على الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه الأفكار في بناء الحضارات وتغيير العالم اختلف كثير من المؤرخين والمنظرين حول طبيعة الأسباب التي أدت إلى حدوث المنعطفات الكبرى في التاريخ وما إذا كان مردها بالفعل إلى الأفكار والأيديولوجيات أم إلى أسباب مادية اقتصادية واجتماعية وبيولوجية.
من الخطأ تصور أن هذا الخلاف بين المؤرخين مرجعه في الأصل خلاف أيديولوجي سياسي بين اليمين واليسار استنادًا إلى أن التيار اليميني بطبيعته تيار محافظ والتيار اليساري ينتصر دائمًا لفكرة التغيير، ذلك لأن في كل منهما مفكرين ينفون عن الأفكار دورًا رئيسًا في إشعال الثورات وإحداث تغييرات جذرية في المجتمعات ومفكرين آخرين يرون في الأفكار المحرك الأساسي الأول لتغيير حياة الإنسان والعالم.
فمثلًا كان الفيلسوف النمساوي كارل بوبر والفيلسوف المثالي الإيطالي بنديتو جروتشه يعتقدان أن الأفكار هي السبب الجوهري الذي يفسر حركة التاريخ وتطور أحداثه بينما نجد على الجانب الآخر وجوهًا فكرية لامعة تشك في أن يكون للأفكار مثل هذا الدور المؤثر في حركة التاريخ بل ترى أن هذا الاعتقاد لا يستند على دليل قاطع، وثمة اتجاه ثالث يمثله نيتشه ولويس نامييه وآخرون يرى أن المحرك الأساسي للتاريخ لا علاقة له بالفكر أو القيم الأخلاقية أو السياسية وإنما يرجع إلى الغرائز البيولوجية أو العادات والمنافع المادية.
وعلى جبهة اليسار لم يكن المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل يعير أهمية إلى دور الأفكار في معالجته للحدث التاريخي وكان يتبنى هذا الرأي أيضًا المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم الذي لم ينسب إلى الأفكار أي دور حينما تناول التغيرات الاجتماعية والثورية في أوروبا. وفيما يتعلق تحديدًا بالثورات الكبرى لا يزال مطروحًا للبحث السؤال المحوري: هل كان للأفكار الدور الرئيسي في إشعال هذه الثورات وفى إحداث التغيرات السياسية العميقة في التاريخ أم أن الظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية هي التي كانت المحرك الجوهري وراءها ولم تكن الأفكار بجوارها سوى ظاهرة ثانوية؟
يقول المؤرخ البريطاني بيري أندرسن: «إننا لو تأملنا الإرث الفكري لثورات القرن الثامن عشر لنجده يتمثل بالدرجة الأولى في مفهومين: السيادة الشعبية والحقوق المدنية. بيد أن هذين المفهومين ليسا في الواقع سوى أدوات نظرية لازمة لتمكين المجتمع من تقرير مصيره بحرية. ويظل السؤال الأهم مطروحًا حول الشكل الذي ينبغي أن تتخذه هذه التنظيمات الاجتماعية، ومضمون الرفاه الجماعي الذي يراد تحقيقه.
وهذا هو التحدي الذي طرحته الثورة الصناعية الناشئة على القرن التاسع عشر. ووجدت أوروبا نفسها أمام خيار سيطال العالم بأسره لاحقًا: الرأسمالية أم الاشتراكية؟ وللمرة الأولى تطرح مبادئ تنظيم اجتماعي متعارضة جذريًا وبوضوح لا لبس فيه. فالاشتراكية، التي قدمت نفسها صراحة بهذا الاسم، خضعت لتنظيرات متعددة ومتنوعة بوصفها حركة سياسية ومشروعًا تاريخيًا جبارًا.
أما الرأسمالية فقد تجنبت طوال القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين أن تتبنى التسمية التي أطلقها عليها خصومها. واكتفى المدافعون عن الملكية الخاصة وأنصار الوضع القائم بالاستناد إلى تصورات أكثر تجزؤًا أو أكثر تقليدية. فبدلًا من الدفاع عن أيديولوجيا رأسمالية صريحة، تذرعوا بمبادئ الليبرالية المحافظة، وعانوا في إقناع الآخرين بها.
وفي القرن التاسع عشر كان للاشتراكية، فيما يذهب أندرسن، قدرة تعبئة سياسية تفوق بكثير قدرة خصمها. وإذا كان النظام القائم يستطيع دائمًا الاتكاء على المحافظة والتقليد، فإن الأيديولوجيا الاشتراكية كانت، بحلول منتصف القرن العشرين، قد استقطبت أنصارًا على نطاق جغرافي لم تبلغه أي أيديولوجية عالمية من قبل.
وإذا ما تأملنا الثورة البلشفية في روسيا على سبيل المثال نجد أنها في بداياتها لم يكن سبب اشتعالها إرثا أيديولوجيًا ضخمًا يحركها وإنما حدث انفجار عفوي من السخط الشعبي بشعارات بسيطة لا تكاد تتجاوز الشعارات العادية المألوفة مثل «الخبز، يسقط القيصر..» ولما استولى البلاشفة على السلطة وجدوا أنفسهم مستندين على أكثر الأيديولوجيات السياسية في عصرهم اتساقًا وقبولًا.
وعقب السقوط المأساوي المدوي للاتحاد السوفيتي: ثار تساؤل مهم حول سر بقاء الرأسمالية وصمودها أمام انهيار الأيديولوجيات الأخرى.
يعلل أندرسن هذه الظاهرة بأن خطاب الديمقراطية الذي ترفعه الدول الرأسمالية الكبرى شكل دائما ورقة رابحة حاسمة لها بالإضافة إلى أن شعوبها تشعر سلفًا بتفوق مستوى معيشتها وبالهوة الشاسعة بينها وبين بقية العالم.
لكن السبب الرئيس الحقيقي في انتصار الرأسمالية ليس مرده كما يتوهم كثيرون جاذبية النموذج الديمقراطي، بل يكمن في الإغراء الطاغي الذي تمارسه وفرة الاستهلاك المادي على الجماهير المحرومة، وربما بدرجة أكبر على النخب البيروقراطية في المعسكر الشيوعي؛ لأن «العالم الحر» يدين بانتصاره في المقام الأول إلى الرغبة في التسوّق وشبق الاستهلاك وبصورة أقل بكثير إلى حاجته إلى الديمقراطية.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب – جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك