إنه مجرد سؤال افتراضي، ماذا يحدث لو فعلاً كانت جزيرة إبستين أو أن يكون جيفري إبستين رجلا مسلما، وقام بكل تلك الأفعال الشائنة، ترى كيف سيتحدث الإعلام الغربي، وماذا ستكون عناوين الصحافة الغربية خلال السنوات القادمة؟ وكيف سيتحدث المغتربون العرب، أولئك الذين يلبسون ملابسنا ويتكلمون لغتنا إلا أن عقولهم وأجسامهم تركع في محراب الغرب؟ ماذا سيقول كل هؤلاء؟ لنحاول أن نتخيل:
أولاً، النموذج الأول: صحيفة غربية يمينية (محافظة):
نتخيل أن العنوان سيكون (أسئلة خطيرة حول شبكة استغلال يقودها رجل مسلم، كيف تسلّل إلى دوائر النفوذ؟)
وسيكون المقال كالتالي:
يواجه العالم المتحضر اليوم فضيحة جديدة تهزّ أركان المجتمع السياسي العالمي، بعد الكشف عن رجل أعمال مسلم متورّط في شبكة اتجار قيل إنها استهدفت قاصرات بحثًا عن النفوذ والمال.
والتحقيقات تثير تساؤلات عن كيفية تمكنه من الوصول إلى شخصيات بارزة في المجتمع المتحضر، على الرغم من خلفيته الثقافية المثيرة للجدل، وعن مدى الفشل المؤسسي في مراقبة نشاطاته. ويرى المحللون أن القضية لا يمكن فصلها عن سياق الدين والفكر السوداوي الإسلامي، وكذلك الثغرات في نظام الفحص الأمني. وهذا ما يدفع العالم المتحضر إلى طرح عديد من الأسئلة مثل: (إلى أي مدى تلعب الأيديولوجيات المتطرفة دورًا في تشكيل هذه السلوكيات المنحرفة؟ وما إلى ذلك) ونحن لسنا أمام قضية فردية، وإنما أمام نمط حياة سيئ وحضارة سوداوية يجب مواجهتها.
وتشير الأصوات المحافظة إلى أن هذه القضية تكشف مجددًا الخطر الثقافي الذي تواجهه دول العالم المتحضر عندما تفشل في حماية قيمها وصون أمنها الداخلي.
ثانيًا، النموذج الثاني: صحفة غربية يسارية (ليبرالية):
نعتقد أن العنوان سيكون (فضيحة رجل أعمال مسلم تفتح نقاشًا حول استغلال النفوذ، وتحذيرات من الفكر الإسلامي السوداوي الذي يسبب الكراهية).
وسيكون المقال كالتالي:
تتصدر فضيحة الاستغلال الجنسي المرتبطة برجل أعمال مسلم عناوين الصحف، فبينما تتواصل التحقيقات في شبكة الاستغلال والدعارة، يدعو خبراء إلى التركيز على العوامل البنيوية التي سمحت لرجل مسلم بالتحرك دون رقيب داخل دوائر سياسية واقتصادية عالمية نافذة.
ويجد المراقبون أن البعد الديني في القضية هو المحور الأول الذي يهدد العدالة التي من المفروض أن تتحدد في العالم كافة، فالهوية الدينية للمتهم ربما تكون سببًا في هذه الجريمة المنظمة.
والحقيقة تقول إن الضحايا بحاجة إلى العدالة، لذلك فإن على النظام العالمي المتحضر أن يقف من غير هوادة لتحقيق عدالة الضحايا وخاصة القصر.
ثم بعد ذلك تقوم وسائل الإعلام الغربية والليبرالية العربية: بالتأطير الثقافي للجذور السلوكية للمشكلة، وتطعن في خلفيته الثقافية، وبيئته الاجتماعية وتسهب في العقلية الشرقية التي لا تجد أي مناص من استغلال القاصرات والزنا والرق، ثم تميل في الحديث إلى اضطراب شخصية الإنسان العربي المسلم الذي يجذبه الدين من جهة والتحرر الفكري والحضاري من جهة فيقع ما بين براثن الغرائز المكبوتة والتحرر الغربي نحو الحريات.
وبعد ذلك تبالغ وتفرد صفحات من الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعه لتطرح بل تبالغ في الربط بين الدين الإسلامي والانحراف السلوكي، وربما تلجأ إلى استحضار الموتى من التاريخ، ثم تتساءل عن علاقة الإسلام بالانحرافات السلوكية وقضايا الفساد الإداري والمالي والفكري والمجتمعي، وتحاول أن تغرس فكرة أن الثقافة الإسلامية تشكل خطرًا على المجتمعات والنساء والأطفال، وبعد كل هذا وذلك ستتحول التهمة من خطأ فردي إلى تهمة جماعية تطول كل إنسان يحمل الفكر الإسلامي.
وفي النهاية تقوم وسائل الإعلام المختلفة في الدول العربية المسلمة باستضافة مجموعة من علماء الدين الإسلامي حتى يقوموا بالتحدث وباستحياء وخجل لنفي كل هذه التهم عن العقيدة الإسلامية السمحة، وكأن الإسلام هو المتهم وليس رجلا واحدا.
ربما في مرحلة ما يأتي الدور على العرب المغتربين، ليحملوا راية الهجوم على الإسلام والفكر الإسلامي، ويحفروا قبور الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك العلماء والمفكرون العرب والمسلمون وغيرهم، ثم يتعرضون لعرض هذا ويشتمون هذا، ويتحدثون عن هذا، ويحاكمون هذا ويعدمون هذا، كما يحدث عادة. ومن الطبيعي أنهم لن يكتفوا بذلك، وإنما سيتصفحون القرآن الكريم ويحاولون أن يلووا أعناق الآيات الكريمة ليحولوها من سياقها الحقيقي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إلى سياقات أخرى منحرفة تخدم أفكارهم، مستخدمين في كل هذا كل وسائل التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزيون والصحافة وكل وسيلة متاحة. أما أن يكون جيفري إبستين رجل غير مسلم فلن يتجرؤوا أن يتحدثوا عنه، حتى لو كان رئيس عصابة يقود الجريمة المنظمة في العالم كله، تخرس ألسنتهم وتعمى عيونهم، لأنهم فقط يتحدثون عندما يكون الخطأ جراء إنسان مسلم.
وهنا نعود إلى طرح السؤال المهم والذي طرحناه في عديد من المرات، ترى كيف ينظر الغرب والليبراليون العرب إلى الإسلام؟ وإن كنا لا نريد أن نفتح هذا الملف، إلا أن نظرة سريعة لا بد منها، حتى نفهم:
وجدنا أن هذه النظرة متأرجحة ومنقسمة وربما معقدة، فهي تتأرجح بين الإسلاموفوبيا وتعمد التشويه والخوف من التطرف والأصولية، ومحاولات الفهم والتعايش. إلا أن الإعلام الغربي ورجالات السياسة في العالم الغربي دائمًا ما يربط الإسلام بالأزمات، والنزاعات، وقضايا المرأة، مما يولد تصورات مغلوطة. ومن أبرز جوانب هذه النظرة، هي:
{ رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا): تضاعف الخوف من الإسلام في الغرب، ويرتبط غالبًا بانتقادات للتعددية الثقافية وتأثيرها في المجتمعات الغربية.
{ الخوف من الأصولية والتطرف: ينظر الغرب، لا سيما التيارات اليمينية، إلى الإسلام على أنه خطر يهدد نمط الحياة الغربي، خاصة مع التركيز على قضايا مثل النقاب، وتفسير بعض النصوص.
{ تأثير الإعلام والسياسة: يسهم الإعلام الغربي في تأجيج الكراهية، وتصوير المسلمين كعدو، والتركيز على التنافس والخلاف، مستخدمًا تصريحات غير متخصصة.
{ نظرة عقدية وتاريخية: ينظر البعض إلى الإسلام نظرة سلبية مبنية على إرث تاريخي وصراعات، ويرون فيه انحرافًا عن عقيدتهم.
{ التشخيص الغربي: ينظر الغرب إلى الإسلام ككتلة واحدة (أصولية)، مما يولد صراعًا ثقافيًا، ويتم استثمار هذه النظرة سياسيًا لخدمة مصالح معينة.
وفي المقابل، هناك نظرات موضوعية اليوم تحاول فهم الإسلام كدين وحضارة، وتقبل وجود المسلمين كمكون من المجتمعات الغربية، كما تظهر في بعض المجتمعات الأوروبية التي تستضيف ملايين المسلمين، وخاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.
وحتى نكون منصفين وننظر إلى الموضوع بموضوعية، فإننا نقول إن المجتمع الذي نعيش فيه أقصد المجتمع العربي المسلم ليس مجتمعًا مثاليًا، فليس كل من يدعي الإسلام والعروبة ينتمي فكريًا وعقائديًا، فنحن أكثر من ملياري مسلم في هذا الجزء من العالم، فليس من المعقول أن يكون كلهم عمر بن الخطاب أو غيره من الصحابة والملائكة، فمن الطبيعي أن يكون بينهم المئات من المنحرفين فكريًا وعقائديًا، وهذا أمر طبيعي لذلك جاء الشرع لمثل هؤلاء، ولكن الذي نريد قوله أن يتناول الإعلام الغربي هذا الموضوع من جوانب مختلفة فإنه أمر شائن، فالازدواجية دائمًا تكون من صالح الجهة المعادية للإسلام حينما يتعامل الإعلام الغربي مع الدين الإسلامي، والهوية الإسلامية في قضايا الجرائم الخطيرة المنظمة.
فعندما يكون الجناة من المسلمين يتم التركيز على دينهم وهويتهم، وتخضع خلفيتهم الثقافية للتدقيق ولا يرتبط ضمنيًا بأفعال الفرد، وإنما يُزج باسم الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والمجتمع المسلم الأوسع في النقاش العام، على الرغم من عدم مسؤوليتهم عن الجريمة نفسها.
وعلى النقيض من ذلك في حالة جيفري إبستين فإنه لم يذكر عرقه أو خليفته الدينية –تقريبًا– في التغطية الإعلامية السائدة، هذا التجاهل يعكس حذرًا متعمدًا في تناول الإعلام للصهيونية، وهو حذر مفهوم بالنظر إلى تاريخ معاداة السامية، لكن اللافت أنه لا يطبق ذلك على الإسلام والمسلمين، وفي الحقيقة نحن هنا لا نقصد الإساءة إلى جماعة أو شريعة أو فكر، وإنما الذي نود قوله إن العالم بحاجة إلى الإنصاف وتطبيق معيار واحد يحترم جميع الهويات الفكرية والثقافية.
فإذا كان الدين غير ذي صلة بجرائم إبستين – كما تدعي وسائل الإعلام الغربية والشرقية– فإن الكثير من القضايا وخاصة القضايا المتعلقة بالإرهاب ليست ذات صلة بالإسلام والفكر الإسلامي، فلماذا يجب أن يحكم على العالم الإسلامي بالإعدام وتحاسب العقيدة الإسلامية بسبب بضعة أفراد ربما انحرفوا لسبب أو لآخر، فالموضوعية هي المعيار الوحيد الذي يجب أن يكون مقبولاً في كل الأحوال.
ونحن هنا لا نوجه الاتهام إلى أحد، ولكن هذه نظرة موضوعية مبنية على كثير من الأحداث التي تجري وجرت في العالم الذي يدعي الحضارة والإنصاف، والكثير من الأطروحات الفكرية والليبرالية والمثقفة نجد أنها من السهل أن تطعن في الإسلام، إذ إن الجميع يطعن في الإسلام والفكر والعقيدة الإسلامية لسبب أو آخر وخاصة من بعض الأشخاص المنتمين إلى العروبة وما هم بعرب، فقد قامت منظمات وتجمعات تقوم بمهام الغرب في الطعن في الإسلام حتى وإن كان الخطأ من فرد واحد أو جماعة لا تمثل إلا نفسها.
لذلك في الختام يمكن أن نقول إنه يجب ألا تحاسبوا الفكر والعقيدة الإسلامية على أخطاء البشر، وإنما حاسبوا البشر بمقاييس الإسلام.
مرة أخرى، ماذا لو كان إبستين مسلمًا؟
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك