تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطعا في إحدى الدول العربية لرجل كبير في السن يبيع فواكه وخضروات على جانب الطريق، الأمر الذي أثار موجة واسعة من التعليقات؛ فمنها ما انتقد السياسات الحكومية بزعم وجود كبار سن بلا ضمان اجتماعي ولا رعاية حكومية لهذه الفئة ومنها من حمَّل المجتمع مسؤولية عدم التعاطف معه والشراء منه كنوع من التعاون والمساعدة، بينما ذهب آخرون إلى لوم أبناء الرجل واتهامهم بالعقوق والتقصير في حق والدهم في هذا العمر.
غير أن الحقيقة التي يجب توضيحها هي أن هذا الرجل لا يعاني من أي ضائقة مالية ولا يمتلك حساباً في الضمان الاجتماعي لأنه ليس بحاجة إليه أساساً، كما أنه لا يعتمد على هذا النشاط كمصدر رزق بل إنه يمارس بيع الفواكه كهواية يأنس بها ويستمتع بالتعامل مع الناس وهي بالنسبة إليه نشاط اجتماعي أكثر من كونها تجارة ومصدر للعيش، أضف الى ذلك أن الرجل لم يطلب من أحد أن يصوره أو ينشر مقطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي يستجدي الآخرين الشراء منه.
إن تداول المقاطع دون التحقق من ظروف أصحابها قد يؤدي إلى نشر تصورات خاطئة وإثارة أحكام غير مبنية على أسس واقعية، كما يعزز موجات النقد غير المبرر تجاه المجتمع أو الجهات الرسمية أو حتى الأسر، لذلك فإن التريّث والتثبت قبل إصدار الأحكام يُعدّ ضرورة حفاظاً على المصداقية واحتراماً لخصوصية الأفراد، فكم من مقطع نُشر لأناس دون علمهم جلب لهم البؤس والضيق والمرض وتسبب بخلافات أسرية كبيرة بين الرجل وزوجته وأبنائه أو أفراد عائلته بسبب فتح باب التعليقات والانتقادات غير السوية أو الجارحة أو تلك التي تمس كرامة الإنسان ومكانته الاجتماعية خاصة عندما يكون رجلا متعففا أو رب أسرة.
إن النشر العشوائي عبر وسائل التواصل الاجتماعي غير المنضبط للمواقف والأحداث أصبح من أخطر الممارسات التي تهدد استقرار المجتمع وسمعة مؤسسات الدولة، فالتداول السريع للمقاطع والمعلومات دون التحقق من حقيقتها قد يشوّه صورة الجهات الرسمية ويثير الشكوك حول أدائها ويقلل من جهودها في تمكين الشباب عبر المبادرات والمراكز المتكاملة ودعم الفئات المستضعفة مثل ذوي الإعاقة والأسر من خلال التشريعات والخدمات كالإعانات والتأمين، بالإضافة إلى تعزيز الأمن المجتمعي والحفاظ على السلم الأهلي والتركيز على التنمية المستدامة وتوفير مختلف الخدمات الصحية والتعليمية والحفاظ على النظافة وحماية البيئية وتوفير الخدمات الإنسانية بالتعاون مع المجتمع المدني لتحقيق رفاهية المواطنين واستقرارهم، هذا التشوية إما أن يكون متعمداً أو غير متعمد لما تقدمه الدولة يخلق فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويستند على الانطباعات وليس الحقائق.
كما أن المجتمع نفسه يتعرض للأذى حين تُبث فيه روح السلبية والاتهامات المتبادلة بناءً على قصص متجزأة أو غير دقيقة أو محرفة فتزداد حدة الانقسام وفقدان الثقة بين أفراد المجتمع الواحد، أما الشخص الذي تُنشر قضيته دون علمه أو إدراكه لعواقب الأمر فقد يتعرض لضرر نفسي واجتماعي كبير وقد تُمس سمعته أو تُساء قراءة ظروفه بما ينعكس على أسرته ومكانته في المجتمع، لذلك فإن الوعي بخطورة النشر والحرص على التثبت من المعلومات واحترام خصوصية الأفراد بات ضرورة لحماية النسيج الاجتماعي وصون صورة الدولة والمجتمع معاً.
وللحد من هذه الظاهرة يتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة على مستوى الفرد والمجتمع والجهات الرسمية، كإطلاق حملات توعوية تبيّن مخاطر نشر المقاطع دون تحقق، وأثرها في سمعة الأفراد والمؤسسات، وتعزيز نشر ثقافة التريّث قبل المشاركة وشرح مفهوم النشر مسؤولية، كما يتطلب ذلك تربية النشء على القيم الرقمية سواء داخل الأسرة وفي المدارس والجامعات لغرس مبادئ الأخلاق الرقمية واحترام الخصوصية وضرورة التحقق من المعلومات قبل نشرها وأهمية الامتناع عن نشر ما يضر الآخرين ونشر الوعي بأن التشهير والنقد الجائر لا يعالج مشكلة بل يفاقم الانقسام، كما لا بد من تفعيل التشريعات المتعلقة بمكافحة الشائعات وانتهاك الخصوصية ومحاسبة من ينشر معلومات أو مقاطع قد تلحق الضرر بأفراد أو جهات دون سند أو إذن رسمي يخول بذلك وتشجيع المحتوى الإيجابي من خلال دعم المبادرات التي تُظهر النماذج الإيجابية وتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وإبراز القصص التي تحثّ على المسؤولية بدلاً من المحتوى الانتقادي المضلل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك