بلغت حالةُ التحدي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وضعًا حرجًا فإما أنها سوف تكون حالة حرب شاملة هذه المرة؛ أو أن جولة المفاوضات الأولى قد أفرزت خروجا من عن حافة الهاوية وقبول مسار للتعامل مع قضية السلاح النووي الإيراني مع توافقات أمريكية إيرانية على فتح مفاوضات أخرى للتعامل مع باقي القضايا الواقعة على جدول الأعمال. الوسطاء العرب (مصر والسعودية والإمارات وسلطنة عمان وقطر) والمسلمون (تركيا وباكستان) سوف يحتاجون إلى «صبر أيوب» حتى لا تنزلق أرجل المفاوضين إلى الهاوية. ذلك أن المفاوضات في هذه الحالة تنعقد وسط مناخ لا يلائم التوصل إلى حل يجذب الجميع بعيدا عن الحافة، ويغطي قطاعا حاميا لها من البقاء في المنطقة الحرجة. وحتى وقت قريب كان مرصودا أن المفاوضات سوف تجرى في إسطنبول تركيا؛ لكن تم تحويلها لتنعقد في سلطنة عمان التي كثيرا ما كانت جسرا بين الطرفين كان أشهرها ذلك الذي استخدمته الولايات المتحدة للتغطية على الهجوم الذي شنته مع إسرائيل لحرب الاثني عشر يوما!
الحقيقة إن التاريخ لا يعيد نفسه بسهولة، وهذه المرة فإن الحديث عن التفاوض وممارسته ينعقد وسط حالة عالية من التأهب العسكري: الولايات المتحدة وضعت زهرة أسطولها في بحر العرب القريب من إيران، وإيران أعلنت حالة التأهب في أسطولها لكي يقوم بمناورات عسكرية قرب «مضيق هرمز» والشواطئ الإيرانية.
وعلى سبيل الاستطلاع قامت طائرة مسيرة إيرانية بالسير فوق حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن»، وقامت هذه بإسقاطها عن طريق الطائرة الأمريكيةF-35 ؛ آخر ما أنتجته الترسانة التكنولوجية الأمريكية في ميدان الدمار. الواقعة كثفت جهود الوساطة من عقد المفاوضات حتى تكون مقدمة لوقف التصعيد ومعه حالة الطوارئ، والتوقف عن التهديد والدعاية الساخنة التي يقوم بها كل طرف إزاء الطرف الآخر. المفاوضات في الواقع كان السعي إلى عقدها صعبا نظرا لارتفاع حالات التأهب؛ وتدخل الوسطاء لم يفلح في دفع الطرفين إلى التراجع العسكري ولا توقف الوعيد الذي وعد به كل طرف الطرف الآخر. إيران كانت راغبة في تأكيد أن حالتها الآن تختلف عما كانت عليه وقت الحرب، وأنها الآن أكثر استعدادا لكي تلقن واشنطن درسا قاسيا؛ والولايات المتحدة كانت تريد استمرارا للصورة التي تكونت عنها في الساحة العالمية بعد غزو فنزويلا وخطف رئيسها مادورو وزوجته، والحديث عن ضم جزيرة جرينلاند للوصاية الأمريكية بالشراء أو بالقوة.
إن «الفيل في الحجرة» كما يقال في الحديث الأمريكي عن وجود أمور حاسمة في ساعة التواصل والتفاوض لا يأتي ذكرها بينما يعلم الجميع أنها عناصر لا يمكن تجاهلها. ما كان يرفرف على الساسة في طهران هو الأوضاع الداخلية التي جرت في إيران بمقتضاها خرج مئات الألوف من الإيرانيين في أغلب المحافظات الإيرانية مطالبين بإسقاط النظام وتحميله مسؤولية الإخفاق في الحرب الأخيرة، فضلا عن إدارة الدولة واقتصادها الذي دخل في مراحل صعبة.
كذلك الوضع داخل الولايات المتحدة لم يكن يقل حرجا، وظهر ذلك بعد ما تراكم من اعتراضات على استخدام الرئيس ترامب للقوة المسلحة للخلاص من المهاجرين غير الشرعيين وما نتج عنها من سقوط قتلى في ولاية «مينيسوتا»؛ والذي صاحبه انخفاض نسب التأييد لترامب في استطلاعات الرأي العام خاصة في ظل ما انتهى إليه أمر الإدارة الأمريكية من شقاق مع الدول الأوروبية وشركاء حلف الأطلنطي. ببساطة كان كلا الطرفين في حاجة إلى ما يطمئن به الجبهة الداخلية في بلاده فضلا عن حلفائه حيث إيران تريد الحفاظ على «وكلائها» من المليشيات العربية في العراق ولبنان واليمن؛ أما الولايات المتحدة فقد كانت تقف على أكتافها إسرائيل ومجموعتها الحاكمة والتي ترى أنها شريكة فيما يجري سواء كان في ساحة القتال أو طاولة المفاوضات.
الوسطاء كان أمامهم نقاط مستعصية؛ البيئة التفاوضية كانت واقعة فوق صفيح ساخن ناجم عن حرب غزة الخامسة ونتائجها من «حرب الساحات» واستمرار سخونتها على جبهتي غزة ولبنان. وزاد على ذلك التأهب العسكري المشار إليه سابقا والذي طرح حالة من التربص والخوف من انفلات الأصابع على الزناد. وسط هذا المناخ الساخن فإن أجندة التفاوض كانت معقدة وأولويات كل طرف فيها مختلفة عن الآخر.
الولايات المتحدة تريد مناقشة المسألة النووية والصواريخ الإيرانية الثقيل منها والخفيف ووقف الاستعانة بالوكلاء - حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن - والتوقف عن إعدام المتظاهرين المعادين للمرشد العام خاصة بعد أن وعدهم الرئيس ترامب بأن «المساعدات قادمة».
هذا الجدول من القضايا مرفوض من الجانب الإيراني، الذي يرى فيه تدخلا إمبرياليا في الشؤون الداخلية للدولة الإيرانية ذات السيادة؛ وبينما يبدي استعدادا للتعامل مع المسألة النووية على أساس من استمرار القدرة على تخصيب اليورانيوم، فإنه يطلب رفع العقوبات الاقتصادية الواقعة على طهران بطريقة تتناسب مع كل تنازل تقدمه إيران التي عرضت تسليم 400 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى روسيا كدليل على حسن النية. حافة الهاوية حرجة وإنا لمنتظرون!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك