العدد : ١٧٤٩٩ - الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٩ - الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ظاهرة التريند.. حين يتحول هوس الشهرة إلى أداة للإضرار بالمجتمع

بقلم: د. عبدالهادي الخلاقي

الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

تداولت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مؤخراً‭ ‬مقطعا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لرجل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬يبيع‭ ‬فواكه‭ ‬وخضروات‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الطريق،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التعليقات؛‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬انتقد‭ ‬السياسات‭ ‬الحكومية‭ ‬بزعم‭ ‬وجود‭ ‬كبار‭ ‬سن‭ ‬بلا‭ ‬ضمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬ولا‭ ‬رعاية‭ ‬حكومية‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬ومنها‭ ‬من‭ ‬حمَّل‭ ‬المجتمع‭ ‬مسؤولية‭ ‬عدم‭ ‬التعاطف‭ ‬معه‭ ‬والشراء‭ ‬منه‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والمساعدة،‭ ‬بينما‭ ‬ذهب‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬لوم‭ ‬أبناء‭ ‬الرجل‭ ‬واتهامهم‭ ‬بالعقوق‭ ‬والتقصير‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬والدهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬توضيحها‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ضائقة‭ ‬مالية‭ ‬ولا‭ ‬يمتلك‭ ‬حساباً‭ ‬في‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬إليه‭ ‬أساساً،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬كمصدر‭ ‬رزق‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يمارس‭ ‬بيع‭ ‬الفواكه‭ ‬كهواية‭ ‬يأنس‭ ‬بها‭ ‬ويستمتع‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬وهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬نشاط‭ ‬اجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تجارة‭ ‬ومصدر‭ ‬للعيش،‭ ‬أضف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يصوره‭ ‬أو‭ ‬ينشر‭ ‬مقطع‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يستجدي‭ ‬الآخرين‭ ‬الشراء‭ ‬منه‭.‬

إن‭ ‬تداول‭ ‬المقاطع‭ ‬دون‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬أصحابها‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬تصورات‭ ‬خاطئة‭ ‬وإثارة‭ ‬أحكام‭ ‬غير‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واقعية،‭ ‬كما‭ ‬يعزز‭ ‬موجات‭ ‬النقد‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الأسر،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬التريّث‭ ‬والتثبت‭ ‬قبل‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬يُعدّ‭ ‬ضرورة‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬المصداقية‭ ‬واحتراماً‭ ‬لخصوصية‭ ‬الأفراد،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬مقطع‭ ‬نُشر‭ ‬لأناس‭ ‬دون‭ ‬علمهم‭ ‬جلب‭ ‬لهم‭ ‬البؤس‭ ‬والضيق‭ ‬والمرض‭ ‬وتسبب‭ ‬بخلافات‭ ‬أسرية‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬وزوجته‭ ‬وأبنائه‭ ‬أو‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬بسبب‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التعليقات‭ ‬والانتقادات‭ ‬غير‭ ‬السوية‭ ‬أو‭ ‬الجارحة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬ومكانته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬رجلا‭ ‬متعففا‭ ‬أو‭ ‬رب‭ ‬أسرة‭.‬

إن‭ ‬النشر‭ ‬العشوائي‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬للمواقف‭ ‬والأحداث‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وسمعة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬فالتداول‭ ‬السريع‭ ‬للمقاطع‭ ‬والمعلومات‭ ‬دون‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬حقيقتها‭ ‬قد‭ ‬يشوّه‭ ‬صورة‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬ويثير‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ ‬أدائها‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬جهودها‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الشباب‭ ‬عبر‭ ‬المبادرات‭ ‬والمراكز‭ ‬المتكاملة‭ ‬ودعم‭ ‬الفئات‭ ‬المستضعفة‭ ‬مثل‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬والأسر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التشريعات‭ ‬والخدمات‭ ‬كالإعانات‭ ‬والتأمين،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬المجتمعي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬وتوفير‭ ‬مختلف‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬النظافة‭ ‬وحماية‭ ‬البيئية‭ ‬وتوفير‭ ‬الخدمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بالتعاون مع‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬لتحقيق‭ ‬رفاهية‭ ‬المواطنين‭ ‬واستقرارهم،‭ ‬هذا‭ ‬التشوية‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬متعمداً‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬متعمد‭ ‬لما‭ ‬تقدمه‭ ‬الدولة‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ويستند‭ ‬على‭ ‬الانطباعات‭ ‬وليس‭ ‬الحقائق‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه‭ ‬يتعرض‭ ‬للأذى‭ ‬حين‭ ‬تُبث‭ ‬فيه‭ ‬روح‭ ‬السلبية‭ ‬والاتهامات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬قصص‭ ‬متجزأة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬أو‭ ‬محرفة‭ ‬فتزداد‭ ‬حدة‭ ‬الانقسام‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد،‭ ‬أما‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬تُنشر‭ ‬قضيته‭ ‬دون‭ ‬علمه‭ ‬أو‭ ‬إدراكه‭ ‬لعواقب‭ ‬الأمر‭ ‬فقد‭ ‬يتعرض‭ ‬لضرر‭ ‬نفسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬كبير‭ ‬وقد‭ ‬تُمس‭ ‬سمعته‭ ‬أو‭ ‬تُساء‭ ‬قراءة‭ ‬ظروفه‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬أسرته‭ ‬ومكانته‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الوعي‭ ‬بخطورة‭ ‬النشر‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬التثبت‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬الأفراد‭ ‬بات‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وصون‭ ‬صورة‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬معاً‭.‬

وللحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬يتطلب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬المتكاملة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬والجهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬كإطلاق‭ ‬حملات‭ ‬توعوية‭ ‬تبيّن‭ ‬مخاطر‭ ‬نشر‭ ‬المقاطع‭ ‬دون‭ ‬تحقق،‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬سمعة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬التريّث‭ ‬قبل‭ ‬المشاركة‭ ‬وشرح‭ ‬مفهوم‭ ‬النشر‭ ‬مسؤولية،‭ ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬تربية‭ ‬النشء‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬الرقمية‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬وفي‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬لغرس‭ ‬مبادئ‭ ‬الأخلاق‭ ‬الرقمية‭ ‬واحترام‭ ‬الخصوصية‭ ‬وضرورة‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬قبل‭ ‬نشرها‭ ‬وأهمية‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬ما‭ ‬يضر‭ ‬الآخرين‭ ‬ونشر‭ ‬الوعي‭ ‬بأن‭ ‬التشهير‭ ‬والنقد‭ ‬الجائر‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬مشكلة‭ ‬بل‭ ‬يفاقم‭ ‬الانقسام،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تفعيل‭ ‬التشريعات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمكافحة‭ ‬الشائعات‭ ‬وانتهاك‭ ‬الخصوصية‭ ‬ومحاسبة‭ ‬من‭ ‬ينشر‭ ‬معلومات‭ ‬أو‭ ‬مقاطع‭ ‬قد‭ ‬تلحق‭ ‬الضرر‭ ‬بأفراد‭ ‬أو‭ ‬جهات‭ ‬دون‭ ‬سند‭ ‬أو‭ ‬إذن‭ ‬رسمي‭ ‬يخول‭ ‬بذلك‭ ‬وتشجيع‭ ‬المحتوى‭ ‬الإيجابي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬تُظهر‭ ‬النماذج‭ ‬الإيجابية‭ ‬وتعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وإبراز‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تحثّ‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬الانتقادي‭ ‬المضلل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا