العدد : ١٧٥٠١ - السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠١ - السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الأفكار وتغيير العالم

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الدور‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارات‭ ‬وتغيير‭ ‬العالم‭ ‬اختلف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬والمنظرين‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬حدوث‭ ‬المنعطفات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مردها‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬الأفكار‭ ‬والأيديولوجيات‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬مادية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وبيولوجية‭.‬

من‭ ‬الخطأ‭ ‬تصور‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬المؤرخين‭ ‬مرجعه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬خلاف‭ ‬أيديولوجي‭ ‬سياسي‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التيار‭ ‬اليميني‭ ‬بطبيعته‭ ‬تيار‭ ‬محافظ‭ ‬والتيار‭ ‬اليساري‭ ‬ينتصر‭ ‬دائمًا‭ ‬لفكرة‭ ‬التغيير،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬مفكرين‭ ‬ينفون‭ ‬عن‭ ‬الأفكار‭ ‬دورًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬الثورات‭ ‬وإحداث‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬ومفكرين‭ ‬آخرين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬الأول‭ ‬لتغيير‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬والعالم‭.‬

فمثلًا‭ ‬كان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬النمساوي‭ ‬كارل‭ ‬بوبر‭ ‬والفيلسوف‭ ‬المثالي‭ ‬الإيطالي‭ ‬بنديتو‭ ‬جروتشه‭ ‬يعتقدان‭ ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬الجوهري‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬وتطور‭ ‬أحداثه‭ ‬بينما‭ ‬نجد‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬وجوهًا‭ ‬فكرية‭ ‬لامعة‭ ‬تشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للأفكار‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬بل‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬على‭ ‬دليل‭ ‬قاطع،‭ ‬وثمة‭ ‬اتجاه‭ ‬ثالث‭ ‬يمثله‭ ‬نيتشه‭ ‬ولويس‭ ‬نامييه‭ ‬وآخرون‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للتاريخ‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالفكر‭ ‬أو‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬وإنما‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬الغرائز‭ ‬البيولوجية‭ ‬أو‭ ‬العادات‭ ‬والمنافع‭ ‬المادية‭.‬

وعلى‭ ‬جبهة‭ ‬اليسار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المؤرخ‭ ‬الفرنسي‭ ‬فرنان‭ ‬بروديل‭ ‬يعير‭ ‬أهمية‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬معالجته‭ ‬للحدث‭ ‬التاريخي‭ ‬وكان‭ ‬يتبنى‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬أيضًا‭ ‬المؤرخ‭ ‬البريطاني‭ ‬إيريك‭ ‬هوبسباوم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينسب‭ ‬إلى‭ ‬الأفكار‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬حينما‭ ‬تناول‭ ‬التغيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثورية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬تحديدًا‭ ‬بالثورات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مطروحًا‭ ‬للبحث‭ ‬السؤال‭ ‬المحوري‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬للأفكار‭ ‬الدور‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬وفى‭ ‬إحداث‭ ‬التغيرات‭ ‬السياسية‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬المحرك‭ ‬الجوهري‭ ‬وراءها‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الأفكار‭ ‬بجوارها‭ ‬سوى‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثانوية؟

يقول‭ ‬المؤرخ‭ ‬البريطاني‭ ‬بيري‭ ‬أندرسن‭: ‬‮«‬إننا‭ ‬لو‭ ‬تأملنا‭ ‬الإرث‭ ‬الفكري‭ ‬لثورات‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬لنجده‭ ‬يتمثل‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مفهومين‭: ‬السيادة‭ ‬الشعبية‭ ‬والحقوق‭ ‬المدنية‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬المفهومين‭ ‬ليسا‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬سوى‭ ‬أدوات‭ ‬نظرية‭ ‬لازمة‭ ‬لتمكين‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره‭ ‬بحرية‭. ‬ويظل‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬مطروحًا‭ ‬حول‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتخذه‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومضمون‭ ‬الرفاه‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬يراد‭ ‬تحقيقه‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬طرحته‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الناشئة‭ ‬على‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬ووجدت‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬سيطال‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬لاحقًا‭: ‬الرأسمالية‭ ‬أم‭ ‬الاشتراكية؟‭ ‬وللمرة‭ ‬الأولى‭ ‬تطرح‭ ‬مبادئ‭ ‬تنظيم‭ ‬اجتماعي‭ ‬متعارضة‭ ‬جذريًا‭ ‬وبوضوح‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭. ‬فالاشتراكية،‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬نفسها‭ ‬صراحة‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم،‭ ‬خضعت‭ ‬لتنظيرات‭ ‬متعددة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬بوصفها‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭ ‬ومشروعًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬جبارًا‭. ‬

أما‭ ‬الرأسمالية‭ ‬فقد‭ ‬تجنبت‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ومعظم‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬التسمية‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬عليها‭ ‬خصومها‭. ‬واكتفى‭ ‬المدافعون‭ ‬عن‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬وأنصار‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬تصورات‭ ‬أكثر‭ ‬تجزؤًا‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬تقليدية‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬رأسمالية‭ ‬صريحة،‭ ‬تذرعوا‭ ‬بمبادئ‭ ‬الليبرالية‭ ‬المحافظة،‭ ‬وعانوا‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الآخرين‭ ‬بها‭.‬

وفي‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬كان‭ ‬للاشتراكية،‭ ‬فيما‭ ‬يذهب‭ ‬أندرسن،‭ ‬قدرة‭ ‬تعبئة‭ ‬سياسية‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬قدرة‭ ‬خصمها‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬يستطيع‭ ‬دائمًا‭ ‬الاتكاء‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬والتقليد،‭ ‬فإن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الاشتراكية‭ ‬كانت،‭ ‬بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬قد‭ ‬استقطبت‭ ‬أنصارًا‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬لم‭ ‬تبلغه‭ ‬أي‭ ‬أيديولوجية‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬تأملنا‭ ‬الثورة‭ ‬البلشفية‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سبب‭ ‬اشتعالها‭ ‬إرثا‭ ‬أيديولوجيًا‭ ‬ضخمًا‭ ‬يحركها‭ ‬وإنما‭ ‬حدث‭ ‬انفجار‭ ‬عفوي‭ ‬من‭ ‬السخط‭ ‬الشعبي‭ ‬بشعارات‭ ‬بسيطة‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تتجاوز‭ ‬الشعارات‭ ‬العادية‭ ‬المألوفة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الخبز،‭ ‬يسقط‭ ‬القيصر‭..‬‮»‬‭ ‬ولما‭ ‬استولى‭ ‬البلاشفة‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬مستندين‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬عصرهم‭ ‬اتساقًا‭ ‬وقبولًا‭.‬

وعقب‭ ‬السقوط‭ ‬المأساوي‭ ‬المدوي‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭: ‬ثار‭ ‬تساؤل‭ ‬مهم‭ ‬حول‭ ‬سر‭ ‬بقاء‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وصمودها‭ ‬أمام‭ ‬انهيار‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الأخرى‭.‬

يعلل‭ ‬أندرسن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بأن‭ ‬خطاب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الذي‭ ‬ترفعه‭ ‬الدول‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الكبرى‭ ‬شكل‭ ‬دائما‭ ‬ورقة‭ ‬رابحة‭ ‬حاسمة‭ ‬لها‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شعوبها‭ ‬تشعر‭ ‬سلفًا‭ ‬بتفوق‭ ‬مستوى‭ ‬معيشتها‭ ‬وبالهوة‭ ‬الشاسعة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬بقية‭ ‬العالم‭. ‬

لكن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ليس‭ ‬مرده‭ ‬كما‭ ‬يتوهم‭ ‬كثيرون‭ ‬جاذبية‭ ‬النموذج‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬بل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الإغراء‭ ‬الطاغي‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬وفرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المادي‭ ‬على‭ ‬الجماهير‭ ‬المحرومة،‭ ‬وربما‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬البيروقراطية‭ ‬في‭ ‬المعسكر‭ ‬الشيوعي؛‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬الحر‮»‬‭ ‬يدين‭ ‬بانتصاره‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التسوّق‭ ‬وشبق‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وبصورة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬إلى‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬الديمقراطية‭.‬

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬

بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا