الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس مجرد زعيم سياسي يخطئ ويصيب، بل هو حالة استثنائية، قد تصل في منتهاها إلى تقويض القيم الأمريكية الجوهرية والانقلاب عليها، إذا تُرك له الحبل على الغارب.
جديد تجاوزاته تجسد في مقطع فيديو عنصري يصوّر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين، في إساءة صادمة لرمزين أمريكيين بارزين. صحيح أن البيت الأبيض سارع إلى سحب الفيديو، زاعما أنه خطأ من أحد الموظفين، لكن تلك الفعلة لا تخرج أبدًا عن الخط السياسي والأخلاقي الذي اعتاد ترامب اتباعه منذ إطلالته علي ساحة السياسة الأمريكية والعالمية.
ولم تكن تلك الفعلة حادثة منفردة أو زلة عابرة، بل إنها تمثل نمطًا عدائيًا دأب فيه ترامب على مهاجمة خصومه بأبشع الإهانات العنصرية وتغذية الانقسام الاجتماعي؛ فتصرّفاته المتكررة في مهاجمة المؤسسات الصحفية، والتشكيك في نزاهة القضاء، وتعنيف المعارضة، تضعه خارج إطار الهفوات السياسية الاعتيادية، وتجعل منه قوة مُدمرة تعيد تعريف صورة الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا.
وقد حذّر السيناتور الجمهوري جون ماكين من أن «قمع حرية الصحافة هو الطريقة التي يبدأ بها أي ديكتاتور عمله، مشيرًا إلى أن الصحافة الحرة هي الركيزة الأولي للحفاظ على الديمقراطية، ومحذرًا من أن فقدانها يعني تفكيك الحريات والحقوق المدنية تدريجيًا.
وإضافة إلى ذلك، فإن ترامب نشر قوات عسكرية لقمع احتجاجات مدنية، مخالفًا مبدأ عدم تدخل الجيش في الشؤون الداخلية، في سابقة لم يشهدها النظام الوطني من قبل. ووصف خبراء حقوقيون هذا التدخل بأنه «هجوم مُنسَّق على البنية الدستورية.
وعلي صعيد الحكم، أعلنت إدارة ترامب رفضها الصريح لأي معارضة أو نقد؛ فقد أعلن أحد مستشاريه أن الحزب الديمقراطي «ليس حزبا سياسيًا، بل منظمة متطرفة داخلية»، في مخالفة واضحة لروح التعددية. وإضافة إلى ذلك، فإن ترامب يواجه أي حكم قضائي «غير مريح» بوابل من التشهير؛ فقد وصف القضاة المعترضين عليه بأنهم «متطرّفون يساريون» و«مجانين»، مما يقوض استقلال القضاء بذريعة الخلاف السياسي.
ومن منظور القيم الأمريكية المُعلنة، فقد احتشدت هذه الخروقات في هجوم مستمر علي الحرية والعدالة. فالخطابات المتشددة والقرارات المنحازة تعكس ازدراءً تامًا للمبادئ التي يُفترض أن تُجسِّدها الدولة.
في هذا السياق، أشار نقاد ترامب إلى ما وصفوه بـ «إعلان الحرب على الثقافة والتاريخ والعلم والمعرفة ذاتها»، ورأوا أن الرئيس «يقوض مؤسسات الإعلام، ويشن هجومًا على التعديل الأول للدستور».
وقد بدا واضحًا أن الرئيس لا يقف عند أي معيار؛ فهو يدعو مثلًا الشرطة إلى استخدام القوة المفرطة، ويهاجم الحريات باسم الأمن، ويتدخل في شؤون الولايات بتحويل المساعدات الفيدرالية إلى حصار سياسي. أما على الصعيد العالمي، فقد بدا ترامب مُعاديًا للقيم التي كانت تدافع عنها بلاده باستمرار؛ فقد كتب في إحدى تغريداته أن «الولايات المتحدة ليست لديها حرية صحافة، بل لديها قمع للحقيقة»، متوعدًا بمعاقبة منصات «التواصل الاجتماعي» التي لا تلبي رغبات إدارته. وقد أثارت هذه التصريحات غضب الشركاء الديمقراطيين، حيث باتت الولايات المتحدة تبدو كأنها تتنكر للقيم التي تدعي تمثيلها. ليس هذا فقط، فقد وصل نزوع ترامب الصدامي إلي الحقوق الأساسية على الصعيد العالمي؛ إذ رأت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن «النظام الدولي لحقوق الإنسان أضحي في خطر تحت وطأة سياسات ترامب»، مشيرة إلى أن مخاوف العالم من عدوانية واشنطن الجديدة تدفع الآخرين إلي تهميش الالتزامات الدولية.
ولم يخف ترامب تبنيه مواقف تمس سيادة القانون الدولي، فقد أعلن أنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، ويعتمد فقط على «أخلاقه الخاصة»، معلنًا بذلك رفض أي قيد خارجي على أفعاله.
في المحصلة، تكشف ظاهرة ترامب أن ما يجري ليس مجرد أخطاء رئاسية عابرة، بل ثورة مضادة على قيم الحكم الديمقراطي. فكل حادثة من تلك الحوادث رسمت مشهدًا متكاملًا لاحتضار الضوابط السياسية؛ من قمع الصحافة إلى تسييس القضاء واستهداف المعارضة، وهي كلها سمات لعهد جديد.
وفي تعبير واضح عن حجم الخطر، أصدر أكثر من مائة عالم أمريكي في العلوم السياسية والقانون بيانًا مشتركًا قالوا فيه إن «الديمقراطية الأمريكية في خطر»، مطالبين بإصلاحات فورية للحيلولة دون انزلاق البلاد نحو الاستبداد.
وهكذا، يتضح أن سلوك ترامب ليس مسألة تجريبية عابرة؛ فإصراره على تحطيم الضمانات وإلغاء المعايير الدولية جعل مما يفعله امتحانًا حقيقيًا للدولة الأمريكية. فإما أن تستنهض قواها للدفاع عن قيمها ومنجزها الذي قامت عليه، أو أن تعود إلى مربع القوة العارية الذي عايشه التاريخ في فترات كارثية مضت.
إن إرث ترامب التخريبي، إن تُرك بلا رادع، قد يغيّر تعريف الولايات المتحدة لذاتها إلى الأبد. فبدلا من أن تُعرف كدولة مؤسسات وقانون، ستُرى دولة الرجل الأوحد المتحكم؛ وبدلا من كونها راعية للحريات كما تقول، ستصبح منبعًا لعدوي الاستبداد.
بات الدفاع عن القيم الديمقراطية اليوم معركة مصيرية على مستقبل الولايات المتحدة وموقعها الأخلاقي في العالم. وفي هذه المعركة يُجمع معارضو ترامب، وحتى بعض مناصريه السابقين، على وجوب التصدي لهذا الانجراف السلطوي غير المسبوق. فاستمرار ترامب على نهجه دون رادع لا يعني تمزيق العقد الاجتماعي الأمريكي فقط، لكنه يمثل تقويضًا للنظام العالمي المبني على قيم تم التوافق عليها دوليًّا، وهو ثمن باهظ سيدفعه الجميع لأجيال قادمة.
{ كاتب وباحث إعلامي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك