العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

معركة دحض الأكاذيب عن واقعنا العربي في داخل المجتمع الأمريكي

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬تقريبا،‭ ‬تفاجأ‭ ‬الصليبيون‭ ‬بوجود‭ ‬مسيحيين‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬أيضاً،‭ ‬ولكن‭ ‬الأوهام‭ ‬والأطماع‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬أو‭ ‬الرابطة‭ ‬الدينية،‭ ‬لهذا‭ ‬أعمل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الغزاة‭ ‬السيف‭ ‬في‭ ‬رقاب‭ ‬مسيحيي‭ ‬البلاد،‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬إخوتهم‭ ‬المسلمين،‭ ‬لم‭ ‬يصدّق‭ ‬الغزاة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مسيحيين‭ ‬لهم‭ ‬كنائسهم‭ ‬وحقولهم‭ ‬ومدارسهم‭ ‬وأعمالهم‭ ‬ومساهماتهم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصليبي‭ ‬الاستعماري‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يسجل‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬مسيحيي‭ ‬بلادنا‭ ‬تعاملوا‭ ‬أو‭ ‬تعاونوا‭ ‬مع‭ ‬الغزاة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬دنيا‭ ‬وضيقة،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭  ‬يحدث‭ ‬بشكل‭ ‬اضطراري‭ ‬بسبب‭ ‬العجز‭ ‬أو‭ ‬العوَز‭ ‬أو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الخلاص‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬لكل‭ ‬شعب‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭.‬

وعلى‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬أيضاً‭ ‬يحمل‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬اليميني‭ ‬البارز‭ ‬تاكر‭ ‬كارلسون‭ ‬مهمة‭ ‬إيضاح‭ ‬الحقيقة‭ ‬العادية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا،‭ ‬المذهلة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليمين‭ ‬المسيحي‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬بلاده،‭ ‬أنه‭ ‬يوجد‭ ‬هنا‭ ‬مسيحيون‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والأردن‭ ‬يعيشون‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬ملح‭ ‬الأرض‭ ‬فعلاً‭ ‬لا‭ ‬قولاً،‭ ‬وأنهم‭ ‬يقدّمون‭ ‬وإخوتهم‭ ‬المسلمون‭ ‬مثالاً‭ ‬حياً‭ ‬للألفة‭ ‬والتعاون‭ ‬والتمازج‭ ‬الثقافي،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الوطنية‭ ‬والمواطنة،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعرضون‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تهجير‭ ‬وضيق‭ ‬وملاحقة‭ ‬وإهانة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لإخوتهم‭ ‬المسلمين‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬فيه‭.‬

لقد‭ ‬قدم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬حسام‭ ‬نعوم،‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬القدس‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬الأنجليكانية،‭ ‬وكذلك‭ ‬أسعد‭ ‬المعشر‭ ‬من‭ ‬الأردن،‭ ‬صورة‭ ‬بالغة‭ ‬النصاعة‭ ‬للتعددية‭ ‬المثمرة‭ ‬والفسيفساء‭ ‬الباهرة‭ ‬للحياة‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬والأردن‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬كانت‭ ‬الدهشة‭ ‬تقفز‭ ‬من‭ ‬عيني‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الشجاع‭ ‬وهو‭ ‬يسمع‭ ‬ويرى‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأكاذيب‭ ‬والأوهام‭ ‬التي‭ ‬تنشرها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬تسقط‭ ‬على‭ ‬تلال‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬وجبالها‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬سمع‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬ورأى‭ ‬بأم‭ ‬عينيه‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مَلكاً‭ ‬عربيا‭ ‬مسلماً‭ ‬يهتم‭ ‬بالأوقاف‭ ‬الإسلامية‭ ‬والمسيحية،‭ ‬وأن‭ ‬المسيحي‭ ‬يتمتع‭ ‬بكل‭ ‬الحقوق‭ ‬والأحقية،‭ ‬وأن‭ ‬الإسلام‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬المسيحيين،‭ ‬وأن‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬والتفاهم‭ ‬ليست‭ ‬مفاهيم‭ ‬خيالية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬حقائق‭ ‬تُعاش‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬واعتيادي‭.‬

ما‭ ‬قدّمه‭ ‬تاكر‭ ‬كارلسون‭ ‬في‭ ‬منصته‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬صفعة‭ ‬وصدمة‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الذي‭ ‬يدّعي‭ ‬المسيحية،‭ ‬أقصد‭ ‬مسيحية‭ ‬سكوفيلد‭ ‬وإنجيليه‭ ‬المرجعي،‭ ‬ذلك‭ ‬المحامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬قدَّم‭ ‬شروحات‭ ‬مشيحانية‭ ‬للكتاب‭ ‬المقدس‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬إنجيل‭ ‬آخر‭.‬

ما‭ ‬فعله‭ ‬كارلسون‭ ‬بالدليل‭ ‬الحي‭ ‬والملموس‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬إنما‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تهجير‭ ‬المسيحيين‭ ‬وإفقارهم‭ ‬وإذلالهم،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يؤمنون‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تفسيرات‭ ‬وشروحات‭ ‬للإنجيل‭ ‬إنما‭ ‬تضر‭ ‬بالمسيحيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ووجودهم‭ ‬وحياتهم‭ ‬في‭ ‬أرضهم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يغادروها‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭.‬

إن‭ ‬أهمية‭  ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأمريكي‭ ‬البارز‭ ‬كارلسون‭ ‬ذو‭ ‬الصوت‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬اليوتيوب‭ ‬والبرودكاست‭ ‬الأمريكية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬اليمين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬وداخل‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬أنه‭ ‬كشف‭ ‬وعرّى‭ ‬وأسقط‭ ‬كل‭ ‬الادعاءات‭ ‬والأكاذيب‭ ‬أيضاً،‭ ‬وقدّم‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭ ‬تماماً‭ ‬للدعاية‭ ‬المغرضة‭ ‬وللأموال‭ ‬السياسية‭ ‬المتدفقة‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬الاحتلال‭ ‬الصهيوني‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخها‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬وأن‭ ‬مجموعة‭ ‬الحقائق‭ ‬والدلائل‭ ‬التي‭ ‬قدّمها‭ ‬كارلسون‭ ‬في‭ ‬برنامجه‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬مرافعة‭ ‬إنسانية‭ ‬ضد‭ ‬ذلك‭ ‬التيار‭ ‬العريض‭ ‬المتحكم‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬والمزاج‭ ‬الشعبي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬النقاشات‭ ‬الدائرة‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

 

{ رئيس‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات

‭ ‬المستقبلية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدس

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا