في السادس والعشرين من مارس القادم، ستبحر باتجاه غزة «قافلة صمود» جديدة.
فقد أعلنت الحركة العالمية التي نظمت قوافل عدة عبر عقدين أن قافلتها الجديدة ستكون الأكبر على الإطلاق منذ تأسيس الحركة عام 2006. فقافلة مارس ستضم مائة سفينة سينطلق على متنها أكثر من ثلاثة آلاف شخص يأتون من مائة دولة على الأقل. ففي سبتمبر الماضي، ضمت القافلة عشرين سفينة كان على متنها بضع مئات. والذين يبحرون في تلك القوافل ليسوا فقط ناشطين وإنما حشد من الأطباء والفنانين والشخصيات العامة بل والمواطنين العاديين. وكلهم من أصحاب الضمائر الحية حول العالم الذين يشعرون أن الحكومات خذلتهم، فصار لزاما عليهم القيام بواجبهم قبل واجب تلك الحكومات.
وهم يؤكدون أن الحكاية ليست عملا «خيريا» لمساعدة المحتاجين للمساعدة في غزة وإنما هي قصة العدل والحرية التي، عندهم، قضية لا تتجزأ. فتقويض العدل في إحدى بقاع الأرض معناه تقويضه في كل مكان. وهم يقتدون بنيلسون مانديلا الذي قال «إننا نعلم جيدًا أن حريتنا تظل منقوصة بدون تحقيق الحرية للفلسطينيين».
والقوافل السابقة اعترضتها إسرائيل ومنعتها من الوصول إلى غزة واستخدمت شتى أنواع العنف ضدها من تدميرها واعتقال من على متنها بالسجون الإسرائيلية بل وقتلهم كما حدث مع السفينة مرمرة عام 2010، حين قتلت إسرائيل عشرة أفراد ممن كانوا على متنها وجرحت الكثيرين.
لكن وحشية السلطات الإسرائيلية ضد عشرات القوافل لم تردع الحركة ولا أصحاب الضمائر الذين أعلنوا عزمهم على تنظيم القوافل طالما ظل الحصار غير القانوني مفروضًا على غزة. ومثلها مثل قافلة سبتمبر الماضي، ستكون برشلونة نقطة الانطلاق، وإن سيتم تباعا تحديد النقاط الأخرى التي ستلتحق منها المزيد من السفن بالقافلة. ولجانب أهدافها المعروفة، تركز قافلة مارس ليس فقط على فك الحصار ونقل المساعدات الإنسانية الأكثر إلحاحًا، وإنما تهدف أيضا إلى تحقيق وجود مدني سلمى دائم داخل القطاع يضم المتطوعين من أبناء الحركة من الأطباء والمدرسين والقانونيين والمدنيين غير المسلحين للمساعدة في حماية المدنيين في غزة وإعادة تشييد البنية التحتية للنظام الصحي والتعليمي والأمني التي تم تدميرها فضلا عن بناء المنازل والمؤسسات المدنية.
وعلى الجانب الآخر من الأطلنطي، فإن الحركة الشعبية التي تشكلت في ولاية مينسوتا بعدما أغارت قوات الهجرة الفيدرالية على مدينة منيابوليس وأدت المواجهات فيها إلى قتل اثنين من المواطنين، لا المهاجرين، قد نجحت هي الأخرى في إجبار إدارة ترامب على التراجع عن صلفها. فالإدارة أعلنت مؤخرًا أنها ستسحب ستمائة جندي من القوات الفيدرالية التي نشرتها بالمدينة. وبدلا من الاعتراف بالتراجع إزاء الضغط الشعبي، زعمت الإدارة أنها ستسحب القوات لأنها «حققت تقدما ملموسًا في إجبار السلطات المحلية على التعاون» مع الهيئات الفيدرالية في مكافحة الهجرة! لكن الحركة الشعبية لا تزال تضغط بكل قوة من أجل سحب جميع قوات الهجرة من المدينة بل والولاية كلها.
وقوات الهجرة الفيدرالية هي ذاتها بالمناسبة التي استأجرت طائرة خاصة مملوكة للملياردير الأمريكي الإسرائيلي جيل ديزير لترحيل من تعتقلهم من المهاجرين إلى كينيا وإسواتيني وليبيريا وغينيا. وهي الطائرة ذاتها التي تم على متنها ترحيل فلسطينيين إلى الضفة الغربية بعد اختطافهم من أسرهم وذويهم.
القضية واحدة إذن والحرية بالفعل لا تتجزأ. وأصحاب الضمائر الذين خذلتهم الحكومات فيقومون بواجبها باتوا الأمل الوحيد في «الصمود»، ليس فقط في فلسطين وإنما في كل مكان في وجه القهر وسط عالم بات أكثر توحشًا من أي وقت مضى في تاريخ البشرية.
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك