تُعد المعادن النادرة من الموارد الحيوية التي تشهد تزايدًا في الطلب عالميًّا بسبب استخدامها في التقنيات المتقدمة مثل الطاقة المتجددة، والدفاع، والتكنولوجيا. في سياق المنافسة الاقتصادية المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين على هذه المعادن، بدأت دول الخليج العربي في استكشاف فرصها لتكون جزءًا من هذا السباق العالمي. مع النمو المستمر في احتياطيات المعادن النادرة في المنطقة، أصبحت دول الخليج تسعى إلى تعزيز مكانتها كأحد اللاعبين الرئيسيين في هذا القطاع، متجاوزةً تحديات هيمنة الصين.
في هذا السياق، تبرز الفرص الكبيرة أمام دول الخليج لمشاركة القوى الاقتصادية العالمية في تحدي الهيمنة الصينية على المعادن النادرة، مع التركيز على الاستفادة من مواردها المحلية، ورأس مالها المالي، وموقعها الجغرافي المميز.
في ظل المنافسة الاقتصادية المتصاعدة عالميًا، خاصة بين أكبر اقتصادي -الولايات المتحدة الأمريكية والصين- أشار كارل فريدهوف، زميل بمجلس شيكاغو للشؤون العالمية، إلى «التسابق على تأمين المعادن الأساسية والعناصر الأرضية النادرة» خلال السنوات الأخيرة.
مع وجود أكثر من 4000 معدن طبيعي بتركيبات كيميائية فريدة في قشرة الأرض، أكد ريد بلاكمور وأليكسيس هارمون وبيتر إنجيلكي من المجلس الأطلسي، «أهمية هذه المعادن للاقتصاد الحديث وقوة الدولة»، نظرًا لدورها الحيوي في التقنيات المتقدمة مثل الطاقة والعسكرية والتجارية، بدءًا من المحركات المغناطيسية في الغواصات النووية وصولًا إلى بطاريات السيارات الكهربائية.
منذ يناير 2025، سعت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب إلى إعادة صياغة التجارة العالمية لصالح الولايات المتحدة عبر فرض تعريفات جمركية أعلى على الصادرات إلى السوق الأمريكية، كأداة للضغط الاقتصادي على منافسيها. ومع ذلك، فإن ميزان القوى في مجال المعادن النادرة في الوقت الحالي بعيد عن واشنطن. ففي الواقع، تقوم الصين حاليًا بمعالجة حوالي 90% من جميع المعادن الحيوية في العالم، وتفرض رقابة أكثر صرامة على الصادرات. وفي هذا السياق، تساءل بروفيسور هنري فاريل من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة عن كيفية «مواجهة الحكومة الأمريكية خصمًا يمكنه تهديد قطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكي».
وفي استجابة لهذه الديناميكيات الجيوسياسية المتطورة، أشار ريشي إينجار من مجلة «فورين بوليسي» إلى أن ترامب بدا في «مهمة للبحث عن المعادن الحيوية أينما وُجدت»، وأكد أن «دولًا حول العالم» اصطفّت للتعاون معه، في إطار رغبة مشتركة في مشهد معدني لامركزي. ولتحقيق هذه الغاية، وقعت الولايات المتحدة، حتى خريف 2025، اتفاقيات مع أستراليا واليابان وتايلاند وماليزيا وفيتنام وكمبوديا حول الوصول إلى المعادن النادرة.
وأوضح أمير رازمجو، أستاذ مُشارك في جامعة إديث كوان الأسترالية، أن المعادن النادرة تعد أساسية لتصنيع وصيانة معدات متنوعة، من السيارات الكهربائية إلى الهواتف المحمولة والمعدات العسكرية المتطورة. ورغم ذلك، لا يوجد «قائمة واحدة للمعادن الحرجة»، رغم أن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أدرجت 54 معدنًا تعتبرها ذات أهمية بالغة. ومن بين المعادن العشرة الأكثر قيمةً التي حددتها الهيئة، هناك معادن غير معروفة على نطاق واسع مثل الساماريوم والروديوم واللوتيتيوم والجرمانيوم والنيوبيوم، والتي تتميز جميعها بأهمية حيوية في تطوير التقنيات المتقدمة وندرتها في الرواسب المؤكدة.
نظرًا لهذه الندرة وهيمنة الصين على معالجة المعادن النادرة المستخرجة من جميع أنحاء العالم، أوضحت صحيفة «الجارديان» أن «الصين استثمرت بشكل مكثف في عمليات التكرير لاحتياطاتها» المقدرة بأكثر من 44 مليون طن على مدى عقود. لذلك، لم يكن مفاجئًا أن يزداد تحذير المراقبين الغربيين من المخاطر الاقتصادية والأمنية المرتبطة بسلاسل توريد هذه المعادن، والتي قد تتأثر بتصعيدات جيوسياسية مستقبلية. وطرح بلاكمور وهارمون وإنجيلكي تساؤلًا عن مدى استعداد الولايات المتحدة وحلفائها لتحمل أي انقطاع مفاجئ ومستدام في الوصول إلى المعادن النادرة.
في سياق متصل، فرضت الصين مؤخرًا قيودًا على تصدير المعادن المعالجة، حيث ألزمت الشركات الأجنبية بالحصول على موافقة الحكومة الصينية لنقل المعادن الأرضية النادرة، مع تقديم تفسير لاستخدامها المقصود. وفي ضوء التصعيد التجاري مع ترامب، حذر بلاكمور وهارمون وإنجيلكي من أن الصين قد تتابع الأمر بحظر صادرات النيوديميوم والديسبروسيوم والمغنيسيوم المكرر، مما سيؤثر بشكل كبير في قطاعات مثل الطاقة والدفاع بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
ومع أن الصين ليست الدولة الوحيدة التي يمكنها الرد على زيادة التعريفات الجمركية لترامب، فقد لوحظ أن «القيود الكاملة» على استيراد أمريكا لعنصر الروديوم النادر من جنوب إفريقيا قد تؤثر بشكل مباشر في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وفقًا لتحذيرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، التي قدرت التأثير بنحو 64 مليار دولار.
وفي هذا السياق، كتب الصحفي البريطاني أليكس هانافورد في صحيفة «الإندبندنت» أن سياسة ترامب الخارجية «ترتكز في النهاية على المال»، وأن هدفه هو تأمين استثمارات ضخمة لتعزيز الاقتصاد الأمريكي. ومن هذا المنطلق، فإنه من غير المستغرب أن يستجيب ترامب، الذي بلغ 79 عامًا، للوضع الذي فاقمه بنفسه من خلال إبرام صفقات جديدة في مجال المعادن، بالتعاون مع بلدان تشترك في الرغبة في تحدي هيمنة الصين في هذا القطاع.
تجلت هذه الديناميكيات بوضوح خلال جولة الرئيس الأمريكي في آسيا في أكتوبر 2025، التي بدأت بحضوره القمة السنوية لرابطة دول جنوب شرق آسيا. وقبل ذلك، انتهت خمسة أشهر من المفاوضات مع الحكومة الأسترالية بتوقيع «إطار عمل المعادن الحيوية». وقد شبهت جريسلين باسكاران وكيسارين هورفاث من برنامج أمن المعادن الحيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وفرة أستراليا من المعادن الحيوية بـ«جدول دوري يضيء مثل شجرة عيد الميلاد»، وأشارتا إلى أن اتفاقية الإطار تشمل تمويلًا لا يقل عن مليار دولار في مشاريع التعدين بهدف «كبح استحواذ الصين على أصول تعدينية جديدة».
لكن، كما لاحظت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، فإن العديد من الصفقات التي تفاوض عليها ترامب تفتقر إلى التفاصيل، حيث تميزت الاتفاقيات مع حكومات اليابان وماليزيا بالتزاماتهما بالتعاون في الموارد، مع وعود بالاستثمار وإصلاحات التعريفات الجمركية، ولكن دون خارطة طريق واضحة للتعاون المستقبلي في مجالي التعدين والتكرير. ومع ذلك، يُعد دور الشركات الأمريكية الخاصة ذا أهمية خاصة، حيث وافقت الحكومة الباكستانية في وقت سابق على صفقة مع شركة «يو إس ستراتيجيك ميتالز» في سبتمبر بقيمة 500 مليون دولار لتوفير الوصول إلى معادن مثل النحاس والأنتيمون. وتؤكد مشاركة إدارة ترامب في مثل هذه العمليات على الدور المتزايد لوزارة الدفاع الأمريكية، التي أصبحت أكبر مساهم فردي في شركة التعدين العملاقة «إم بي ماتيريالز».
ومع ذلك، نظرًا لأن تعدين وتكرير المعادن الحيوية عملية معقدة وتتطلب موارد ضخمة، فإن البنية التحتية في الدول الغربية لا تضاهي تلك الموجودة في الصين. كما أشار باتريك شرودر، الباحث الأول في مركز تشاتام هاوس للبيئة والمجتمع، فإن «بناء مناجم جديدة ومرافق تكرير ومصانع معالجة» في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا «يتطلب تكاليف رأسمالية مرتفعة، وقوانين بيئية صارمة، ومدخلات عمالة وطاقة أكثر تكلفة».
وفي ظل تركيز إدارة ترامب على الأسلوب أكثر من الجوهر، يُعد استغلال دورها كوسيط في النزاعات عنصرًا رئيسيًا في سياسة الولايات المتحدة تجاه المعادن النادرة، لضمان الوصول إلى هذه الموارد الحيوية. تجدر الإشارة إلى أنه في محاولات سابقة للتوسط في إنهاء الحرب في أوكرانيا، سعى ترامب لاسترداد تكلفة إمدادات واشنطن من الأسلحة والتمويل من خلال الوصول إلى الموارد الطبيعية الأوكرانية. وبعد مطالبته العلنية بالحصول على 500 مليار دولار من موارد البلاد، تم توقيع اتفاقية تمنح الولايات المتحدة امتيازات في عمليات الاستخراج.
وبالمثل، في حالة جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي أكبر مورد للكوبالت والتنتالوم في العالم، والتي تمتلك أيضًا احتياطيات ضخمة من الذهب والنحاس، يشير دور البيت الأبيض في التوسط لوقف إطلاق النار مع رواندا المجاورة إلى اتفاقية تعاون في مجال استخراج المعادن، التي تمنح الولايات المتحدة وصولًا أكبر إلى هذه الاحتياطيات مقابل ضمانات أمنية.
وفي ضوء هذه التحركات الدبلوماسية ذات الحوافز الاقتصادية الواضحة، أكدت فراني لوتييه، الزميلة في المجلس الأطلسي، أن هذه التحركات تظهر التوافق بين «الوصول إلى الموارد مع الاستقرار السياسي» و«الاعتراف المتزايد» من واشنطن بأن «مرونة سلسلة التوريد ليست مجرد ضرورة تجارية، بل ضرورة دبلوماسية وأمنية». مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المصالح المعلنة للبيت الأبيض في حل هذه الصراعات تتم بسبب الفوائد الاقتصادية العملية التي يمكن أن تجنيها الولايات المتحدة، وليس بناءً على اعتبار مصالح السلام والأمن والعدالة على المدى الطويل.
وفيما يخص الشرق الأوسط، أكدت أسنا واجد، محللة الأبحاث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن دول الخليج العربي قد وسعت في السنوات الأخيرة طموحاتها في قطاع المعادن النادرة من خلال عمليات الاستحواذ المستهدفة والشراكات الدولية. وقد تم ذلك عبر «الاستفادة من مواردها المعدنية ورأس المال المالي وموقعها الجغرافي» للمشاركة في التحدي الذي تطرحه الصين في دورها الرائد في السوق، فضلاً عن تقديم نفسها كبديل للدول الغربية.
ومع تزايد احتياطيات هذه المعادن في الخليج العربي -حيث ارتفعت إلى أكثر من 2.5 تريليون دولار في المملكة العربية السعودية بفضل اكتشافات معادن مثل الذهب والتيتانيوم والفوسفات- فإن فرص دول المنطقة في ترسيخ نفسها كلاعب رئيسي في هذا المجال تتزايد. وفي الواقع، أشار الدكتور جون كالابريس، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط، إلى أن «طموحات المنطقة المعدنية» أصبحت «حجر الزاوية في الاستراتيجية الاقتصادية والجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين»، حيث «تضع دول مجلس التعاون الخليجي نفسها ليس فقط مستهلكين للسلع الأساسية، ولكن كفاعلين نظاميين يشكلون قواعد ومسارات اقتصاد الطاقة العالمي الجديد».
وبالتالي، أكد كالابريس أن دول الخليج العربي «يجب أن تتنقل في مثلث استراتيجي» يشمل التعاون المستمر مع الصين، وزيادة حصتها في السوق، و«التحالف بشكل أوثق مع الولايات المتحدة وأوروبا بشأن أمن سلسلة التوريد». ومع تحذيرات المعلقين الغربيين مثل بلاكمور، وهارمون، وإنجيلكي من أن الولايات المتحدة وحلفاءها «قد يواجهون اضطرابًا كبيرًا في سلاسل التوريد بسبب المنافسة الجيوسياسية أو الظروف الجوية المتطرفة»، فإن دول الخليج في وضع جيد للاستفادة من السوق العالمية المتنامية.
إن التنافس بين الولايات المتحدة والصين على المعادن النادرة يفتح فرصًا جديدة لدول الخليج لزيادة مشاركتها في أسواق هذه المعادن الحيوية. مع تزايد الاحتياطيات المعدنية في المنطقة، يتعزز دور دول الخليج في سلسلة التوريد العالمية، ما يجعلها شريكًا استراتيجيًا للأقطاب الاقتصادية الكبرى. لكن هذا الدور يتطلب تبني استراتيجيات قوية تشمل التنسيق مع القوى العالمية الكبرى، وتوسيع التعاون الإقليمي والدولي، وتعزيز بنية تحتية لتكرير واستخراج المعادن. في النهاية، يمكن لدول الخليج أن تشق طريقها نحو تمكين نفسها كفاعلين رئيسيين في سوق المعادن النادرة، مما يعزز موقعها الاقتصادي والجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك