العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أمريكا وإيران.. على حافة الهاوية!

بقلم: د. عبد المنعم سعيد

الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

بلغت‭ ‬حالةُ‭ ‬التحدي‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وضعًا‭ ‬حرجًا‭ ‬فإما‭ ‬أنها‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬هذه‭ ‬المرة؛‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬جولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأولى‭ ‬قد‭ ‬أفرزت‭ ‬خروجا‭ ‬من‭ ‬عن‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭ ‬وقبول‭ ‬مسار‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬مع‭ ‬توافقات‭ ‬أمريكية‭ ‬إيرانية‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬مفاوضات‭ ‬أخرى‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬القضايا‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭. ‬الوسطاء‭ ‬العرب‭ (‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وسلطنة‭ ‬عمان‭ ‬وقطر‭) ‬والمسلمون‭ (‬تركيا‭ ‬وباكستان‭) ‬سوف‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬صبر‭ ‬أيوب‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنزلق‭ ‬أرجل‭ ‬المفاوضين‭ ‬إلى‭ ‬الهاوية‭.  ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تنعقد‭ ‬وسط‭ ‬مناخ‭ ‬لا‭ ‬يلائم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬يجذب‭ ‬الجميع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الحافة،‭ ‬ويغطي‭ ‬قطاعا‭ ‬حاميا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرجة‭. ‬وحتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬كان‭ ‬مرصودا‭ ‬أن‭ ‬المفاوضات‭ ‬سوف‭ ‬تجرى‭ ‬في‭ ‬إسطنبول‭ ‬تركيا؛‭ ‬لكن‭ ‬تم‭ ‬تحويلها‭ ‬لتنعقد‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬جسرا‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬كان‭ ‬أشهرها‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬شنته‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لحرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوما‭!‬

الحقيقة‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه‭ ‬بسهولة،‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التفاوض‭ ‬وممارسته‭ ‬ينعقد‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التأهب‭ ‬العسكري‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وضعت‭ ‬زهرة‭ ‬أسطولها‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬وإيران‭ ‬أعلنت‭ ‬حالة‭ ‬التأهب‭ ‬في‭ ‬أسطولها‭ ‬لكي‭ ‬يقوم‭ ‬بمناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬قرب‭ ‬‮«‬مضيق‭ ‬هرمز‮»‬‭ ‬والشواطئ‭ ‬الإيرانية‭.‬

وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬الاستطلاع‭ ‬قامت‭ ‬طائرة‭ ‬مسيرة‭ ‬إيرانية‭ ‬بالسير‭ ‬فوق‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬‮«‬إبراهام‭ ‬لينكولن‮»‬،‭ ‬وقامت‭ ‬هذه‭ ‬بإسقاطها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الطائرة‭ ‬الأمريكيةF-35‭ ‬؛‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬أنتجته‭ ‬الترسانة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الدمار‭. ‬الواقعة‭ ‬كثفت‭ ‬جهود‭ ‬الوساطة‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬المفاوضات‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬مقدمة‭ ‬لوقف‭ ‬التصعيد‭ ‬ومعه‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ،‭ ‬والتوقف‭ ‬عن‭ ‬التهديد‭ ‬والدعاية‭ ‬الساخنة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬إزاء‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬عقدها‭ ‬صعبا‭ ‬نظرا‭ ‬لارتفاع‭ ‬حالات‭ ‬التأهب؛‭ ‬وتدخل‭ ‬الوسطاء‭ ‬لم‭ ‬يفلح‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬التراجع‭ ‬العسكري‭ ‬ولا‭ ‬توقف‭ ‬الوعيد‭ ‬الذي‭ ‬وعد‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬راغبة‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬حالتها‭ ‬الآن‭ ‬تختلف‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬وقت‭ ‬الحرب،‭ ‬وأنها‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادا‭ ‬لكي‭ ‬تلقن‭ ‬واشنطن‭ ‬درسا‭ ‬قاسيا؛‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬استمرارا‭ ‬للصورة‭ ‬التي‭ ‬تكونت‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬العالمية‭ ‬بعد‭ ‬غزو‭ ‬فنزويلا‭ ‬وخطف‭ ‬رئيسها‭ ‬مادورو‭ ‬وزوجته،‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬ضم‭ ‬جزيرة‭ ‬جرينلاند‭ ‬للوصاية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالشراء‭ ‬أو‭ ‬بالقوة‭.‬

إن‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬في‭ ‬الحجرة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬أمور‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬التواصل‭ ‬والتفاوض‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬ذكرها‭ ‬بينما‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أنها‭ ‬عناصر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يرفرف‭ ‬على‭ ‬الساسة‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬هو‭ ‬الأوضاع‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بمقتضاها‭ ‬خرج‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬الإيرانيين‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬المحافظات‭ ‬الإيرانية‭ ‬مطالبين‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬وتحميله‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬واقتصادها‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬صعبة‭.‬

كذلك‭ ‬الوضع‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يقل‭ ‬حرجا،‭ ‬وظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬من‭ ‬اعتراضات‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬للقوة‭ ‬المسلحة‭ ‬للخلاص‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬الشرعيين‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬سقوط‭ ‬قتلى‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬‮«‬مينيسوتا»؛‭ ‬والذي‭ ‬صاحبه‭ ‬انخفاض‭ ‬نسب‭ ‬التأييد‭ ‬لترامب‭ ‬في‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬أمر‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬شقاق‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬وشركاء‭ ‬حلف‭ ‬الأطلنطي‭. ‬ببساطة‭ ‬كان‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يطمئن‭ ‬به‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬حلفائه‭ ‬حيث‭ ‬إيران‭ ‬تريد‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬وكلائها‮»‬‭ ‬من‭ ‬المليشيات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن؛‭ ‬أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬أكتافها‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومجموعتها‭ ‬الحاكمة‭ ‬والتي‭ ‬ترى‭ ‬أنها‭ ‬شريكة‭ ‬فيما‭ ‬يجري‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬القتال‭ ‬أو‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭.‬

الوسطاء‭ ‬كان‭ ‬أمامهم‭ ‬نقاط‭ ‬مستعصية؛‭ ‬البيئة‭ ‬التفاوضية‭ ‬كانت‭ ‬واقعة‭ ‬فوق‭ ‬صفيح‭ ‬ساخن‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬الخامسة‭ ‬ونتائجها‭ ‬من‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الساحات‮»‬‭ ‬واستمرار‭ ‬سخونتها‭ ‬على‭ ‬جبهتي‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭. ‬وزاد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التأهب‭ ‬العسكري‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬سابقا‭ ‬والذي‭ ‬طرح‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التربص‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬انفلات‭ ‬الأصابع‭ ‬على‭ ‬الزناد‭. ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬الساخن‭ ‬فإن‭ ‬أجندة‭ ‬التفاوض‭ ‬كانت‭ ‬معقدة‭ ‬وأولويات‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬فيها‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭.‬

الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تريد‭ ‬مناقشة‭ ‬المسألة‭ ‬النووية‭ ‬والصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬الثقيل‭ ‬منها‭ ‬والخفيف‭ ‬ووقف‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالوكلاء‭ - ‬حماس‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والحوثيون‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ - ‬والتوقف‭ ‬عن‭ ‬إعدام‭ ‬المتظاهرين‭ ‬المعادين‭ ‬للمرشد‭ ‬العام‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وعدهم‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬المساعدات‭ ‬قادمة‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الجدول‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬مرفوض‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬تدخلا‭ ‬إمبرياليا‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ذات‭ ‬السيادة؛‭ ‬وبينما‭ ‬يبدي‭ ‬استعدادا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬المسألة‭ ‬النووية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬فإنه‭ ‬يطلب‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬طهران‭ ‬بطريقة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬تنازل‭ ‬تقدمه‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬عرضت‭ ‬تسليم‭ ‬400‭ ‬كيلو‭ ‬جرام‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭% ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬النية‭. ‬حافة‭ ‬الهاوية‭ ‬حرجة‭ ‬وإنا‭ ‬لمنتظرون‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا