العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لماذا تقترب روسيا من حسم الحرب مع أوكرانيا؟

بقلم: هاني عوكل

الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

لن‭ ‬تهدأ‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭ ‬حتى‭ ‬تحقق‭ ‬جميع‭ ‬أهدافها‭ ‬وتعلن‭ ‬الانتصار‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬تشبه‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬الهتلرية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كحصار‭ ‬ليننجراد‭ ‬الذي‭ ‬استبسل‭ ‬فيه‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬آنذاك‭ ‬حتى‭ ‬يخرج‭ ‬منتصراً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

وجه‭ ‬الشبه‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الحالية‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ومعركة‭ ‬ليننجراد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إصرار‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصار،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كلفها‭ ‬ذلك‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬وإضعاف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتضحية‭ ‬بمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬جنودها‭ ‬في‭ ‬المعركة‭.‬

خلال‭ ‬اجتماعه‭ ‬مع‭ ‬مسؤولين‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬بموسكو،‭ ‬شدد‭ ‬الرئيس‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬ستحقق‭ ‬أهدافها‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬‮«‬بكل‭ ‬تأكيد‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬التأكيد‭ ‬يأتي‭ ‬انسجاماً‭ ‬مع‭ ‬إصرار‭ ‬روسي‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

يعلم‭ ‬بوتين‭ ‬وكبار‭ ‬قياداته‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬إذا‭ ‬خسرت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ستكون‭ ‬لقمة‭ ‬سائغة‭ ‬لأوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬وستتكالب‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬لإضعافها‭ ‬واجتزاء‭ ‬أراضٍ‭ ‬منها،‭ ‬وستتحول‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬فاشلة‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬إبان‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1991‭.‬

روسيا‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬حليفا‭ ‬لسورية‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬ووفرت‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬القوة‭ ‬للتصدي‭ ‬لمنافسيها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬السوري،‭ ‬تخلت‭ ‬عنها،‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬حتى‭ ‬تؤمن‭ ‬احتياجاتها‭ ‬العسكرية‭ ‬وتركز‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬الدائرة‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا‭.‬

وبالتأكيد،‭ ‬ستتخلى‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬أهم‭ ‬حلفائها‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الموضوع‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بعقد‭ ‬صفقات‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬الطاولة‭ ‬أو‭ ‬تحتها‭ ‬حتى‭ ‬تؤمن‭ ‬انتصارها‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬لأنها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬تعزيزا‭ ‬لحضورها‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬العالم‭ ‬وأوروبا‭ ‬تحديداً،‭ ‬مع‭ ‬نفوذ‭ ‬جغرافي‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوكراني‭.‬

هذا‭ ‬سيحصل‭ ‬إذا‭ ‬توقفت‭ ‬الحرب‭ ‬ووافق‭ ‬الرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬زيلينسكي‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬روسيا،‭ ‬واستجاب‭ ‬لمطلب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حول‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬إقرار‭ ‬سياسة‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬سترفضه‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬بالتأكيد‭.‬

الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬يريد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بجميع‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬عليها‭ ‬قواته‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم،‭ ‬حتى‭ ‬تتوفر‭ ‬أسباب‭ ‬السلام‭ ‬الممكن،‭ ‬ويعزز‭ ‬مطالبه‭ ‬هذه‭ ‬بحديثه‭ ‬المكرر‭ ‬عن‭ ‬تولي‭ ‬جيشه‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬خط‭ ‬الجبهة‭.‬

ما‭ ‬يدعم‭ ‬تأكيدات‭ ‬بوتين‭ ‬سيطرة‭ ‬قواته‭ ‬على‭ ‬كوبيانسك‭ ‬المدينة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرقي‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تغزله‭ ‬بتحديث‭ ‬الترسانة‭ ‬العسكرية‭ ‬وخصوصاً‭ ‬النووية،‭ ‬وإدخال‭ ‬صواريخ‭ ‬فرط‭ ‬صوتية‭ ‬وأخرى‭ ‬باليستية‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة،‭ ‬والتي‭ ‬يمكنها‭ ‬حمل‭ ‬رؤوس‭ ‬نووية‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬اختبرت‭ ‬موسكو‭ ‬أول‭ ‬نسخة‭ ‬تقليدية‭ ‬من‭ ‬صاروخ‭ ‬‮«‬أوريشنيك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يصعب‭ ‬اعتراضه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬هذا‭ ‬الصاروخ‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬وهو‭ ‬صاروخ‭ ‬باليستي‭ ‬حديث‭ ‬متوسط‭ ‬المدى‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬رؤوس‭ ‬نووية‭.‬

هذا‭ ‬الصاروخ‭ ‬ليس‭ ‬موجهاً‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬لكل‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويحمل‭ ‬مضامين‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬موسكو‭ ‬هي‭ ‬المسيطرة‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬المعركة،‭ ‬وأنها‭ ‬مستعدة‭ ‬لضرب‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

أيضاً‭ ‬هناك‭ ‬مسألة‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بفرض‭ ‬إملاءات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمكاسب‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وتخويف‭ ‬الغرب‭ ‬وتحذيرهم‭ ‬بمنع‭ ‬تزويد‭ ‬كييف‭ ‬بأسلحة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬سيدفع‭ ‬موسكو‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬علي‭ ‬وعلى‭ ‬أعدائي‮»‬‭.‬

بالتأكيد،‭ ‬واشنطن‭ ‬ربما‭ ‬مهتمة‭ ‬بتحقيق‭ ‬روسيا‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الانتصار،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬سيعني‭ ‬اتكال‭ ‬كل‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬تأمين‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬وتوثيق‭ ‬الصلات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وسيضمن‭ ‬توسع‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعسكرية،‭ ‬تقف‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حسم‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬بدليل‭ ‬حديثها‭ ‬الصاخب‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمنية‭ ‬وتحديث‭ ‬أسطولها‭ ‬العسكري‭ ‬وضخ‭ ‬استثمارات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬القتالية‭.‬

من‭ ‬دون‭ ‬واشنطن،‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬روسيا،‭ ‬والسبب‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬متفقة‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬رجل‭ ‬واحد‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬دولا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬الطوعي‭ ‬التدريجي‭ ‬عن‭ ‬الحماية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تريد‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬البقاء‭ ‬تحت‭ ‬هذه‭ ‬المظلة‭ ‬الأمنية‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬إن‭ ‬صوت‭ ‬أوروبا‭ ‬خافت‭ ‬لا‭ ‬يلقى‭ ‬صدى‭ ‬عند‭ ‬الأمريكان‭ ‬والروس‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالملف‭ ‬الأوكراني،‭ ‬وهناك‭ ‬خشية‭ ‬أوروبية‭ ‬حقيقية‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬أي‭ ‬انتصار‭ ‬روسي‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬لصالح‭ ‬موسكو‭.‬

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا