منذ أكتوبر 2023، استمرت إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، في سياق ما يُعد إبادة جماعية ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني. ورغم الانتهاكات الواضحة للقانون الدولي، رفضت الحكومات الغربية اتخاذ مواقف حازمة ضد هذه الجرائم، سواء من خلال محاسبة القادة الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية أو فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إسرائيل، كما فعلت مع روسيا بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا.
وبينما تغرق غزة في دمار شامل، يبرز دور الشركات الغربية الكبرى في تعزيز السياسات الإسرائيلية عبر الحملات الدعائية والشركات الاستشارية التي تسهم في إخفاء الجرائم المرتكبة. وفي هذا السياق، يسلط الضوء على دور الشركات العالمية الكبرى مثل مجموعة بوسطن الاستشارية التي كانت في قلب هذا التواطؤ.
وطرحت أنيل شيلين، زميلة أولى غير مقيمة في المركز العربي بواشنطن، والتي استقالت من منصبها في مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بوزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2024 احتجاجًا على دعم إدارة بايدن لإسرائيل، السؤال: «كيف يمكن للعالم أن يسمح باستمرار المذبحة العشوائية للفلسطينيين» دون سبيل للانتصاف منذ أكتوبر 2023، وأضافت أن أحد الأسباب المهمة هو «استفادة العديد من الشركات القوية» في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى «من تصرفات إسرائيل».
وتم التطرق إلى التقرير الذي صدر في يوليو 2025 عن فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعنوان «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية»، والذي يوضح كيف مكنت العديد من الشركات الغربية، من بينها مصارف مثل باركليز، وبي إن بي باريبا، وشركات التكنولوجيا العملاقة مايكروسوفت وجوجل وأمازون، وشركات إدارة الأصول بلاك روك وفانغارد «اقتصاد الإبادة الجماعية» مع «عرض وطلب كبيرين، ورقابة ضئيلة، ومساءلة صفرية».
وأثارت شيلين، والتي تعمل أيضًا زميلة باحثة في معهد كوينسي للحكم الرشيد، المزيد من الجدل حول كيفية استفادة العديد من هذه الشركات الغربية ماليًّا على وجه الخصوص من «جهود إسرائيل المستمرة لتجنب المساءلة» عن جرائم الحرب التي ارتكبتها، من خلال حملات التأثير التي تحاول تبييض سمعة البلاد السلبية بشكل واضح في جميع أنحاء العالم.
وأشهر تلك الوقائع تلك المتعلقة بمجموعة بوسطن الاستشارية، والتي أميط اللثام عن دورها في التخطيط لأسوأ سياسات الحكومة الإسرائيلية - بدءًا من التحريض على تقويض البرنامج الإنساني للأمم المتحدة في غزة من خلال ما يسمى «مؤسسة غزة الإنسانية» الفوضوية، والتخطيط لإعادة بناء غزة على غرار مخطط «ريفييرا الشرق الأوسط» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والدفع نحو الترحيل القسري للاجئين الفلسطينيين إلى أجزاء بعيدة من آسيا وإفريقيا.
وكما أشارت مروة مزيد، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة ميريلاند، فإنه على الرغم من أن آلة الدعاية الإسرائيلية حول العالم –عبر شركات الاستشارات الغربية ومواقع التواصل الاجتماعيــ «تستطيع شراء وقت البث، والروبوتات، واللوحات الإعلانية»، فإنها لا تستطيع «شراء الشرعية» عندما تستند سياساتها على الاحتلال الدائم، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، ويتبدى إخفاقها في استطلاعات الرأي بين الشعوب الغربية، الذين ــحتى في حالة الولايات المتحدةــ يرفضون الآن بشدة حرب إسرائيل ضد غزة ويعززون مكانتها كدولة منبوذة دوليا.
وبالتمعن مع البحث الذي تمخض عنه تقرير ألبانيز المذكور آنفًا، والذي أدرج «شركات مالية وبحثية وقانونية واستشارية وإعلامية ودعائية» غربية كـ«مُمكّنات» للاقتصاد الإسرائيلي القائم على الإبادة الجماعية، سجلت شيلين كيف أن «التحقيقات الإضافية في شركات الاستشارات وشركات التواصل الاجتماعي والعلاقات العامة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها»؛ تؤكد «اضطلاعها بدور حيوي - وإن كان غالبًا ما يتم تجاهله- في تبييض جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وفي صرف الإدانة الدولية التي تنامت بالأشهر الأخيرة».
كانت مجموعة بوسطن الاستشارية فاعلًا جوهريًا فيما يسمى «مؤسسة غزة الإنسانية»، والتي بدأت عملياتها شهر مايو 2025، في أعقاب الحصار الإسرائيلي الذي دام شهورًا لمنع وصول المساعدات. وكان توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، قد نعتها بأنها «عرض جانبي ساخر»، وشهدت شيلين بأن تدشينها؛ بقصد متعمد «استبدال وكالات الأمم المتحدة، وخاصة الأونروا، في دورها القيادي القائم على توزيع المساعدات الإنسانية بغزة» مع «تجاهل واضح للمبادئ الإنسانية».
في الواقع، مع توثيق استخدام جنود الاحتلال الإسرائيلي والمتعاقدين الأمريكيين الخاصين للذخيرة الحية ضد حشود المدنيين اليائسين الساعين للحصول على كميات غير كافية من المساعدات الإنسانية؛ فليس من المستغرب إفادة الأمم المتحدة بسقوط 1400 شهيد فلسطيني ممن حاولوا الحصول على المساعدات بين مايو وأغسطس 2025، أكثر من 850 منهم في مواقع «مؤسسة غزة الإنسانية».
وسجلت يارا إبراهيم، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي كيف لعبت بوسطن الاستشارية «دورًا رئيسيًا في تصميم» مؤسسة غزة الإنسانية، ولا سيما مع فيل رايلي، مؤسس ومدير شركة «سيف ريتش سولوشنز»، وهو أحد المقاولين العسكريين الخاصين الذين عينتهم «المؤسسة»، والذي كشف لاحقًا أنه كان مستشارًا سابقًا لمجموعة بوسطن الاستشارية بين عامي 2017 و2025، بل كان لا يزال يشغل ذات المنصب عندما شرع في تعاونه مع صناع القرار الإسرائيليين ببرنامج مساعدات ليحل محل وكالات الأمم المتحدة.
وعلاوة على ذلك، في يونيو 2025، أفيد كيف تم تمويل «سيف ريتش سولوشنز» نفسها من قبل شركة «ماكنالي كابيتال» ومقرها شيكاغو، والتي تمتلك بدورها «أوربس»، ومقرها فرجينيا، والتي ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أنها شاركت أيضًا في مخطط «أنماط جديدة لتوزيع الغذاء في غزة» تحت رعاية إسرائيل.
وبُعيد التغطية الإعلامية لهذا الدور، سلطت شيلين الضوء على كيف دخلت مجموعة بوسطن الاستشارية في «وضع السيطرة على الأضرار»، لتبرئة نفسها عبر طردها اثنين من الشركاء في يونيو 2025 بتهمة «العمل غير المصرح به» فيما يتعلق بتوزيع المساعدات في غزة، ومع ذلك في الشهر التالي، أفاد ستيفن فولي، من صجيفة «فاينانشال تايمز»: كيف جاء دور الشركة «أكثر شمولاً» مما جرى الاعتراف به؛ حيث «يمتد على مدى سبعة أشهر، ويغطي أكثر من 4 ملايين دولار من العمل المتعاقد عليه»، و«ينطوي على مناقشات داخلية على المستويات العليا للشركة».
على سبيل المثال، من المعروف أن مجموعة بوسطن الاستشارية تعاونت مع معهد توني بلير للتغيير العالمي في مخطط يهدف إلى تنفيذ نية ترامب المعلنة سابقًا لتحويل غزة إلى ما يشبه «الريفييرا» على ساحل البحر المتوسط. ولتحقيق ذلك، كشف فولي كذلك كيف خططت الشركة لعمليات نقل قسري للاجئين الفلسطينيين إلى دول أخرى بالتنسيق مع رجال أعمال إسرائيليين. وزعمت الشركة أن هذه التحركات قد تحقق فوائد اقتصادية بقيمة 4.7 مليارات دولار للدول المستقبلة للاجئين، بينما رأت ببرود أن نحو 500 ألف فلسطيني سيتم إجبارهم على مغادرة أرضهم سيحصلون فقط على «حزم إعادة توطين» تبلغ حوالي 9 آلاف دولار.
ففي موازنة عام 2025، خصص ائتلاف نتنياهو المتشدد مبلغًا إضافيًا قدره 150 مليون دولار لوزارة الخارجية لأغراض «الدبلوماسية العامة»، وهو رقم يتجاوز الميزانيات السابقة بعشرين مرة. وثقت شيلين أن جوجل حصلت على عقد بقيمة 45 مليون دولار لعرض مقاطع دعائية على يوتيوب، بينما حصلت منصة إكس التابعة لإيلون ماسك على 3 ملايين دولار لحملة إعلانات مؤيدة لإسرائيل.
وفي يونيو 2024، استأجرت وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية شركة ستويك لإدارة حملة سرية على وسائل التواصل في الولايات المتحدة عبر حسابات مزيفة استهدفت الجمهور التقدمي بمحتوى مؤيد لإسرائيل. وعلى الرغم من إزالة المنصات لهذا المحتوى، فإن ميزة جديدة في إكس تكشف أن الحسابات التي يُفترض أنها أمريكية أو إسرائيلية تُدار فعليًا من دول مثل الهند ونيجيريا، مما يبرز مدى انتشار آلة النفوذ الإسرائيلي.
رغم أن الجهاز الدعائي الإسرائيلي «لا يزال يعمل بكامل طاقته»، فإن واقع «المدن المدمرة والمجاعة الجماعية وارتفاع وفيات المدنيين» جعل رواية مزيد حول غزة والفلسطينيين عاجزة. وقد انعكس ذلك في تراجع صورة إسرائيل وحكومتها في الدول الغربية. ففي عام 2025، سجلت معدلات تأييد منخفضة تاريخيًا لإسرائيل في أوروبا، وتكرر هذا في الولايات المتحدة. أظهر استطلاع مركز بيو في سبتمبر 2025 أن 59% من الناخبين الأمريكيين يحملون رأيًا سلبيًا تجاه الحكومة الإسرائيلية، و79% يعربون عن قلقهم من قتل المدنيين الفلسطينيين، بينما يعارض 69% التهجير القسري من غزة.
وفي استطلاع آخر من جامعة كوينيبياك، تراجعت نسبة الأمريكيين الذين يرون أن دعم إسرائيل «مصلحة وطنية» من 69% في 2023 إلى 47% في 2025. كما أشار شبلي تلحمي، أستاذ أمريكي في قسم الحكومة والسياسة في جامعة ميريلاند، إلى أن هذا التحول في الرأي العام قد يضغط على صناع القرار، خاصة في الحزب الديمقراطي حيث يواجه السياسيون الذين يحصلون على دعم من إيباك انتقادات أكبر. حتى في الحزب الجمهوري الترامبي، أظهرت استطلاعات أن 37% من الأمريكيين عبروا عن عدم رضاهم عن إسرائيل، بما في ذلك 50% من الفئة العمرية 18–49 عامًا، مما دفع بعض المعلقين المحافظين، بما في ذلك داخل حركة «ماغا»، إلى الانتقاد المتزايد لحكومة إسرائيل والدعم الأمريكي المستمر لها.
لكن، ومن دون اتخاذ الحكومات الغربية خطوات منسقة ضد حملات التأثير الإسرائيلية، ستواصل الشركات الغربية التعاون معها. فعلى سبيل المثال، رغم أن إدارة مايكروسوفت أوقفت وصول إسرائيل إلى منصة أزور السحابيّة تحت ضغط شعبي ومن المساهمين، إلا أن شيلين ترى أن هذا سيجعل حكومة نتنياهو تعتمد أكثر على جوجل وأمازون بدلًا من ذلك. وبالنسبة إلى مجموعة بوسطن الاستشارية، فإن منظمة إنقاذ الطفولة هي الوحيدة بين المؤسسات الإنسانية الكبرى التي قطعت علاقاتها معها، بينما أفاد ويل وورلي من نيو هيومانيتاريان أن منظمة الصحة العالمية لا تزال تملك عقدًا ضخمًا مع المجموعة، وأن برنامج الغذاء العالمي لم يتجاوز مستوى «المراجعة الشاملة» في تقييم علاقته بالشركة.
وأوضحت آراتي كريشنان من مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبريدج أن «النبرة السائدة» في المنظمات الإنسانية تتجه نحو مراجعات شكلية وتصريحات حذرة تعكس استعدادًا للتنازل عن المبادئ مقابل الاستمرارية. كما عبرت ديبورا دوان من منظمة رايتس كولاب عن أسفها لأن هذا المثال ليس سوى «جزء بسيط من المشكلة»، موضحة أن القطاع الإنساني أصبح منذ أواخر التسعينيات أكثر اعتمادًا على مستشاري الإدارة، ما أدى إلى إبعاده عن العمل المبني على التضامن.
وأشارت شيلين إلى أن «إدارة سمعة إسرائيل» بالنسبة إلى ائتلاف نتنياهو المتطرف وللدول الغربية التي لا تزال تحميه من المساءلة الدولية تعد أمرًا ثانويًا أمام تحقيق أهدافه في غزة ضد الفلسطينيين. وبالتالي، ورغم أن الشركات الاستشارية الغربية مثل مجموعة بوسطن الاستشارية تعرضت لضرر في سمعتها بسبب مشاركتها في مخطط مؤسسة غزة الإنسانية، إلا أنه لا ينبغي تجاهل أن هذه الخطة حققت بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية هدفها الأساسي المتمثل في تقويض دور الأمم المتحدة في غزة ودفع مئات آلاف السكان إلى الجوع وسوء التغذية والمجاعة.
ومع تراجع الزخم السياسي نحو محاسبة إسرائيل بعد إعلان وقف إطلاق النار في أوائل أكتوبر 2025، حذر مسؤول سابق في وزارة الخارجية من أنه مع تعزيز إسرائيل قبضتها على غزة وتوسيع ضمها للأراضي في الضفة الغربية، فقد تصل في النهاية إلى مرحلة ترى فيها أن أي حملة تضليل إعلامي لم تعد «ضرورية» على الإطلاق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك