نَسينا منذ سنوات قصة الكائنات، والسفن، والأجسام الفضائية حتى أصبحت من شؤون الماضي البعيد، واليوم يُحي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما هذه القصة من جديد، حيث يفجر هذه القنبلة الموقوتة المغلقة والتي هي في غاية السرية منذ أكثر من قرن، ويذَكِّر العالم بها فيؤكد بوجودها وأنها «حقيقية»، ثم لم تلبث ساعات قصيرة على تصريحه إلا ويناقض نفسه، وينكر ما قاله مغيرا تصريحاته!
فيا ليته لم يقل شيئاً، ويا ليته لم يُدل بأي تصريح حول هذه القصة الغريبة المجهولة، فقد أصبحت القصة الآن أكثر غموضاً، وأشد تعقيداً، وكأنها تشير إلى حقيقةْ نظرية المؤامرة التي يشيعها الكثير من الناس، أو السرية التامة التي تحوم حول هذه القصة منذ عقود.
فالرئيس أوباما حَكَمَ الولايات المتحدة فترتين رئاسيتين من عام 2009 إلى 2013، وفي 14 فبراير 2026 أُجريتْ معه مقابلة مباشرة، حيث وُجه له سؤال حول حقيقة وواقعية الأجسام والكائنات الفضائية الغازية، وهل هي بالفعل موجودة أم لا؟ فقد كانت الإجابة واضحة جداً، ولا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، حيث قال إن الكائنات الفضائية (Aliens): «حقيقية، ولكن لم أرَهَا»، أي أنها أمر واقع وموجود في مكان ما في الفضاء الشاسع العظيم، وأنها ليست نظرية مؤامرة، وخيالا علميا لا سند له من الواقع، ومن الأدلة العلمية الموثوقة. ولا شك أن رئيس أمريكا وهو من المفروض أن يكون مطلعاً على كل الأسرار الخاصة والعسكرية، وبخاصة أنه اعتلى عرش البيت الأبيض فترة 8 سنوات، فإن ما يصرح به سيكون هو الحقيقة. ولكن سرعان ما انقلب التصريح، وتغير الرأي، ففي أقل من 24 ساعة نشر أوباما بياناً على «الإنستجرام» قال فيه: «من الناحية الإحصائية، الكون واسع جداً لدرجة أن احتمالات وجود حياة فيه كبيرة...ولكن احتمالية زيارة الكائنات الفضائية لنا ضئيلة، وأنا لم أر دليلاً خلال فترة رئاستي بأن هذه الكائنات الفضائية قد اتصلت بنا».
فهل هذا التغيير في الرأي جاء نتيجة لضغوط سياسية وعسكرية مُورست عليه من الحكومة الأمريكية اضطرته إلى تقديم تصور آخر لهذه الكائنات والأجسام الفضائية، أم أن تعبيره في المقابلة عن هذه القصة لم يكن دقيقاً؟
على كلٍ، مهما كان السبب فإن هذه القصة محل اهتمام كبير عند الشعب الأمريكي خاصة، وشعوب العالم عامة، كما أن الشعب الأمريكي يتابع هذه القصة الفضائية منذ زمنٍ بعيدٍ جداً، ويعتقد بأن الحكومات الأمريكية المتعاقبة تخفي أسرار هذه القصة ولا تقدم الحقائق للشعب الأمريكي، ويدعو إلى المزيد من الشفافية وتقديم المعلومات الصحيحة، مما انعكس هذا الاهتمام والمتابعة على جلسات الكونجرس الأمريكي، حيث عقد عدة جلسات استماع للتعرف من كثب على تفاصيل، وخفايا، وأسرار هذه القصة.
فآخر جلسة استماع للكونجرس للجنة الفرعية للرقابة في مجلس النواب كانت في 9 سبتمبر 2025 تحت عنوان: «الأجسام الطائرة غير المعروفة» أو «الظواهر الغريبة غير المعروفة والمجهولة»
(Unidentified Anomalous Phenomena, UFOs)، بهدف التعرف على آخر المعلومات من وزارة الحرب، وتقديم التقارير حول هذه القصة. وقد استمع أعضاء مجلس النواب إلى شهادة أربعة أفراد ادعوا بأنهم شاهدوا مثل هذه الأجسام أو الكائنات، ولكن هذه الجلسة لم تخرج بأية استنتاجات، أو توصيات مهمة.
كما عَقدَ الكونجرس جلسة استماع سابقة في 17 مايو 2022، طرح فيها موضوع الظواهر المجهولة. كذلك أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية، وهي «الإدارة القومية للملاحة الجوية والفضاء»
(National Aeronautics and Space Administration)، في التاسع من يونيو 2022 بأنها قد شكلت فريقا علميا مستقلا لدراسة هذه الظاهرة، حيث سيهتم الفريق في البحث في جميع الظواهر السماوية غير المعروفة وغير المحددة، أي الظواهر غير الطبيعية، وغير المألوفة، والتي لا توجد لها تفسيرات علمية موثقة، ولا يوجد دليل حسي دامغ عليها. ولذلك تَتَحدد مهمة الفريق في عدة أعمال، منها حصر المعلومات المتوافرة حتى الآن من كل الجهات المدنية والعسكرية والأمنية من القطاعات الحكومية الرسمية، ومن منظمات وجمعيات المجتمع المدني ومن الشركات الخاصة، ثم جمع وتحليل كل النظريات المطروحة حول هذه الظواهر الفضائية، وأخيراً اتباع المنهج العلمي في تحليل وتقييم كل هذه المعلومات، وتحديد مدى مصداقيتها وثقتها، وطرح الاستنتاجات التي تتمخض عنها.
وبعد أن انتهى الفريق من إعداد التقرير، قامت ناسا بنشره في 14 سبتمبر 2023، ونظمت مؤتمراً صحفياً في العاصمة واشنطن دي سي، عُرضت فيه أهم الاستنتاجات التي تمخضت عن الدراسة. فقد قال رئيس الفريق «من المهم توضيحه بناءً على النتائج الحالية بأننا لم نجد أية أدلة تفيد بأن المظاهر المجهولة والغريبة مصدرها كائنات ومخلوقات فضائية خارج حدود كوكبنا»، كما أضاف قائلاً: «تركيزنا سيكون على فهم الظاهرة بغض النظر عن مصدرها». كذلك توصل التقرير إلى عدة استنتاجات منها بأنه: «لا يوجد دليل بأن هذه الظواهر الفضائية المجهولة مصدرها من خارج كوكبنا، وأن هناك بعض المظاهر التي لا يمكن تفسيرها حتى الآن»، كما استنتج التقرير بأنه: «في الآونة الأخيرة، أفاد العديد من الشهود الموثوقين، وغالباً ما يكونون طيارين عسكريين، أنهم شاهدواً أجساماً لم يتعرفوا عليها فوق المجال الجوي الأمريكي، ومعظم هذه الأجسام تم التعرف عليها، باستثناء القليل منها التي لم يمكن فوراً تحديد هويتها كأجسام من صنع الإنسان أو مظاهر طبيعية». ولذلك أوصت الدراسة بأن: «هناك حاجة إلى إجراء أبحاث علمية لسبر غور هذه المظاهر»، واختتم التقرير بهذه العبارة: «الدعوات غير العادية تحتاج إلى أدلة غير عادية». وأما مدير ناسا بيل نيلسون فقد قال إن: «ناسا ستبحث عن المجهول في الهواء والفضاء»، «وهناك الكثير للتعلم». كما تساءل مدير ناسا قائلاً: «هل أعتقدُ أن هناك حياة في كون شاسع لدرجة أنه من الصعب علي فهم حجمه؟ جوابي الشخصي هو: نعم كذلك قال بيل نيلسون: «نريد تحويل الحديث حول هذه المظاهر المجهولة من الإثارة إلى العلم»، حيث أعلن تعيين مدير في ناسا للبرنامج الاستكشافي البحثي الجديد الذي يحمل مسمى: «البحث عن كائنات فضائية خارجية ذكية»
(The Search for Extraterrestrial Intelligence). كما أكد في الوقت نفسه أن التعامل مع هذه الظواهر المجهولة لن يكون أمنياً فحسب، وإنما يتبع المنهج العلمي المستند على الموضوعية، والاستقلالية، والشفافية، والأدوات العلمية الموثقة، ويكون الشعب الأمريكي والعالم أجمع على علم بكل أبحاثنا والنتائج التي نحصل عليها.
وخلاصة القول لا توجد أدلة علمية رسمية ومعلنة تؤكد وجود أو نفي هذه الكائنات والأجسام والظواهر الغريبة والمجهولة غير المعروفة، ولكن قد تكون هناك معلومات سرية جداً لا تنشرها أمريكا، وبالتحديد في موقع سري ومحظور الدخول فيه كلياً ويمنع الطيران فوقه، ويُطلق عليه المنطقة 51، وأشار إليه أوباما في بيانه بعد أن رُفعت السرية عنها. وهي قاعدة القوات الجوية الأمريكية التي تأسست عام 1950 منذ الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي كموقع للتدريب وإجراء التجارب السرية الخاصة والمتقدمة جداً والتدريبات العسكرية، وتوجد في صحراء ولاية نيفادا على بعد نحو 135 كيلومتراً من مدينة لاس فيجاس. وهذا الموقع الشديد السرية والخصوصية بالتحديد يثير شكوك الكثير من الأمريكيين وغير الأمريكيين، فلا يعلم أحد ما يدور فيه من تجارب، وما يحتويه من أسرار قد تكون لها علاقة بالأجسام الفضائية.
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك