مع تصاعد التحديات البيئية الراهنة يزداد الاهتمام عالميًّا بمؤشرات الاستدامة وقياس أثر الأنشطة البشرية على كوكبنا. ومن أبرز هذه المؤشرات «البصمة البيئية»، وهو مقياس يبين مدى استهلاكنا للموارد الطبيعية مقارنة بما تستطيع الأرض إنتاجه وتجديده. تحسب البصمة حجم الطلب على موارد أساسية مثل الغذاء والأسماك والأخشاب، بالإضافة إلى المساحات الأرضية المطلوبة للتوسع العمراني والبناء. ويُقدّر متوسط الحصة الفردية على مستوى العالم بنحو 1.8 هكتار عالمي، وهي المساحة البيولوجية اللازمة لتلبية احتياجات شخص واحد خلال عام كامل. وقد صاغ هذا المصطلح باحثون من جامعة كولومبيا في أوائل التسعينيات حين قدروا مساحة الأرض المطلوبة لتزويد السكان بالموارد والمواد الضرورية لمستوى معيشي معين.
كما تقيس من جهة أخرى القدرة الطبيعية المتاحة من أراض زراعية وغابية، وبيئة بحرية ومناطق الصيد، وتعكس إجمالي الموارد الطبيعية التي تم استخدامها وكميات النفايات والانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأفراد والمجتمعات بشكل عام، وهي أداة توضح لنا الفهم حول تأثير أساليب الحياة الحديثة على البيئة التي نعيش فيها. ومن خلالها نستطيع معرفة مدى استدامة أسلوب حياتنا واتخاذ قرارات أفضل للحفاظ على الموارد للجيل القادم.
والعلاقة هنا في هذا المقال بين البصمة البيئية وشهر رمضان المبارك تتمثل في طريقة استهلاكنا للموارد خلال الشهر الكريم الذي يدعو في جوهره إلى الاعتدال وتجنب الإسراف، وهذا ما يتوافق مع مفهوم البصمة البيئية الذي يقيس مدى استهلاكنا لموارد الطبيعة من المياه والزراعة والطاقة، فعندما نقلل هدر الأطعمة والمشروبات ونرشد استهلاك الكهرباء والماء، فإننا بالتأكيد نسهم في تخفيض أثرنا البيئي السلبي بشكل مباشر، وفي المقابل، فإن زيادة الإسراف في الشراء وإقامة الولائم، ترفع البصمة البيئية نتيجة لاستنزاف الموارد وزيادة النفايات. لذلك فإنه يمكننا اعتبار شهر رمضان المبارك فرصة حقيقية لمراجعة وتقييم عاداتنا الاستهلاكية، وتبني أسلوب حياة أكثر استدامة يترجم القيم الإسلامية في التوازن والمسؤولية المجتمعية.
إن شهر رمضان المبارك فرصة سنوية للتأمل والتقرب إلى الخالق عز وجل، ومع بدايته تبرز أهمية هذه المؤشرات وضرورة تقييم عاداتنا الغذائية، ولكننا نلاحظ أنه فترة تزداد فيها أنماط الاستهلاك بشكل لافت. مع ارتفاع الطلب على المواد الغذائية والمشروبات، والتي من شأنها أن تسهم في التأثير في بيئتنا إذا لم نتحل بالمسؤولية والوعي لما ينتج عنه من إهدار في الأطعمة والمشروبات التي تكون في أغلب الأحيان صالحة، وممكن تناولها لاحقًا.
وفي كثير من المجتمعات يرافق شهر رمضان ازدياد في هدر الطعام، حيث تُتلف كميات كبيرة من الأطعمة والمشروبات خلال وجبتي الإفطار والسحور. وهذا الهدر لا يقتصر على المواد الغذائية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى استهلاك المياه والطاقة، مما يسهم في زيادة انبعاثات الكربون. لذا من واجبنا أن نوازن بين التعبير عن فرحتنا بالشهر الكريم والحفاظ على الموارد، وأن نعزز ممارسات الاستدامة في حياتنا اليومية. وتبدأ هذه الممارسات بالتسوق الذكي، وشراء الكميات التي نحتاجها فعلاً، تخطيط الوجبات، وتفضيل المنتجات المحلية، حتى نحتفي بالشهر من دون إهدار.
وفي عديد من المجتمعات، يشهد شهر رمضان المبارك زيادة في إهدار الطعام، حيثُ يتم التخلص من كميات كبيرة من الأطعمة والمشروبات في الإفطار ووقت السحور. وهذا الهدر لا يشمل فقط المواد الغذائية، بل ينعكس أيضا على استهلاك المياه والطاقة التي بدورها تتسبب في زيادة انبعاثات الكربون؛ لذا من الواجب علينا ومن منطلق مسؤوليتنا أن نسعى إلى التوازن في التعبير عن فرحتنا بقدوم الشهر الكريم والاحتفال به، والعمل على تعزيز ممارسات الاستدامة، والتي تبدأ من اعتماد ممارسات التسوق الذكية كـشراء كمية الأطعمة التي نحتاجها فعًلا والمناسبة لاحتياجاتنا، والتوجه نحو خيار الأطعمة المحلية.
والسؤال الأهم هنا: ماذا يعني أن يكون لدينا بصمة بيئية رمضانية؟
يعني ذلك أننا بحاجة إلى تغيير نمط حياتنا اليومية لأن كل ما نستهلكه من طعام وشراب وملبس وطاقة ووسائل اتصال ومواصلات، يتطلب مساحات من الأرض والبحر لإنتاجه وتجديده. عندما يتجاوز استهلاكنا الحصة المخصصة لكل فرد، نصبح نستهلك موارد أكثر مما تستطيع الطبيعة تعويضه، ويؤدي هذا السلوك إلى ارتفاع البصمة البيئية. تتكون البصمة البيئية من عدة عناصر رئيسية: أولها البصمة الكربونية الناتجة عن الانبعاثات المرتبطة بالتنقل واستهلاك الكهرباء والطعام؛ ثم البصمة المائية التي تقيس كمية المياه المستخدمة مباشرة وغير مباشرة في إنتاج السلع والخدمات؛ وثالثًا البصمة الغذائية التي تعبّر عن الأثر البيئي لإنتاج واستهلاك الطعام، وهي من أكبر المساهمين في إجمالي البصمة اليومية.
وختام القول: إن الحفاظ على مستويات معيشتنا المرتفعة رغم قسوة الظروف البيئية يتطلب كميات هائلة من الطاقة والموارد الطبيعية، ونحن بحاجة إلى أجهزة تكييف لتبريد منازلنا ومؤسساتنا كافة، وحتى مواقف السيارات؛ لذا فإننا نلجأ إلى السيارات في الصيف الحار حيث يصبح المشي مسافات طويلة صعباً للغاية. كما نعتمد على استيراد سلع وموارد طبيعية من حول العالم للحفاظ على أنماط استهلاكنا ونموّنا الاقتصادي، وإذا تأملنا في كل ما نفعله ونشتريه ونستهلكه سنجد أننا نستورد كميات كبيرة من الموارد من خارج الدولة، ومع ذلك يأتي ذلك بتكاليف بيئية جسيمة. وحتى وقتٍ قريب لم تكن لدينا معلومات كافية أو خيارات وتقنيات تساعدنا على تبنّي أسلوب حياة أكثر وعيًا واستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك