تعد الدعوات الغربية إلى الحوار مع موسكو والتي عبر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا بشكل صريح وواضح ولحقه المستشار الألماني فريدريس ميرتس بطريقة أقل وضوحا بداية مؤشر على إمكانية فتح صفحة جديدة بين بلدان الاتحاد الأوروبي خاصة وروسيا الاتحادية فما مضامين هذه التصريحات وما دلالاتها؟.
من الواضح جدا أن هذه الدعوات للحوار قد جاءت في ظل تراجع الدعم الأمريكي لأوروبا عامة ولحلف شمال الأطلسي خاصة إضافة إلى تباين المواقف في عديد من الملفات الجوهرية ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على جزيرة غرين لاند حيث شهدت المرحلة الماضية خاصة منذ بداية الدورة الثانية من رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدهورا ملحوظا وغير مسبوق في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في جانبين رئيسيين على الأقل:
الأول: فرض الرسوم الجمركية العالية على الاتحاد الأوروبي وهي رسوم غير مسبوقة في نوعها وحجمها والتي أرهقت الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من مشكلات مالية واقتصادية واجتماعية كبيرة دون النظر إلى مصالح دول الاتحاد الأوروبي وهو ذات التصرف الذي أقدم عليه الرئيس الأمريكي مع كندا والمكسيك ومع عدد كبير من دول العالم الأخرى وكان يفترض أن الدول الأوروبية تحديدا هي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي يفترض أن تتمتع بامتيازات الحليف هي وكندا ولكن اتضح أن الرئيس ترامب وانسجاما مع وعوده الانتخابية هو أن كل ما يهمه تحقيق المصلحة الأمريكية وقد تلقت الدول الأوروبية هذه الضربة المالية والاقتصادية الكبيرة إضافة إلى ما تعانيه من مشكلات وما تتحمله من التزامات مالية تقدر بـ90 مليار دولار خلال الفترة من 2026 إلى 2030 وهو دعم كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل الجزء الأكبر منه حيث رفعت يدها عنه ولذلك أصبحت الكرة في ملعب الأوروبيين.
الثاني: المشكلة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد ضغطت على دول الاتحاد الأوروبي لفرض المزيد من العقوبات على روسيا الاتحادية ومنعها من شراء النفط والغاز الروسيين الرخيصين اللذين كانا يتمتع بهما الاقتصاد الأوروبي قبل فرض العقوبات على روسيا ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل استمر في اتجاه مزيد من الضغط على الأوروبيين لشراء النفط والغاز الأمريكيين بأسعار تفوق 4 مرات سعر النفط والغاز الروسيين أضف إلى ذلك الضغط الأمريكي بالزام حلف الناتو برفع نسبة الإنفاق على الجانب العسكري من 2% إلى 5% وهي نسبة مرتفعة جدا ومن شأنها إلحاق المزيد من الاضرار بالدول الأعضاء في حلف الناتو بما يفاقم الأزمة المشار إليها.
هاتان النقطتان اللتان أشرنا إليهما تكمنان وراء بعض التصريحات والدعوات لفتح باب الحوار مع موسكو في محاولة استراتيجية أوروبية ليس لاستبدال العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإنما لخلق توازن بين هذه العلاقة والعلاقة المستقبلية مع روسيا الاتحادية باعتبارها جزءا من أوروبا بهدف تحقيق الاستقرار الأمني الدائم والبحث عن بدائل سلمية لاحتواء الخلاف مع روسيا بعيدا عن التبعية الكاملة لواشنطن.
إن هذه التصريحات والتحركات على الأرض والاتصالات التي بدأت بالفعل بين الفرنسيين والروس هي مقدمة لتغير الاتجاه مع الرغبة بإعادة النظر في العلاقة مع روسيا لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية على المدى البعيد عبر نافذة التفاوض مع موسكو.
لقد رحبت موسكو بهذه التحركات والتصريحات لأنها لم تكن هي السبب في قطع هذه العلاقة بل دعت إلى تطوير هذه العلاقة واستمرارها من أجل مصالح الجميع ولا ننسى في هذا السياق كيف كانت روسيا منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي تدعو إلى اتحاد أوروبي مستدام يشمل جميع الدول الأوروبية.
وربما تكون هذه التصريحات بداية إيجابية مؤكدة نحو التحول الذي يشهده العالم خاصة في ضوء المواقف الأمريكية الجديدة في السياسة الخارجية الأمنية والعسكرية في العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك