على السلحفاة أن تعلن ذلك للأرنب، وبشرط محدد هو أن تختار السلحفاة أرض السباق، ولم تتفهم السلحفاة الموضوع، فشرح لها الغراب كل الأمور خطوة بخطوة، وكيف يمكن أن تنتصر في الجولة الثالثة والأخيرة.
فوافقت السلحفاة على خطة الغراب، فذهب الغراب للأرنب يستحثه على قبول التحدي، فجلس مع الأرنب وهو يضحك ويسخران من السلحفاة التي لا يمكنها أن تفوز.
وحدث ما حدث المرة الماضية، تم إعلان السباق، وتم اختيار أرض المسابقة، وجنى الغراب للمرة الثانية الكثير من المال من المراهنات، والتذاكر، والإعلانات فقد كان هو الممول الحصري للحدث الكبير.
وبالفعل في اليوم المنشود، جاء الجميع، ووقف الأرنب ووقفت السلحفاة عند خط البداية، وانطلقت صافرة البداية، فانطلق الجميع. انطلق الأرنب بنفس العزيمة والإصرار على الفوز كما حدث في المرة الثانية، فلا يمكن أن يهزم هذه المرة مهما حدث، ولكن عندما جرى الأرنب مسافة وجد أن نهرًا يقطع الطريق، إذ كان خط النهاية بعد النهر بمسافة، ففكر الأرنب في طريقة لتجاوز هذا النهر، فحاول أن يقفز إلا أنه كان يسقط في النهر، فيعود إلى الضفة مرة أخرى بشق الأنفس. حاول بطرق مختلفة لكنه لم يتمكن من بلوغ الضفة الأخرى من النهر، وظل هناك عدة ساعات، حتى جاءت السلحفاة، فابتسمت، ثم اتجهت إلى ضفة النهر، فنزلت فيه وسبحت للضفة المقابلة وواصلت سيرها البطيء حتى خط النهاية، ففازت.
يقول جدي تعليقًا على هذه الجزئية من القصة: عندما تستفيد من إمكانياتك التي تميزك عن خصمك وتسخرها للفوز على منافسيك، فإنك حتمًا ستفوز، وهذا ما فعلته السلحفاة، إذ قامت بتغيير الملعب بما يتناسب وإمكانياتها وكفاءاتها الأساسية التي تملكها، ففازت.
ويواصل جدي حكايته، ويقول: إلا أن الخرق اتسع في الغابة، إذ انقسمت الحيوانات، فمجموعة ترى أن الأرنب أحق بالفوز، ومجموعة أخرى ترى أن السلحفاة أحق، وبدأت المناوشات والمخاصمات تنتشر في الغابة التي كانت ذات يوم هادئة.
وظل الأرنب في منزله عدة أشهر مكتئبًا، على الرغم من محاولات الغراب الذهاب إليه لمحاولة حثه على إعادة السباق، وكل الكلام الذي قاله سابقًا، إلا أن الأرنب ظل في تلك النفسية التي لا يريد أن يرى فيها أحدا.
وبعد عدة أشهر، وأثناء عودة الأرنب إلى منزله، وجد أن أحد طيور الهدهد كان ينتظره عند باب البيت، فقال الأرنب: إن جئت من طرف الغراب فلا مرحبًا بك.
فقال الهدهد: أنا لست من طرف أحد، ولكن لدي كلمات إن كان بالإمكان أن تسمعها.
في البداية رفض الأرنب سماع أي شيء، إلا أن الهدهد أصر على موقفه، وقال بغضب: إن الغراب كذب عليكما واستفاد منكما وجنى الكثير من المال، وأنا لك ناصح أمين،ا وبعد ذلك احكم على كلامي.
رضخ الأرنب إلى الهدهد الذي دخل المنزل، ثم قال: لنعيد هذه المرة السباق، ولكن بطريقة تجعل الغراب هو الذي يخسر وليس أنت أو السلحفاة.
الأرنب: كيف؟
الهدهد: لنعمل كفريق واحد، أصدقاء، أنت بإمكانياتك والسلحفاة بإمكانياتها، نتعاون، نضع أيدينا بيد بعض، أنت تساعدها، وهي تساعدك، لننجح جميعًا من غير استغلال أو كراهية، ولنعد الفرحة إلى الغابة. إذ إن حيوانات الغابة انقسموا، ففريق وقف معك والفريق الآخر مع السلحفاة، حتى كاد الجميع أن يتعاركوا ويتمزقوا، كل هذا بسبب الغراب الذي لم يكن يهمه إلا نفسه.
الأرنب: حسنٌ، دعني أفكر عدة أيام.
طار الهدهد إلى السلحفاة، وقال لها نفس الكلام، وردت السلحفاة بنفس الطريقة.
وبعد محاولات، ومحاولات، جمع الهدهد الأرنب والسلحفاة في اجتماع، في منزل الأرنب وبسرية تامة، واتفقا على معاودة السباق، ولكن بأسلوب فريق العمل الواحد.
وفي اليوم المنشود، وقف الجميع في ميدان السباق، ولكن هذه المرة مجانًا ومن غير تذاكر أو احتكار، وكان الغراب في أشد حالات الغضب، إلا أنه لم يهتم به أحد، وقبل بداية السباق ركبت السلحفاة على ظهر الأرنب، فانطلق الأرنب بأسرع ما يمكن.
وعندما بلغا النهر، صعد الأرنب على ظهر السلحفاة، فسبحت السلحفاة من ضفة النهر حتى بلغت الضفة الأخرى، وعندها ركبت السلحفاة على ظهر الأرنب، فجرى حتى بلغا خط النهاية معًا، ففازا معًا، فصفق وفاز الجميع، وعاد سكان الغابة أصدقاء لا تفرقهم الغربان.
تنتهي قصة جدي عند هذا الحد.
إلا أن الحكاية لم تنته؛ إذ يمكن أن نعيد قراءتها بطريقة منهجية أكثر وضوحًا، فيمكننا أن نقول إنه:
في المرحلة الأولى من السباق: كانت للسلحفاة نقطة ضعف، وهي أنها بطيئة بالمقارنة مع الأرنب، إلا أن العزيمة والإصرار والرغبة في الفوز منحها الفوز، فالبطيء الثابت والمثابر أفضل في كثير من المرات من السريع المتهور، والذي هو الأرنب الذي اعتقد جازمًا أنه من الغباء التفكير في الخسارة وهو القوي الذي لا يمكن أن يهزم.
المرحلة الثانية: عندما أعاد الأرنب التفكير في نفسه ووضعه، واستغل قدراته وإمكانياته ومزج كل ذلك بالجدية وعدم الاستهتار، فاز بسهولة.
وأما المرحلة الثالثة: فإن السلحفاة فازت لأنها فكرت بطريقة ذكية للفوز، واستغلت قدراتها وإمكانياتها التي ليست موجودة عند الأرنب، فسبحت في النهر، وهذا أمر لا يمكن أن يفعله الأرنب، فرسمت أرض المعركة ففازت.
وفي المرحلة الأخيرة: فاز الجميع، لأنهما عملا بأسلوب فريق العمل، فوضع الأرنب قدراته وإمكانياته مع إمكانيات وقدرات السلحفاة ففازا على الغربان التي كادت أن تفسد حياة الغابة. فبالفريق والأخوة والمحبة والتقارب دائمًا نفوز، أما بالتنافر ووجود الغربان حتمًا فإن النتيجة ستكون وبالاً على الجميع.
وربما هناك نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث النبوي الذي رواه مسلم الذي يقول فيه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، فالمعنى واضح ولا يحتاج إلى تأويل.
ففي الحياة، خسارة وفوز، فعندما نخسر، يكون من الملائم ألا نستسلم، وإنما يمكننا أن نغير خططنا واستراتيجيتنا، ثم نعمل بذكاء وجد، ونستفز كل طاقاتنا وخاصة نقاط قوتنا، وربما نجرب طرقاً جديدة وأفكاراً خارجة عن الصندوق، وأفكارا إبداعية، حتى نبلغ النجاح، ويمكن أن يتوج كل ذلك الاستفادة من الأصدقاء وإمكانياتهم وأن نعمل بمبدأ (اربح ولا تدعني أخسر)، هكذا نضع أيدينا بيد بعض، حينئذ حتمًا سنبلغ النجاح ذات يوم.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك