بدا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في الأونة الأخيرة أقرب إلى زعيم شعبوي منه إلى شخصية مصرفية مهمة سابقة، وخاصة خلال الخطاب الذي ألقاه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 20 يناير 2026م.
لقد أعرب مارك كارني عن أسفه لـ«تلاشي» و «تفكك» النظام القائم على القواعد، حيث قال: «لن يعود النظام القديم. نحن في خضم قطيعة، لا مرحلة انتقالية»، كما حذر من هذه التطورات المقلقة، مستدلا بقول المؤرخ اليوناني ثوسيديدس، في هذا الواقع الجديد، قائلًا: «يستطيع الأقوياء فعل ما في وسعهم، وعلى الضعفاء أن يتحمّلوا ما يجب عليهم تحمّله».
لم يتوقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه «الثوري» عند هذا الحد. فقد دعا إلى «استقلال استراتيجي» للقوى المتوسطة، محذراً من أنه «إذا لم نكن على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام»، كما شدد على أن الغرب لم يعد بإمكانه الاعتماد فقط على ما أسماه «قوة قيمنا»، بل يجب أن يتحول إلى الاعتماد على «قيمة قوتنا».
لكن قبل أن نقع في الخلط بين كارني نوماس سانكارا أو لومومبا، لا بد من التذكير بسجل إدارة رئيس الوزراء الكندي فيما يتعلق بالمجازر الشنيعة التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة. لا شك أن المفارقة واضحة: مارك كارني ينتقد عالماً يسوده منطق «القوة هي الحق» عندما يتعلق الأمر بالتعريفات الجمركية الأمريكية أو التهديدات الموجهة إلى غرينلاند، ومع ذلك فهو يتبنى سياسة تُسهّل هذا الأمر تحديداً في منطقة الشرق الأوسط.
يتجلى التناقض بين شخصية كارني في منتدى دافوس وسياسته الفعلية تجاه غزة بوضوح في لحظة واحدة في مدينة كالجاري في 8 أبريل 202م. فخلال تجمع انتخابي، قاطعه أحدهم صائحا: «سيد كارني، هناك إبادة جماعية في فلسطين!» فأجاب رئيس الوزراء مباشرة: «أنا على علم بذلك. ولهذا السبب لدينا حظر على الأسلحة».
لقد بدا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عدة ساعات وكأنه زعيم إحدى دول مجموعة السبع قد أقرّ أخيراً بالواقع القانوني الذي في غزة، لكنّ لحظة الصدق المزعومة التي دافع عنها في منتدى دافوس تلاشت تماماً في اليوم التالي.
بعد أن أثار ردود فعل سياسية غاضبة فورية، تراجع رئيس الوزراء كارني عن تصريحاته.، حيث قال للصحفيين متلعثماً: «لم أسمع تلك الكلمة. سمعت كلمة «غزة»... كنت أذكر حقيقةً تتعلق بتقييد الأسلحة». وبذلك، عاد الموقف الكندي الرسمي إلى سابق عهده: اختزال الإبادة الممنهجة للفلسطينيين في مجرد قضية إنسانية.
ليس رئيس الوزراء الكندي الوحيد الذي يتبنى هذا النهج. فقد أتقن كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، هذا النوع من الخطاب الاستراتيجي المزدوج، ذلك أن عناوين أخبارهم تحكي من خلالهم قصة غرب يدافع بشراسة عن سيادته، ولكنه غير مبالٍ بسيادة الآخرين.
في الثامن من شهر يناير الماضي، نشرت بلومبيرغ تقريراً بعنوان: «شولز: على الولايات المتحدة احترام حرمة الحدود»، وذلك رداً على الخطاب الأمريكي بشأن «شراء» غرينلاند، فيمل حذّر ماكرون من ظهور «عالم بلا قواعد» داعياً إلى وحدة أوروبية في مواجهة سياسة الإكراه الاقتصادي الأمريكي. وفي لندن، نشرت صحيفة الغارديان في 21 يناير عنواناً رئيسياً يقول: «كفى استرضاءً: بريطانيا بحاجة إلى «بازوكا تجارية» خاصة بها لمواجهة دونالد ترامب».
يبدو أن احترام القانون الدولي يُستخدم كسلاح فتاك ضد المنافسين التجاريين، ولكنه مجرد إزعاج لا طائل منه عند تطبيقه على إسرائيل. والآن، قارن هذه العناوين بهذه التقارير الغربية المعتادة حول فلسطين:
-أكدت كندا مجدداً دعمها القاطع لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها (بيان مكتب رئيس الوزراء).
-تقف ألمانيا إلى جانب إسرائيل قائلةً: «لإسرائيل الحق والواجب في الدفاع عن مواطنيها» (الحكومة الألمانية).
-صرح رئيس الوزراء البريطاني، ستارمر، بأن تعليق التسلح «قرار قانوني» وليس تغييراً في دعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس (موقع كورت هاوس نيوز).
إن القائم على القواعد التي يدافع عنها رئيس الوزراء الكندي، كان هدفًا للهجوم الغربي. فعندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويواف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب، لم يلتزم هؤلاء الذي نصبوا أنفسهم أوصياء على النظام الدولي بالقانون، بل سعوا إلى تحريفه.
في كندا، وبينما يكتفي مارك كارني بالتظاهر بإبداء الاحترام للمحاكم الدولية، قدمت حكومته التماساً في شهر نوفمبر 2025 لرفض القضية التي رفعها الكندي من أصل فلسطيني هاني البطنيجي ضد كندا - وهي قضية تاريخية تسعى إلى محاسبة سلطات أوتاوا على فشلها في منع الإبادة الجماعية في غزة.
ما حجة الحكومة الكندية يا ترى؟ لقد اعتبرت حكومة مارك كارني أن المحكمة ليس لها اختصاص قضائي بشأن «المسائل السياسية» المتعلقة بالسياسة الخارجية الكندية.
أما في أوروبا، فإن هذا الانقسام بشكل أوضح والازدواجية يتجليان بشكل أكثر وضوحا. فقد أشارت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية إلى أن بنيامين نتنياهو قد يتمتع بالحصانة لأن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وهي «ثغرة سيادية» لم تُمنح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قط. أما في ألمانيا، فقد هاجم المستشار فريدريش ميرز شرعية المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً احتمال اعتقال زعيم إسرائيلي بأنه «أمر سخيف تماماً».
لطالما كان مفهوم الغرب عن «النظام العالمي» بنيوياً وليس عرضياً، حيث أعطى الأولوية لمصالحه الاستراتيجية الخاصة مع تهميش حقوق الجنوب العالمي. هذا الخلل ليس خللاً في النظام، بل هو جوهر النظام نفسه. ولا تشكو كندا وأوروبا الآن إلا لأنهما، ولأول مرة منذ أجيال، تشعران بأن جدران النادي المتميز تُطبق عليهما.
إنهم يطالبون بوضع قانون دولي لحماية طرقهم التجارية وحدودهم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومع ذلك فهم يعملون بنشاط على تفكيك هذا القانون نفسه لحماية حليف لهم في قطاع غزة.
ومع ذلك، فإن محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة تشكيل السياسة العالمية تمنح أوروبا وكندا فرصة نادرة لمواجهة هذا الإرث من الانتقائية في تطبيق القانون. ورغم صعوبة التعاطف مع مظالمهم الحالية، إلا أن هذا الموقف قد يتغير إذا اختاروا إعادة توجيه أنفسهم أخلاقياً.
بإمكان أوروبا وكندا تطبيق القانون الدولي بشكل متسق، وملاحقة مجرمي الحرب دون تحيز، وإنهاء أدوارهم كشركاء ثانويين في دعم سلطات واشنطن غير المشروط لفرذ الاحتلال الجائر
إن التقاعس عن ذلك لا يُفضي إلا إلى كشف «الصدع» الذي يصفه مارك كارني بأنه جرحٌ ألحقه بنفسه. يدرك رئيس الوزراء الكندي نفسه أن القيم التي يتم التمسك بها فقط عند الحاجة لا تمثل قيماً على الإطلاق، وإنما هي مجرد وسيلة لممارسة الضغوط.
إذا استمر الغرب في المطالبة بالقواعد فقط عندما تكون مصالحه هي الأهم، فلا ينبغي أن يتفاجأ عندما يتوقف العالم عن الاستماع إلى نصائحه. في الواقع، بالنسبة إلى الكثيرين منا، فقد توقفنا بالفعل عن الاستماع إلى ما يقوله الغرب.
{ كاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك